وزير الزراعة: “ماكنزي” على حقّ.. لنزرع الحشيشة

مات الاقتصاد القديم القائم على الخدمات، ولبنان بات اليوم بحاجة إلى “هويّة اقتصادية” جديدة.

هذه حقيقة لا يريد أحد ممّن هم في السلطة الاقتناع بها، ويظنّون أنّ بمقدورهم الاعتماد على أموال المغتربين والمودعين من جديد من أجل “علف” خزينة الدولة بالدولارات عبر المصارف، وإن تعطّلت المصارف فعبْر منصّة “صيرفة” الراحلة، أو ما يشبهها، في حين أنّ بعضهم الآخر يراهن على النفط والغاز.

أوّل من استدرك هذه الحقيقة، أي حقيقة “الهويّة” الاقتصادية الجديدة، كانت “شركة ماكنزي”، التي استقدمها وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري قبل وقوع الأزمة، وتحديداً في عام 2018. وخلصت في تقريرها الاستشاري إلى التحذير ممّا وقعنا فيه منذ 2019. وهي وضعت مخطّطاً لإعادة بناء تلك الهويّة الاقتصادية، فطرحت جملة حلول، أهمّها الدعوة إلى الاستثمار في زراعة الحشيشة (القنّب الهندي) في سهول البقاع.

بعد سنتين أقرّ البرلمان اللبناني (في 2020) قانوناً يشرعن تلك الزراعة، وكان الدولة العربية الأولى التي تشرّعها لاستخدامات طبّية وصناعية. إلّا أنّ المراسيم التطبيقية لذاك القانون لم تصدر إلى اليوم، وهو ما يعرقل استيراد البذور والشتول والبدء بمنح التراخيص اللازمة للمزارعين.

“ماكنزي” اكتشفت الخلل منذ سنوات

اعتبرت خطّة “ماكنزي” أنّ لبنان بهذه الطريقة يستطيع أن يسوّق منتجات لم يستفِد منها من قبل، وبذلك يرفع من صادراته من دون زيادة الإنفاق العامّ. وهنا تحديداً صلب الأزمة التي نعاني منها اليوم وتعجز السلطة عن إيجاد حلول لها.

تشير تقديرات “ماكنزي” إلى أنّ زراعة القنّب الهندي في لبنان قادرة على “إدخال 4 مليارات دولار أميركي من إيرادات المبيعات السنوية” في حال أحسن لبنان استغلالها، خصوصاً أنّ هذه الزراعة تحتاج فقط إلى القليل من المياه ولا تحتاج إلى مبيدات حشرات، مقارنة بالزراعات الأخرى المكلفة.

أمّا اليوم فكلّ ما ذكرته “ماكنزي” في الخطّة يؤكّده وزير الزراعة عباس الحاج حسن، الذي يقول لـ”أساس” إنّ العديد من الشركات الإسبانية والكندية، وحتى الأميركية، تبدي استعدادها للاستثمار في هذا النوع من الزراعة، وهي جاهزة، لكنّها تعجز عن ذلك بسبب تقاعس السلطة السياسية عن إصدار المراسيم التنفيذية.

لكن خلافاً لرقم “ماكنزي”، يعتبر وزير الزراعة أنّ لبنان يخسر كلّ سنة نحو 1.5 مليار دولار، وهو المدخول المفترض من تلك الزراعة في دراساته. وهو ما يعني أنّ لبنان قادر من خلال القنّب الهندي على زيادة حجم التصدير الزراعي أكثر من 3 أضعاف (الصادرات الزراعية في عام 2022 بلغت 432 مليون دولار). “ربّما بالغت ماكنزي في رقم 4 مليارات”، يقول، لكنّه يعترف بأنّها “قرأت المستقبل جيّداً، ولم تكن غبيّة حين طرحت الفكرة”.

برّي

يكشف الحاج حسن أنّ عرقلة هذا الملفّ “سياسية محض”. ويعود بالذاكرة إلى الجلسة الحكومية حين طرح موضوع تعيين “الهيئة الناظمة لزراعة القنّب” الهندي بحضور الرئيس ميشال عون، وأنّ “المرسوم علق في أدراج قصر بعبدا”، لأنّ الوزير جبران باسيل طرح معادلة: “هيئة ناظمة.. مقابل هيئة ناظمة”، أي بمعنى آخر: “أعطونا الهيئة الناظمة للكهرباء… وخذوا هيئة القنّب الهندي”.

يعِد الحاج حسن بإعادة فتح هذا الملفّ مجدّداً في أوّل جلسة مقبلة للحكومة: “نحن كطرف سياسي (حركة أمل) سائرون في هذا الطرح للآخر. حتى لو لم يكن هناك تعيين للهيئة الناظمة فسأصرّ على طرحه مهما كانت النتائج. سأطرحه وليرفضوه، وليتحمّلوا النتيجة”.

