رصد الخبراء تدفقات استثمارية قوية نحو قطاع التعدين مع تحول رؤوس الأموال نحو الأصول المادية بدلا من أسهم التكنولوجيا. ويأتي هذا الزخم مدفوعا بارتفاع الطلب على المعادن المرتبط بالذكاء الاصطناعي والدفاع والبنية التحتية، ما يعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي رغم تقلبات أسواق السلع.
يتوقع مديرو صناديق استثمارية كبرى انتعاشًا مستدامًا في التعدين والمعادن، مع تدفق الأموال إلى هذا القطاع بأسرع وتيرة منذ سنوات، مدفوعًا ببنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي، وزيادة الإنفاق الدفاعي، والتحول عن أسهم شركات التكنولوجيا باهظة الثمن.
وتشير بيانات جمعتها شركة الأبحاث إي.تي.أف.جي.آي لصالح رويترز إلى أن الأصول المُدارة في صناديق الاستثمار المتداولة في التعدين تجاوزت ضعف قيمتها الحالية لتبلغ 87.4 مليار دولار بالربع الأول من 2026، مقارنةً مع 37 مليار دولار قبل عام.
كما اجتذب قطاعا النفط والغاز والزراعة تدفقات كبيرة، مسجلين بذلك أحد أسرع التحولات نحو الأصول المادية في التاريخ.
وضخ المستثمرون 8.24 مليار دولار في التعدين خلال الربع الأول، ما يمثل تحولاً إيجابياً بقيمة 10.8 مليار دولار مقارنةً بالأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025، حين أدت التعريفات الأميركية الشاملة التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب إلى هروب 2.52 مليار دولار.
وصرح إيفي هامبرو، مدير المحافظ في بلاك روك لوكالة رويترز، بأن رؤوس الأموال بدأت تتحول من أسهم شركات التكنولوجيا ذات التقييمات العالية إلى الأصول المادية، واصفا ذلك بأنه “المراحل الأولى لدورة فائقة في أسعار السلع”.
وانخفض مؤشر مورنينغ ستار لقطاع التكنولوجيا الأميركي بنسبة 9 في المئة خلال الربع الأول. وسجلت أسهم بي.أتش.بي وريو تينتو، وهما أكبر شركتي تعدين في العالم، مستويات قياسية هذا العام.
وقال هامبرو إن “كثافة استخدام المواد في الناتج المحلي الإجمالي آخذة في الارتفاع”، مشيرا إلى الزيادة الكبيرة في الاستثمار الرأسمالي في البنية التحتية للشبكات ومراكز البيانات والمركبات الكهربائية ومحطات الشحن.
وعلى عكس الطفرة التي شهدتها الصين في العقد الأول من الألفية الثانية مدفوعةً بالتوسع الحضري، رأى هامبرو أن الطلب “أكثر قوةً ومرونةً” في هذه الدورة نظرًا للتنوع العالمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والكهرباء والدفاع.
ومع ذلك، أشار محللون ومستثمرون إلى أن هذا التحول يزيد من مخاطر التقلبات الحادة في الأسعار، إذ تُعد أسواق المعادن صغيرة نسبيًا مقارنةً بالأسهم والسندات العالمية، وبالتالي فهي أكثر عرضةً للاختناقات في قطاعات التعدين والتكرير والنقل.
وذكرت تاوشا وانغ من شركة فيديليتي أن دورةً فائقةً تركز على التعدين والطاقة قد “بدأت بالفعل”، حيث تدفع الحرب الإيرانية الحكومات إلى إعطاء الأولوية لأمن الإمدادات.
وأظهرت التدفقات ميلا نحو المعادن الصناعية، فقد جذبت صناديق النحاس 198 مليون دولار في مارس، بينما تراجعت أسعار الذهب بعد ارتفاع حاد، ما أدى إلى جني الأرباح.
وخسر صندوق فان إيك غولد مينرز المتداول في البورصة وحده 710 ملايين دولار الشهر الماضي، لكنه لا يزال مرتفعًا بما يقارب مليار دولار منذ بداية العام.
87.4 مليار دولار قيمة صناديق الاستثمار المتداولة في قطاع التعدين في الربع الأول، وفقا لبيانات حديثة
ويقول المستثمرون إن تراجع أسعار الذهب خلال أزمة جيوسياسية حادة أمرٌ لافت. فبدلاً من اللجوء إلى الملاذات الآمنة التقليدية، يبدو أن الأسواق تراهن على أن أزمة الشرق الأوسط ستحفز استجابةً اقتصادية حقيقية.
ويرون أن ذلك يتطلب أمن الطاقة والاستثمار في البنية التحتية والنحاس والصلب والمعادن الأرضية النادرة.
