مصارف لبنان تهرب من «الشفافيّة»

0

لم تعد المصارف قادرة على الاحتفاظ بالحدّ الأدنى من الشفافية. فالمصارف الثلاثة الأكبر في لبنان، والتي تمثّل نحو نصف الموجودات المصرفية، اضطرت إلى وقف إدراج شهادات إيداع عالمية كانت قد أدرجتها في بورصة لندن منذ سنوات. دوافع الهروب ليست مرتبطة بكلفة هذه المنتجات كما ادّعت، بل بآليات الإفصاح عن بياناتها المالية في الأسواق الخارجية، حيث يفرض عليها الخضوع لمعايير المحاسبة الدولية المعتمدة أوروبياً سواء IFRS أو غيرها. المصارف اللبنانية لم تعد قادرة على الالتزام وبياناتها المالية لم تعد تعبّر عن حقيقة أوضاعها.

ابتداءً من شهر حزيران الماضي، بدأت المصارف اللبنانية التي تدرج أسهمها في بورصة لندن عبر شهادات إيداع عالمية، بإجراءات وقف الإدراج. خلال بضعة أسابيع، نفّذت عمليات الانسحاب. برّرت المصارف خطوتها ببيانات تكاد تكون متطابقة. فجميعها أشارت إلى أن حجم التداول الضئيل والسيولة ليس متناسباً مع كلفة إبقاء هذه الأدوات في بورصة لندن وأن هذه الخطوة لا تعني إلغاء برنامج شهادات الإيداع العالمية التي ستبقى متداولة في بورصة بيروت

في الواقع، إن شهادات الإيداع العالمية ليست برنامجاً بسيطاً يسهل الانخراط فيه. فالمؤسسات المالية تسعى إلى خطوة كهذه من أجل تأمين حضور أوسع في الخارج، وإظهار مستوى مرتفع من الشفافية أمام مساهميها وزبائنها (مودعين ومقترضين) ولا سيما أولئك الأجانب بينهم بهدف جذب المزيد منهم أيضاً سواء عبر هذه الأدوات أو غيرها من البرامج التي تتيح للمصرف تسعير أسهمه في الخارج… وشهادة الإيداع العالمية، ليست سهماً للمصرف، بل هي شهادة بمجموعة من الأسهم صادرة عن مؤسسات متخصّصة، لكن لا يمكن أن تحقق هذه الأهداف من دون الولوج إلى البورصات الأجنبية التي تحدّد شروطاً للموافقة على إدراجها في التداول وللاستمرار فيه أيضاً.

من أبرز إجراءات بورصة لندن للإدراج، أن تكون 25% من أسهم المؤسسة مطروحة للعموم، وألا يُسمح بأن تُدرج هذه المنتجات ضمن مؤشّر فايناشيال تايمز، وأن تكون لديها حسابات مدقّقة لا تعود إلى أكثر من 9 أشهر ماضية، وأن تكون خاضعة لمعايير المحاسبة الدولية المقبولة أوروبياً مثل الـIFRS أو تلك الموافق عليها لدول خارج منطقة الاقتصاد الأوروبي approved GAAPs for non-EEA issuers.

هذه الشروط مرتبطة أيضاً بشروط الاستمرارية في الإدراج التي تتطلب: حوكمة مالية في البيانات السنوية تتلاءم مع متطلبات الشفافية وقواعدها، التصريح السريع عن أيّ عمليات ملحوظة، وبيانات مالية سنوية تُنشر خلال 4 أشهر من انتهاء السنة، وتقارير مالية نصف سنوية…

الالتزام بهذه المعايير هو الأهم للإدراج والاستمرار فيه. لكنّ مبرّرات المصارف اللبنانية المصرّح عنها في بورصتَي بيروت ولندن، لا تطابق الواقع. فالمصارف الثلاثة التي تمثّل أكبر ثلاثة مصارف في لبنان ولديها حصّة سوقية تكاد توازي نصف الموجودات المصرفية، لم تتمكن من إصدار تقارير وبيانات مالية في الوقت المطلوب منها (خصوصاً منذ تشرين الأول 2019 ولغاية آذار 2020)، وعندما أتيح لها إصدار هذه التقارير والبيانات، فإنها أتت مشوبة بواقع جديد يتعلق بعدم موافقة مدقّقي الحسابات المالية على البيانات المصرّح عنها، أو إبداء رأي معاكس ناتج عن إخفاق المصارف في الالتزام بمعايير المحاسبة الدولية.

هذه الضربة، كانت كافية للانسحاب من الخارج. فلا أسهم المصارف اللبنانية مرغوبة للتداول في الخارج، ولم تعد تملك الحدّ الأدنى من الشفافية بحسب المعايير الدولية. فلماذا الاستمرار بالإدراج طالما أنه يكبّد المصارف أعباء كبيرة تدفعها بالدولار الحقيقي.؟ لذا قرّرت هذه المصارف، أن تنسحب إلى لبنان وتعود إلى بورصة بيروت. ربما بورصة بيروت هي الأنسب لها بعد تحوّلها إلى مصارف «زومبي» ليست على قيد الحياة، إنما لم تعبر بعد نحو الموت النهائي، وهذا الأمر ينطبق على معظم المصارف العاملة في لبنان.

أصلاً، كان مسار شهادات إيداع المصارف المدرجة في الأسواق الخارجية، مساراً انحدارياً بكل معنى الكلمة منذ سنوات. وهذا الأمر يعود إلى انعدام الثقة التدريجي بهذه المصارف. مصدر تضاؤل الثقة هو أنها خاضعة للمراقبة من جهات متخصّصة وعاملين في البورصات أعينهم مفتوحة على خطوط توظيف الأموال ونقاط سحبها. كلما كانت الهندسات المالية تتوالى، انخفضت أسعار شهادات الإيداع العالمية للمصارف الثلاثة. هذه ليست مفارقة بسيطة، هي العلامة الأهم في تاريخ الانهيار اللبناني. بين نهاية 2017 وسحب الإدراج من بورصة لندن، تراجع سعر شهادات الإيداع العالمية الصادرة عن بلوم بنك بنسبة 81.7%، وتلك العائدة لبنك عودة بنسبة 83% وتلك العائدة لبنك بيبلوس بنسبة 22.5%.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here