مَن يحصّل 7 مليارات دولار من المقالع والكسّارات المخالِفة؟

0

بعد نهاية المسح الذي قامت به مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش لمواقع المقالع والكسارات في لبنان، وتسليم الخرائط والنتائج إلى وزير البيئة ناصر ياسين، بدأت دراسة كيفية احتساب مستحقّات قطاع الكسارات للخزينة الوطنية اللبنانية، ولا سيما كيفية تحديد كلفة الهدر البيئي وسط تقديرات بوصولها إلى 7 مليارات دولار

لطالما كُتب عن تسبّب قطاع المقالع في لبنان بتشوّهات لا تُعوّض، وأن هناك تعويضات يجب أن تُدفع ورسوماً تُقدر بمليارات الدولارات خسرتها الخزينة بسبب سوء تنظيم هذا القطاع. الآن، وبعد الانهيار الذي حصل في لبنان، يجب على هذه الصورة أن تتغيّر، خصوصاً بعدما أنهت مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش مسح أكثر من 80% من مواقع المقالع والكسارات وقارنتها مع مسح جوي عام 2007، وبقي بعض المناطق في منطقة عرسال. هذا المسح الذي جاء تنفيذاً للمرسوم 6569 الصادر عام 2020، والذي حدّد المساحات والكميات المستخرَجة، أصبح يشكل وثيقة استثنائية ودليلاً مهماً للدولة لكي تدّعي على هؤلاء المخالفين الذين شوّهوا وجه طبيعة لبنان وتموّلوا على حساب الطبيعة وخزينة الدولة.

استمرّت عمليات المسح سنة وثمانية أشهر تقريباً، حصل خلالها جمع أسماء مستثمري ما يقارب 750 موقعاً مشوّهاً ومخالفاً وتحليلها. 4 فرق طوبوغرافية عملت على تحليل النتائج وما يقارب 22 عسكرياً كانو يعملون يومياً من أجل إتمام العمليات المطلوبة. أظهر المسح التجاوزات الهائلة بالأرقام، إن لناحية العمق في الأرض (بلغ عمق بعض الحفر 70 متراً في أحد المواقع بمنطقة ميدون)، أو لناحية التشوّهات وقصّ الجبال لمئات الأمتار بالارتفاع. تم تقدير ما يقارب 670 مليون متر مربع من المساحات المحفورة، بالإضافة الى 210 ملايين متر مكعب مستخرَجة تقريباً.

أما الصعوبات التي واجهت الفرق الفنية، فهي أن بعض الموقع هي كناية عن مجموعة عقارات، وبعض العقارات تشمل مجموعة مواقع، بالإضافة إلى وجود مجموعة مالكين يمكن أن تكون قد تغيّرت مع الوقت، ما يصعّب تحديد مساحة العقار والحفر والكميات المستخرَجة، بالإضافة إلى صعوبة تحديد المسؤوليات والمقاضاة في بعض الحالات. كما برزت مشكلة في الحصول على أسماء بعض المستثمرين وعناوينهم، وخصوصاً في بعض مواقع المرامل مثل ميروبا لأن العقارات متداخلة. كما كان هناك تعثر أو بعض التأخر في الحصول على الخرائط العقارية.

كلفة الهدر البيئي

لقد استفاد قطاع المقالع والكسارات، غير المرخَّص بمجمله، من عمليات إعادة الإعمار على مدى السنوات الـ45 الماضية التي تميّزت بالبناء وإعادة الإعمار خلال الحرب الأهلية 1975-1990، وطفرة إعادة الإعمار خلال أعوام 1992-2005، وإعادة الإعمار بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، وطفرة البناء خلال أعوام 2011-2019، وإعادة الإعمار الخجولة بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020.

خلال هذه الفترات، أدّى الاستغلال السياسي للقيادات المتعاقبة على الحكم وزبائنيتها التي كان لها مصلحة في عدم قوننة القطاع وتركه في حال الفوضى إلى تدهور بيئي كبير، وتشوّهات شديدة في جميع أنحاء لبنان، وتهرّب ضريبي وضياع الإيرادات المالية الضخمة. صدر المرسوم الرقم (2020) لتقدير المستحقات المستحقّة للخزانة الوطنية اللبنانية من قطاع الكسّارات بناءً على تحليل أجرته وزارة الدفاع الوطني.

قدّر التقييم الطبوغرافي لثلثي الكسّارات العاملة والمتوقّفة عن العمل ما يقارب 1300 هكتار بحالة تشوّه وتضمّن إثبات ملكية الكسارات، ومشغّليها، وإحداثياتها، وموقعها، ومنطقتها الجغرافية، وتصنيفها، والحجم المستخرَج منها على مرّ السنين والتعديات على أراضي الآخرين والمشاعات.

