وداعاً لإدارة المناقصات… أهلاً بهيئة الشراء العام!

0

في التاسع والعشرين من الشهر المقبل، وبعد طول ترقّب، تسلّم «إدارة المناقصات» الشعلة – المثقلة بالمهام، والمسؤوليات والتطلّعات – إلى «هيئة الشراء العام». ففي هذا التاريخ، يدخل قانون الشراء العام الذي أقرّه المجلس النيابي في تموز من العام الماضي حيّز التنفيذ لتتحوّل بموجبه إدارة المناقصات من إدارة تابعة للتفتيش المركزي، وبالتالي لمجلس الوزراء، إلى هيئة عمومية مستقلّة لا تخضع لرقابة تسلسلية أو سلطة وصاية إدارية. هي مرحلة جديدة تُعلَّق عليها آمال إصلاحية جمّة. فإلى أين من هنا؟

منذ العام 2010، جرت محاولات حثيثة لإصلاح منظومة الشراء العام التي تعود إلى عامي 1959 و1962 توالياً. على ضوء القانون الجديد، توسّعت صلاحيات الهيئة لتشمل 25 صلاحية أوردتها المادة 76 منه ضمن 25 فقرة، يمكن توزيعها بين مهام تنظيمية، رقابية، وإشرافية، إضافة إلى إصدار دفاتر شروط، توحيد الوثائق، تحليل وتكوين البيانات، إصدار توصيات ومقترحات وغيرها. كما أُعطي رئيس الهيئة صلاحية تقديم الطعون والمراجعات القضائية في قضايا الصفقات العمومية، بحسب المادة 77 من القانون نفسه.

ليس سرّاً أن ثمة اعتقاداً سائداً في الداخل كما لدى الجهات المانحة بأن نظام الشراء العام والصفقات العمومية في لبنان يتّسم بالفشل، لما تحويه الصفقات من ملفات هدر وفساد في تلزيمات بعض المؤسسات العامة التي لا تخضع لإدارة موحّدة على غرار سائر دول العالم. فكواليس ما يدور، على سبيل المثال، في مؤسسة كهرباء لبنان والصناديق – ومنها مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب والصندوق المركزي للمهجرين – والهيئة العليا للإغاثة واللجنة الموقتة لمرفأ بيروت كما العديد من البلديات حُبلى بأخبار من هذا القبيل.

اليوم، وبعد إخضاع كافة إدارات الدولة ومؤسساتها من دون استثناء لرقابة هيئة الشراء العام، هل ستتخفّف الصفقات العمومية من لعنة حلّت لسنين طوال على مفهوم التصرّف بالمال العام وألحقت الضرر بالبيئة والاقتصاد وانتظام العمل المؤسساتي إلى نعمة تساهم في النهوض بالبلد قبل فوات الأوان؟ هذا السؤال وغيره يجيب عنه في حديث لـ»نداء الوطن» مدير عام إدارة المناقصات، الدكتور جان العلّية.

هيئة بصلاحيات موسّعة

لم تعد عمليات الشراء العام التي سترصدها وتشرف عليها هيئة الشراء العام محصورة فقط بـ5% من مجمل الإنفاق العام، والمتمثّلة بالصفقات التي تقوم بها إدارات ووزارات الدولة، باستثناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، أي الجيش والأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة. فهي ستتوسّع لتشمل كامل الإنفاق العام على المشتريات العمومية بالتزامن مع توسيع نطاق الجهات المختصة. إذ يوضح العلّية في هذا السياق: «منذ انعقاد مؤتمر سيدر وحتى في الفترة التي سبقت انهيار ما بعد ثورة 17 تشرين، طُلب من الحكومة وضع قانون جديد للشراء العام، تكون بموجبه كافة الصفقات العمومية خاضعة لإشراف ورقابة هيئة واحدة، بما فيها النفقات المموّلة من القروض والهبات، إلّا إذا نصّ العقد على عكس ذلك، كما إخضاع جميع الجهات الشارية لنفس أنظمة الشراء العام الموحّدة».

بالنسبة إلى المؤسسات التي ستخضع لرقابة هيئة الشراء العام، يقول العلّية إنه، إضافة إلى الإدارات الخاضعة أساساً لإشراف إدارة المناقصات، سوف تتابع الهيئة كافة عمليات الشراء التي تقوم بها الدولة وإداراتها ومؤسساتها العامة والهيئات الإدارية المستقلة والمحاكم التي تتمتع بموازنات خاصة بها، كما الهيئات والمجالس والصناديق والبلديات واتحاداتها. هذا إضافة إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية والوحدات التابعة لها كما الشركات التي تملك الدولة حصصاً فيها وتعمل في بيئة احتكارية، والمرافق العامة التي تديرها شركات خاصة لصالح الدولة وسائر عمليات الشراء التي يقوم بها مصرف لبنان باستثناء طباعة وإصدار العملة.