أمّا إذا فضّل رئيس الحكومة التريّث في تبنّي هذا الملفّ اليوم حرصاً على عدم تفجير الحكومة من الداخل: “فسأفعل ما تمليه عليّ صلاحيّاتي كوزير. سوف أبعث كتاباً إلى مجلس الوزراء أدعو فيه إلى طرح ملفّ الهيئة الناظمة. فالأعضاء الـ5 (ممثّلو الوزارات ضمن الهيئة) شبه مكتملين ومتّفَق على أسمائهم طائفياً (6 و6 مكرّر) ما خلال رئيس الهيئة ونائب الرئيس. وهذان المركزان أكّد الرئيس نبيه برّي سلفاً أنّه متنازل عنهما ولا يريد منهما سنّياً ولا شيعياً، وذلك حرصاً على تسهيل ولادة الهيئة والسير بالمراسيم التطبيقية”.

هذه الزراعة في نظر الوزير هي “طوق نجاة”، وقادرة على مساعدة لبنان في طريق الخروج من الأزمة، وهي قادرة على “تحقيق إنجاز اقتصادي كبير” للبنان، من المؤسف إغفاله طوال هذه المدّة.

القنّب الهنديّ “مربح” أكثر من “حشيشة الكَيْف”

أمّا تقنيّاً، فيروي الحاج حسن لـ”أساس” حصيلة اجتماعاته السابقة مع ممثّلي “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – UNDP”، الذي يؤكّد خبراؤه أنّ استفادة لبنان من زراعة القنّب الهندي نوعان:

1- الموادّ الطبّية المستخلَصة من تلك النبتة لصناعة أدوية التخدير (الجدوى الاقتصادية محدودة).

2- الموادّ العضوية (الألياف) الموجودة بها، والتي تدخل في صناعات كثيرة مثل الأنسجة المخصّصة للاستخدام الصناعي، ومستحضرات التجميل، والزيوت، والمستخلَصات النباتية، والمركّبات الطبّية والصناعية، وهي ذات مردود ماليّ كبير جداً، وهي التي يُعوَّل عليها لدعم الاقتصاد الوطني.

يقول الحاج حسن إنّ “محصول دونم الحشيشة المخصّص للترفيه (أي الممنوعة زراعته) هو 400 دولار أميركي، بينما محصول دونم القنّب الهندي للأغراض الطبّية والصناعية هو 1,200 دولار أميركي”. وعليه يسأل: “منطقياً، إلى أين سيذهب المزارع؟”، ثمّ يجيب: “حتماً سيذهب إلى الزراعة التي توفّر له المردود المادّي الأكبر، لأنّ القطاع الزراعي لا يمكن توجيهه بالإكراه، والحكومة مسؤولة عن تقديم المحفّزات فقط”.

يعترف وزير الزراعة بأنّ الدولة عاجزة عن تلف محاصيل الحشيش الممنوع، بسبب عدم قدرة الأجهزة الأمنية على تغطية تكاليف التلف أو تكاليف وصول الآليّات إلى السهول، وذلك باعتراف وزير الداخلية. وهذا يعني أنّ السلطات اللبنانية استسلمت للأمر الواقع.

أمّا من ينظّرون لهذا النوع من الزراعة من منظور “شرعي” (حلال/حرام، وربّما يقصد الحزب بذلك) فيطمئن تلك الجهات بالقول إنّ الدراسات العلمية أثبتت أنّ زراعة القنّب الهندي المخصّص للأغراض الطبّية قادرة أن تحلّ تدريجياً مكان تلك الممنوعة المخصّصة للاتّجار، بحكم الطبيعة، إذ إنّ تلقيح ذكر القنّب الهندي لأنثاه يقضي على أنثى نبتة الكيف فلا تنمو مع مرور الوقت، ويخلص إلى أنّ البدء بمنح التراخيص لزراعة القنّب الهندي هو بمنزلة “تلف غير مباشر للنبتة الممنوعة”، ولهذا لا بدّ من أن تبادر الحكومة إلى تهيئة الظروف القانونية واللوجستية للمزارعين، وحضّهم على هذه الزراعة، لأنّها قادرة على حلّ آفة “الحشيشة” والحلول مكان السلطات اللبنانية في مجال التلف والمكافحة. وهذا الكلام بحسب الحاج حسن “موثّق بتقارير متخصّصة أصدرتها منظمة UNDP وزوّدتنا بها”.

مصدرأساس ميديا - عماد الشدياق
المادة السابقةوزير الإقتصاد التقى في واشنطن المدير التنفيذي في البنك الدولي
المقالة القادمةارتفاع أسعار النفط بعد تصريحات روسية