كما تم استخدام طريقة ثلاثية المحاور لحساب المستحقات الحكومية، ولا سيّما الرسوم التنظيمية والضريبية غير المدفوعة، والضرائب، والرسوم، والتراخيص، والعقوبات، وتقييم الأثر البيئي؛ وكلفة التدهور البيئي (الهواء والماء والأرض والنُّظم الإيكولوجية التي تؤثر على رفاهية الإنسان ونوعية حياته)؛ وكلفة إعادة التأهيل (الغطاء الرمادي والأخضر). وطرح البعض ضرورة احتساب الأكلاف الصحية ولا سيما بالقرب من مواقع مقالع شركات الإسمنت. ويجري حالياً حساب المستحقات المتوجب إيفاؤها للخزينة اللبنانية والتي قد تصل قيمتها إلى 7 مليارات دولار أميركي.

تقديرات أوّلية للعائدات

وقد بلغت التقديرات الأوّلية لـ20% من المواقع، أن عائداتها يمكن أن تشكل 1،2 مليار دولار أميركي، بحسب الوزير ياسين، وأن الرقم النهائي للعائدات قد يتجاوز السبعة مليارات دولار. هذا الاستنتاج جاء بناءً على دراسة وتحليل 529 قطعة أرض تمّت مراجعتها، حيث تم استخدام 9.9 كم2 لاستخراج 122.2 مليون م3 بين عامي 2007 و2021. كما تمّت ملاحظة أن بعض المستثمرين يستخرجون الصخور من 62 قطعة أرض تملكها الدولة؛ و45 قطعة أرض غير ممسوحة؛ و12 قطعة أرض بموجب “علم وخبر” مشكوك في أمر قانونيتها. ينتهك بعض المستثمرين 88 قطعة أرض مجاورة إما باستخدامها لأغراض لوجستية و/ أو لاستخراج الأحجار منها بطريقة غير قانونية، مع القليل من البيانات المتاحة لهذه الأراضي. كما تمّ تحديد مساحة 250 ألف متر مربع مستخدمة بشكل غير قانوني استُخرج منها 7.5 ملايين متر مكعب…

لجنة وزارية/ نيابية للمحاسبة؟

السؤال الملحّ الذي يُطرح الآن: كيف ستتم عملية المحاسبة؟ ومن سيُلزِم هؤلاء بدفع المستحقات المتوجبة للخزينة، والتي يمكن أن تغني عن الاستدانة من البنوك الدولية؟!

وزير البيئة ناصر ياسين اقترح تشكيل لجنة وزارية تضمّ وزراء العدل والداخلية والمالية والدفاع ، بالإضافة إلى البيئة، للادّعاء على كلّ هؤلاء المستثمرين وتحصيل المستحقات.

كما أوصت ورشة العمل التي عُقدت الأسبوع الماضي في وزارة البيئة بضرورة وضع استراتيجية خاصة بإدارة هذه الموارد الناجمة عن قطاع المقالع والمرامل، ووضع إطار تشريعي جديد يعتمد على مبادئ محدّدة وتصنيفات ومواصفات وتحديد المختبرات اللازمة وسبل المراقبة، مع عدم إلغاء مفاعيل المراسيم التنظيمية السابقة، وتغيير السياسات للقطاعات المستهلِكة للمواد الأولية من مقالع وبحص ورمل وإسمنت، ولا سيما سياسات النقل والطاقة والمياه لناحية ضبط الطلب وتعديل قانون البناء، وتشجيع البناء الأخضر، ووضع ضريبة على الشقق الفارغة ولا سيما في المشاريع التجارية.

ومن التوصيات أيضاً وقف الاحتكار في هذا القطاع وفتح باب الاستيراد لمواد البناء كافة، ومنح الأولوية للاستثمار في فقّاشات صغيرة لإعادة استخدام مخلّفات البناء على قلع الجبال، بالإضافة إلى ضبط شقّ الطرقات والاستفادة من مخلفاتها أيضاً، بدل تركها تدمر الوديان، وإعادة النظر في المخطط التوجيهي ودراسة إمكانية حصر الاستثمار في أملاك الدولة و/ أو أملاك مصرف لبنان (مع الإشارة إلى أن ممثلي البنك المركزي التزموا الصمت خلال الورشة، مكتفين بالاستماع وتسجيل الملاحظات)، والاستفادة من مسح الجيش للمواقع وتنظيم دعاوى بحق المستثمرين المتهرّبين من دفع الضرائب والرسوم بعد تحديد كلفة الهدر البيئي وتحصيل العائدات المتوجّبة لخزينة الدولة، مع توصية أخيرة بإعادة تأهيل الأماكن المشوّهة على نفقة المستثمرين وعدم ربط التأهيل بالاستثمار التأهيلي.
فهل يتلقّف مجلس النواب الجديد (ولا سيّما النواب “التغييريين”) هذا الملف ويطالبون بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية مواكِبة وداعمة لتوجه وزارة البيئة في المقاضاة وتحصيل هذه المستحقّات الضخمة للخزينة الخاوية في هذه الأزمة؟

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here