أما المهام التي أُعفيت منها هيئة الشراء العام وتلك التي أضيفت إلى صلاحياتها، فيعلّق عليها العلّية قائلاً: «كان لرئيس إدارة المناقصات صلاحية تعيين لجان التلزيم ضمن آلية معيّنة يتم اختيار أفرادها من الإدارات العامة الخاضعة لصلاحياتها، وقد أُعفيت الهيئة من هذه المسؤولية كما من مسؤولية التدقيق في دفاتر الشروط واقتراح التعديلات. فهو عمل ستُكلَّف به الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة كما البلديات المعنية نفسها، شرط أن تتقدم ببيانات مفصّلة بالعمليات التي تقوم بها إلى الهيئة، وذلك من خلال البوابة الإلكترونية التي من المقرّر تفعيلها من قِبَل البنك الدولي قبل شهر آب المقبل».

البيانات المذكورة أعلاه تقوم هيئة الشراء العام بدراستها وتحليلها واستخراج النتائج منها والتأكد من عدم تضمّنها أي مخالفات للقانون. وفي حال لوحظ أي خلل في النصوص أو المضمون، يحق لها تقديم شكوى إلى هيئة الاعتراضات، وهي هيئة إدارية تتولى البتّ في الاعتراضات المتعلقة بالصفقات العمومية في مرحلة ما قبل التعاقد وتحلّ، بموجب النص، محلّ قضاء العجلة الإداري في مجلس شورى الدولة الذي يفقد دوره بعد نفاذ هذا القانون. كما يمكن لهيئة الشراء العام، من خلال الصلاحيات الجديدة الموكلة إليها، التوجه مباشرة إلى القضاء الجزائي أو ديوان المحاسبة أو مجلس الشورى لوقف المناقصات المخالفة. من ناحية أخرى، أضيفت إلى رئيس الهيئة صلاحية انتداب مندوب من هيئة الشراء العام لحضور اجتماعات لجان التلزيم، وذلك لإبداء الرأي والملاحظات من دون أن يكون له حق التصويت.

توسيع الملاك ودورات تدريبية… استعداداً

خلال زياراتهم المتكررة ومراقبتهم سير العمل فيها، أشاد مراقبون محايدون، محليون وأجانب، بالدور الذي لعبته إدارة المناقصات لناحية القيام بواجباتها كاملة تجاه إدارات الدولة الخاضعة لرقابتها. فالعمليات التي تحصل داخلها كانت هي الأقل عرضة للخطأ والفساد، بحسب تقاريرهم. وهذا يستدعي السؤال: هل ستتمكن الهيئة من القيام بالمهام الجديدة الملقاة على عاتقها، لا سيّما أن الحدّ من الفساد في الصفقات العمومية، والتي باتت تخضع كاملة وبشكل مباشر لرقابتها وإشرافها، يقع في صلب صلاحياتها الموسّعة؟ هنا يلفت العلّية إلى أن «مضاعفة المهام وتوسيع الصلاحيات المذكورة استدعيا توسيع الملاك وزيادة فريق العمل الذي كان يقتصر على مدير عام الإدارة و12 موظفاً فقط. وقد تمّ إقرار تعيين هيئة من أربعة أشخاص مهمتها الأساسية اتخاذ القرارات بالأكثرية ضمن نظام معيّن يتمّ تحضيره حالياً بهدف إقراره مع بدء نفاذ القانون».

الجهة المسؤولة عن تعيين الهيئة هي مجلس الوزراء، وذلك بناء على لائحة تعدّ وفقاً لآلية يلعب فيها مجلس الخدمة المدنية دوراً أساسياً، من خلال إعداد تقرير يتضمن اللوائح الرقمية لطلبات الترشيح المقبولة كما اللوائح الإسمية للطلبات غير المقبولة مع أسباب رفضها. بعدها يتمّ إيداع لجنة اختيار المرشحين اللوائح حيث تقيّم الطلبات وفقاً لمعايير الاختصاص، المؤهلات، الشهادات، سنوات الخبرة، إتقان اللغات الأجنبية وغيرها. لجنة اختيار المرشحين تتألف بدورها من رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، رئيس ديوان المحاسبة، رئيس التفتيش المركزي ورئيس مجلس الخدمة المدنية، على أن يتولى الأخير تنسيق وإدارة أعمالها. ويطالب العلّية في هذا الإطار بتعيين أعضاء هيئة الشراء العام الأربعة بأسرع وقت ممكن واستكمال أنظمتها.

