معاينة الأزمة بعد ثلاث سنوات: الحرمان الممتدّ

0

خلال السنوات المقبلة سنُعاين تداعيات الانهيار ومفاعيله على المجتمع والاقتصاد. المسألة لا يمكن اختزالها بما خسرته الأسر من مداخيلها وثروتها فقط، وإنما الأمر يتعلّق أيضاً بكلفة تفكّك المجتمع وما سترتّبه على المدى المتوسط والطويل. ففي الحالة الراهنة، صار الحرمان هو السمة الأساسية في الخدمات الأساسية، ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن تدنّي مستوى الخدمات إلى مستوى يصعب تعويضه على المدى المتوسط والطويل. إنه الحرمان المستدام!

بعد أكثر من ثلاث سنوات على انفجار الأزمة، بكلّ ما انطوت عليه من مفاعيل تضخّمية، يمكن القول إنّ الطبقة الوسطى من العائلات كانت قادرة على الصمود، وإن وقعت ضمن خطوط الفقر العليا، بسبب التحويلات التي كانت تحصل عليها من أقارب لها في الخارج، أو من تقديمات المجتمع المدني في الداخل، أو لأن مداخيلها تعدّلت جزئياً وإن لم تعوّض كامل قيمة التدهور في القدرة الشرائية التي أصابتها. رغم ذلك، لم تكن هذه الأسر تحصل على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والتعليم والصحّة.

ففي مقابل ارتفاع في معدل الأجر الوسطي المصرّح عنه للضمان الاجتماعي، بنسبة 134%، أي من 2.080.000 ليرة قبل الأزمة (مع احتساب بدل النقل 8000 ليرة يومياً)، إلى نحو 4.800.000 ليرة، إلّا أن ذلك لا يعوّض تضخّماً متراكماً على نحو يصل إلى 1000٪. لذا، كان هناك شكل آخر من الصمود مردّه إلى تلقّي المساعدة المباشرة التي تتوزّع بين مساعدات داخليّة وخارجيّة. يَظهر متلقّو المساعدات في نتائج الاستبيان الذي نشرته الجامعة الأميركيّة في بيروت تحت عنوان «تطوير السياسات القائمة على الأدلة في إدارة الأزمات»، والذي أجرته كلٌ من ليلى داغر، إبراهيم جمالي، أسامة أبي يونس ومايا فتّال. يُشير الاستبيان إلى أنّ نسبة الأسر التي تتلقّى مساعدات، تختلف بشكل كبير بين القطاعات. فهي تُراوح بين 6% من الأسر في بعض القطاعات (مثل قطاع الزراعة) لتبلغ 16% في بعض القطاعات الأخرى (مثل قطاع مبيعات التجزئة والصناعة وغيرها).

رغم ذلك، فإنّ العاملين في مختلف القطاعات يعانون، بحسب الدراسة، من أزمات مختلفة؛ فتتراوح نسبة الذين يشهدون انقطاعات تامّة في الكهرباء لأكثر من 10 ساعات يومياً بين 47% و68%. وبعض هؤلاء يشهدون انقطاعات تُجاوز 20 ساعة يومياً. كذلك هو الحال في الخدمات الصحيّة، إذ إن ارتفاع كلفة الاستشفاء جعل خدمة الطبابة أشبه بخدمات رفاهية لا يحظى بها إلا الأغنياء. ويظهر هذا الأمر من خلال مؤشرات عدّة مثل ارتفاع نسبة الأشخاص الذين أجّلوا أو تجاهلوا زيارة الطبيب عند شعورهم بالمرض. هذا الأمر سينعكس لاحقاً في انخفاض معدّل العمر المتوقّع في لبنان، إذ إنّ تجاهل الحالات المرضيّة لأسباب ماديّة، يصعّب اكتشاف الأمراض الخطيرة في أوقات مبكرة، ما يصعّب إطالة حياة المريض.

كما ظهرت صعوبات في حصول العاملين وأسرهم على التعليم، ففي معظم القطاعات اضطر نحو 20% من الأسر أن يوقفوا أو يؤجّلوا المسار التعليمي لأحد أولادهم على الأقلّ. وهذا الأمر سيؤثّر بشكل مباشر على معدلات التعليم في البلد، إذ سترتفع نسبة الأشخاص الذين لا يتلقّون تعليماً أساسياً حتى، وقد يترافق هذا الأمر مع ارتفاع معدّل الأمّية في البلد، مع ما يعنيه ذلك من انعكاس على الاقتصاد وعلى نوع القوى العاملة التي ستدخل إلى السوق في السنوات القادمة.

أما بالنسبة للأمن الغذائي، فإن الأسر في معظم القطاعات اضطرت إلى تغيير أنماطها الغذائيّة بشكل كبير، وأحد المؤشرات على ذلك هو أن نسبة الأسر التي اضطرت أن تقلّل من كميّة الغذاء الذي تشتريه تُجاوز الـ75% في كلّ القطاعات وتصل إلى 92% في بعضها. انخفاض مؤشرات الأمن الغذائي تعني مخاطر الوقوع في الجوع، وهو عامل مؤثّر على مستوى الصحّة بشكل مباشر أيضاً.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here