وأكد مديرو الصناديق أن التدفقات النقدية إلى صناديق النفط والغاز، والتي بلغت صافيها قرابة 6 مليارات دولار في الربع الأول وفقًا لبيانات إي.تي.أف.جي.آي، تعزز فرضية أن المستثمرين يستعدون للإنفاق على البنية التحتية.
ويرى بعض مديري المحافظ الاستثمارية جاذبيةً في شركات التعدين المتنوعة مثل بي.أتش.بي وريو تينتو، التي تقع عند تقاطع عوامل طلب متعددة.
وقال أنيكس فياس، مدير المحافظ الاستثمارية في هاردينغ لوفنر، “هناك طلب كبير على النحاس، وطلب كبير على الألومنيوم، لاسيما الآن مع تطور الأزمة الإيرانية”.
وأشار إلى أن ريو تينتو، التي تمتلك أصولا من كلا المعدنين، يمكنها الاستفادة من ارتفاع الطلب من مراكز البيانات والتطبيقات الصناعية.
ووصف فياس هذا التحول بأنه هروب المستثمرين من شركات البرمجيات المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وتوجههم نحو شركات تتمتع بمزايا تنافسية أكثر استدامة، مثل شركات التعدين التي تسيطر على المعادن الحيوية.
ويعني صغر حجم أسواق العقود الآجلة للمعادن أن التدفقات الكبيرة قد تضخّم التقلبات حتى مع استمرار الاتجاه الصعودي العام.
وبلغت أحجام التداول في العقود الآجلة للمعادن، بما في ذلك النحاس والألومنيوم، في بورصة لندن للمعادن 21 تريليون دولار العام الماضي.
وقدّرت بورصة شيكاغو التجارية حجم التداول في العقود الآجلة للذهب بأكثر من 25 تريليون دولار، وهو رقم ضئيل مقارنةً مع 85 تريليون دولار في العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100، وأكثر من 135 تريليون دولار في العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.
ويُظهر التذبذب الحاد على أساس سنوي في تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة لقطاع التعدين مدى سرعة تغير المعنويات، ومدى هشاشة هذه الأسواق أمام الانعكاس.
أنيكس فياس: هناك طلب كبير على النحاس، وطلب كبير على الألومنيوم، لاسيما الآن مع تطور الأزمة الإيرانية
أنيكس فياس: هناك طلب كبير على النحاس، وطلب كبير على الألومنيوم، لاسيما الآن مع تطور الأزمة الإيرانية
ولا يُمثّل هذا القطاع سوى شريحة صغيرة من سوق الأسهم العالمية، إذ لا تُمثّل أكبر خمس شركات تعدين سوى 0.4 في المئة من مؤشر أم.أس.سي.آي – أي.سي.دبليو.آي مقارنةً مع 16.8 في المئة لأكبر خمس شركات تقنية.
وتُشكّل المعادن ومنتجات التعدين 0.57 في المئة فقط من إجمالي حصة سوق صناديق المؤشرات المتداولة للأسهم.
ولا تزال أسهم شركات التعدين الكبرى تُتداول عند 7 إلى 8 أضعاف نسبة قيمة المؤسسة إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، وهو مستوى أقل بكثير من مضاعفات 14 ضعفًا التي شُوهدت خلال طفرة 2008 – 2010، مما يُشير إلى إمكانية تحقيق مكاسب كبيرة في حال استمرار الدورة الاقتصادية القوية.
وقال تشارلي أيتكن، مدير الاستثمار في مجموعة ريغال بارتنرز الأسترالية، “يُعدّ النحاس عنصرًا أساسيًا في كل شيء، ويعاني من نقص حاد في المعروض”.
وأضاف “لا شك لديّ في أن أسعار النحاس قد تتضاعف أو تتضاعف ثلاث مرات خلال العقد المقبل، وأن امتلاك أسهم شركات إنتاج النحاس سيُحقق أضعاف نمو السعر الفوري”.
وتدير ريغال بارتنرز، التي تُركّز استثماراتها على قطاع التعدين والمعادن، أصولا بقيمة 21 مليار دولار أسترالي (15.05 مليار دولار أميركي) بنهاية مارس.
ومع ذلك، أشار أيتكن إلى أن الاستثمارات في حين أنها تُوفّر في هذا القطاع تحوّطًا ضد التضخم، إلا أنها قد تُسرّع أيضًا من ارتفاع الأسعار، مما يُفاقم ضغوط التضخم الناجمة عن تأثير الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة، ويُشكّل مخاطر على النمو العالمي.



