لم يعد تعديل قانون الاتصالات رقم 431 الصادر عام 2002 مطلبًا نقابيًا محصورًا بتحسين الأوضاع الوظيفية للعاملين في هيئة “أوجيرو”، بل بات، وفق نقابة موظفي الهيئة، ضرورة تفرضها التحولات التكنولوجية المتسارعة والتغيّرات التي طرأت على سوق الاتصالات في لبنان. وبين التوجّه إلى إنشاء شركة “ليبان تيليكوم” ونقل الموظفين إليها، والتحديات المالية والتنافسية التي تواجه الهيئة، يتمحور تحرّك النقابة حول ضمان استمرارية العمل وحماية حقوق العاملين وتعويضاتهم، بما يواكب المتطلبات الجديدة للقطاع ويحفظ قدرته على الاستمرار وتقديم الخدمات.
تشرح رئيسة نقابة موظفي “أوجيرو” إميلي نصار خلفيات إضراب “أوجيرو” المفتوح الذي بدأ أمس الثلثاء، مؤكدةً لـ “نداء الوطن”، أن “النقابة تسعى إلى تعديل عدد من مواد القانون، وفي مقدّمها المادة 49 المتعلقة بالتعويضات، بما يضمن حقوق الموظفين ومكتسباتهم، ويحمي استمرارية العمل في المؤسسة التي يُفترض نقل العاملين إليها”. وتشدد على أن “النقابة تفضّل تثبيت هذه الحقوق في القانون، بدلا من الاكتفاء بمراسيم قد تتبدّل مع تغيّر الحكومات والوزراء، معتبرةً أن حماية القطاع تشكّل الأولوية الأساسية في هذه المرحلة”.
قانون صدر عام 2002
توضح نصار أن “قانون الاتصالات رقم 431 صدر عام 2002، ومنذ ذلك الحين شهد القطاع تطورًا تكنولوجيًا سريعًا، انتقل معه العالم إلى مرحلة متقدمة باتت فيها خدمات الاتصالات والإنترنت أساسية في مختلف مجالات الحياة والعمل”. وتلفت إلى أن “هذه التحولات تستوجب تطوير التشريعات الناظمة للقطاع، بحيث تصبح أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات التقنية والاقتصادية، وتتيح تقديم خدمات فعّالة تتلاءم مع حاجات الأفراد والمؤسسات”.
وتشير إلى أن “النقابات التي تعاقبت على تمثيل موظفي “أوجيرو” دأبت، منذ صدور القانون، على متابعة ملف تعديله وتحسين أحكامه، إلا أن الردود التي كانت تتلقاها ربطت التعديل بعدم وجود شركة “ليبان تيليكوم”. وتضيف أن “الوزارة الحالية أخذت على عاتقها تنفيذ القانون بصيغته القائمة، على أن يُصار لاحقًا إلى النظر في مدى الحاجة إلى تعديله، الأمر الذي أعاد طرح الإشكاليات المرتبطة بمدى ملاءمة أحكامه للواقع الحالي”.
وترى نصار أن “المفارقة تكمن في أن قطاع الاتصالات تطوّر بصورة كبيرة منذ عام 2002، فيما لا يزال الإطار القانوني بحاجة إلى تعديلات تواكب هذا التطور، ولا سيما بعد الأزمة التي شهدها لبنان عام 2019، وما فرضته من تحديات إضافية على المؤسسات العامة وقدرتها على الاستمرار”. ومن هنا، تؤكد أن “تعديل القانون لم يعد مسألة إجرائية أو مطلبًا فئويًا، بل ضرورة لحماية القطاع وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات المتسارعة”.
المادة 49 في صلب المطالب
تلفت نصار إلى أن “المادة 49 من القانون، التي تتناول التعويضات المرتبطة ببلوغ الموظف 30 عامًا من الخدمة في المؤسسة، تستدعي إعادة النظر فيها، نظرًا إلى انعكاساتها على شريحة واسعة من العاملين في قطاع الاتصالات”. وتوضح أن “المسألة لا تقتصر على موظفي هيئة “أوجيرو”، بل تشمل أيضًا موظفي وزارة الاتصالات والملحقين والمتعاقدين فيها، فضلا عن المياومين العاملين داخل الهيئة”.
وتؤكد أن “النقابة تتابع هذا الملف منذ أكثر من سنة ونصف السنة، في محاولة للوصول إلى معالجة تضمن حقوق الموظفين وتحافظ على مكتسباتهم، إلا أن عدم إحراز التقدّم المطلوب في اتجاه تعديل القانون دفعها إلى توسيع نطاق مطالبها، لتشمل مختلف المواد التي ترى ضرورة تعديلها بما يضمن استمرارية العاملين والمؤسسة على حد سواء”.