ماذا عن مصير موظفي إدارة المناقصات وهل سيتمّ تحويلهم برتبهم ورواتبهم إلى هيئة الشراء العام ليخضعوا لنظامها الداخلي؟ الإجابة تقع في نصّ المادة 88 من الفقرة رقم 1 من القانون: «تلُغى إدارة المناقصات وتُنقل ملاكاتها والعاملون فيها إلى هيئة الشراء العام من دون تعديل في الرتبة والراتب مع احتفاظهم بحقّهم في القِدَم المؤهل للتدرج». ويشرح العلّية أنه سوف يتمّ استكمال التعيينات على مستوى الموظفين، استناداً إلى النظام المتعلّق بموظفي الهيئة، لأن عدد موظفي إدارة المناقصات لم يعد كافياً لإتمام كافة المهام المندرجة تحت رقابة هيئة الإشراف العام.

ما مصير عمليات الشراء الجارية التي تمّ الإعلان عنها قبل دخول قانون الشراء العام حيز التنفيذ؟ بحسب المادة 113 من القانون، تخضع العمليات المشار إليها للقوانين النافذة بتاريخ الإعلان عن الشراء. فلنأخذ على سبيل المثال مناقصات الكهرباء التي يتم التحضير لها في مجلس الوزراء. فإذا تمّ إطلاقها قبل التاسع والعشرين من تموز المقبل، تخضع حكماً للنصوص الحالية وبالتالي تتولى إدارة المناقصات عملية التلزيم فيها. وفي حال أُطلقت بعد هذا التاريخ فستتبع أحكام قانون الشراء العام.

يُقال العلّية… لا يُقال؟

جاءت الفقرة 2 من المادة 88 من قانون الشراء العام لتؤكد أن «مدير عام إدارة المناقصات يكون رئيساً للهيئة» إعتباراً من 29/07/2022، كما يتولى، بحكم القانون، مهام الهيئة كاملة إلى حين تعيين أعضائها. وقد كَثُر في الآونة الأخيرة الحديث عن احتمال إقدام الحكومة المقبلة على إقالة العلّية من منصبه وتعيين رئيس آخر للهيئة استناداً إلى تفسير من المجلس الدستوري. لكن العلّية اعتبر أن «اختصاص المجلس الدستوري ينحصر في إبطال النص وليس في تفسيره، فالتفسير يعود حصراً إلى مجلس النواب ويُقرأ من خلال الأسباب الموجبة».

لكن ماذا لو أُقرّت الإقالة؟ «سأطعن بالقرار وفقاً للأصول، لأنه سيكون خرقاً واضحاً من قِبَل مجلس الوزراء لحصانة رئيس هيئة الشراء العام المكرّسة في قانون الشراء العام، كما سيُعتبر مخالفة فاضحة لأحكام المادة 81 من قانون الشراء العام. بكل الأحوال الكلمة الفصل هي لمجلس النواب دون سواه إذ إنه المخوّل الوحيد لتفسير القانون. لكنّي أعد الشعب اللبناني بأن عهد الظلمة قد ولّى وعهد النور سيبدأ»، بحسب العلّية.

على أي حال، أسابيع معدودة تفصلنا عن الاستحقاق المنتظر. فإدارة المناقصات حصلت على مرادها وها هي تتحول إلى هيئة عمومية مستقلة تقع على عاتقها صلاحيات واسعة ضمن إمكانيات محدودة. الدورات التدريبية لموظفي البلديات والإدارات جارية على قدم وساق بمشاركة مدير عام إدارة المناقصات وبتمويل من الجهات المانحة. البوابة الإلكترونية يشرف على إطلاقها البنك الدولي. الخطوات العملية لتحويل الموظفين من الإدارات الأخرى بدأت بالفعل. كلّ ذلك وأسئلة عدة تُطرح الواحد تلو الآخر: هل ستكون البوابة الإلكترونية جاهزة قبل تاريخ 29/07/2022 لإطلاق العمل الممكنن على الأقل؟ هل ستتمكن الهيئة من تفعيل وظيفة الشراء العام من خلال تحقيق مبدأ «القيمة مقابل المال» والمساعدة في انتشال الاقتصاد من كبوته؟ وهل ستلتزم الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات بإيداع بياناتها الإلكترونية وتنفيذ موجبات القانون الجديد؟ ثم هل ستساعد الغرامات التي أُعطيت هيئة الشراء العام صلاحية فرضها على مخالفي أحكام القانون في تحقيق الأهداف المرجوة؟ وأخيراً هل سيتمّ لجم رياح الهدر والفساد التي تعصف في طيات الكثير من الصفقات العمومية؟

الإجابات لا تزال مبهمة. والأنظار تتّجه إلى إمكانية إثبات فعالية ونزاهة وشفافية عمل هيئة الشراء العام قبل أن يحصل لبنان على أي مساعدات خارجية تنقذه مما هو فيه. تحدّ مفصلي ومتعدّد الأبعاد ينتظر الهيئة برئيسها وموظفيها في ظل ظروف مشحونة وضغط يُمارس على رئيس هيئة لم تُبصر النور عملياً بعد. ما هو أكيد أن الآمال كبيرة والإجابات لن تبقى مبهمة لوقت طويل.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here