وتوضح أن “النقابة باتت تطالب بتعديلات لا تقتصر على التعويضات، بل تشمل كل ما من شأنه حماية استمرارية الموظفين وضمان ديمومة عملهم في شركة “ليبان تيليكوم” التي يُفترض نقلهم إليها، إلى جانب الحفاظ على حقوقهم الوظيفية والمالية. فالمطلوب، وفق نصار، ليس معالجة بند محدّد بمعزل عن سائر أحكام القانون، بل وضع إطار تشريعي يحفظ حقوق العاملين ويؤمّن استمرارية العمل في المؤسسة مستقبلا.
منافسة متصاعدة
في قراءتها للتحولات التي يشهدها سوق الاتصالات، تشدد نصار على أن “واقع القطاع اليوم يختلف جذريًا عمّا كان عليه عند صدور القانون عام 2002، سواء من حيث التطور التكنولوجي أو طبيعة المنافسة”. وتوضح أن “السوق بات يضم عددًا كبيرًا من شركات تقديم خدمات الإنترنت، بما فيها نحو 108 شركات، ما يفرض على المؤسسات العاملة في القطاع تعزيز قدرتها على مواكبة التطورات وتقديم خدمات أكثر فعالية”.
وتعتبر أن هذه المنافسة تضع هيئة “أوجيرو” أمام تحديات إضافية، في ظل ما تصفه بالحصار المالي والقيود التي تحدّ من قدرة المؤسسة على العمل والتطور بالسرعة المطلوبة، فيما تتمتع بعض الشركات الأخرى بمرونة أكبر في التنفيذ. ومن هنا، ترى أن تحديث القانون يشكّل مدخلا ضروريًا لحماية المؤسسة وتعزيز قدرتها على الاستمرار، خصوصًا في مرحلة التحوّل نحو “ليبان تيليكوم”.
وتشدد على أن “الحفاظ على القطاع لا يتحقق من خلال ضمان حقوق الموظفين فحسب، بل يتطلب أيضًا توفير الظروف التشريعية والعملية التي تسمح للمؤسسة بمواصلة عملها وتطوير خدماتها”. وتؤكد أن “النقابة تنطلق في تحرّكها من الحرص على استمرارية القطاع، باعتباره مرفقًا أساسيًا يرتبط مباشرة بحياة المواطنين ومصالح المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية”.
تعديل القانون
في ما يتعلق بطرح معالجة بعض المطالب عبر المراسيم، توضح نصار أن “المراسيم قد تتيح ضمان بعض الحقوق، إلا أن النقابة تتمسّك بتعديل القانون باعتباره الإطار الأكثر استقرارًا لحماية المكتسبات الوظيفية والمالية”. وتلفت إلى أن “المراسيم قد تخضع للتعديل مع تغيّر الوزراء والحكومات، ما يثير مخاوف بشأن استمرارية الضمانات التي يمكن أن توفّرها للعاملين”.
وتضيف أن “التجربة اللبنانية تفرض التعامل بحذر مع أي معالجة لا تؤمّن حماية تشريعية واضحة وطويلة الأمد للحقوق”، مشددةً على أن “النقابة تسعى إلى تثبيت هذه الضمانات ضمن القانون، بما يحول دون ربطها بالتوجهات الإدارية أو السياسية المتبدّلة”.
الإضراب المفتوح…
عن مصير الإضراب المفتوح الذي بدأ امس، تؤكد نصار أن “النقابة ستتعامل مع التطورات يومًا بيوم”، موضحةً أن “التحرك الحالي يهدف إلى الضغط من أجل حماية حقوق الموظفين والحفاظ على القطاع، وأن الخطوات اللاحقة ستُحدّد في ضوء المستجدات ومسار معالجة المطالب”.
وفي ردّها على المخاوف من أن يتسبب الإضراب بأضرار للمؤسسات والشركات العامة أو أن ينعكس سلبًا على مصالح المواطنين، تؤكد نصار أن “النقابة تدرس خطواتها بصورة يومية، مستندةً إلى ما تصفه بالمسؤولية التي حرصت على إظهارها خلال تحركاتها السابقة”.
وتوضح أن “النقابة كانت تأخذ في الاعتبار، خلال إضراباتها السابقة، ضرورة الحفاظ على مصالح الناس واحتياجاتهم، انطلاقًا من أن الموظفين هم جزء من المجتمع ويعرفون حجم المعاناة التي يواجهها المواطنون”. وتؤكد، في هذا الإطار، “متابعة الحالات الطارئة التي قد تطرأ على الأرض، والتعامل مع كل حالة وفقًا لظروفها ومتطلباتها، بما يراعي ضرورة معالجة الأمور الاستثنائية”.
وتختم نصار بالتشديد على أن “قطاع الاتصالات يحتاج إلى مواكبة دائمة للتطورات التكنولوجية، ما يستوجب وضع قوانين مرنة وقادرة على التكيّف مع التحولات المتسارعة، بما يضمن استمرارية العمل وتحسين مستوى الخدمات”.



