يتجه الدعم القطري للبنان نحو مسار يتجاوز المساعدات المالية والإنسانية، مع تحرك جديد يستهدف إعادة بناء قطاع الكهرباء، أحد أبرز مصادر الخلل المالي والخدمي في البلاد. ويأتي هذا التحول في وقت تحاول فيه الحكومة اللبنانية استقطاب استثمارات طويلة الأجل تخفف أعباء الأزمة الاقتصادية، وتحد من الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود المستورد، من دون تحميل الخزينة أعباء تمويلية إضافية منذ البداية.
وأعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى بيروت في 16 أكتوبر، أن الدوحة ستتولى تمويل مشروع الكهرباء وتنفيذه وتشغيله، على أن تنتقل ملكية البنية التحتية إلى الدولة اللبنانية وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. وأوضح أن المشروع يستهدف إعادة تأهيل قدرات الإنتاج وتحديثها، وتحسين موثوقية الإمدادات وخفض تكلفتها، مع العمل على استكمال الاتفاق والإجراءات الحكومية اللازمة
وتكشف تفاصيل أوردتها وكالة رويترز في 19 أكتوبر، استناداً إلى وثيقة اطلعت عليها، عن مقترح أكثر تحديداً يتضمن إنشاء محطتين تعملان بالغاز، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، في دير عمار والزهراني خلال السنوات الثلاث المقبلة، إلى جانب اتفاق مقترح بين «قطر للطاقة» ولبنان لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة عشرين عاماً. لكن هذه التفاصيل تظل مرتبطة بالمقترح والإجراءات اللاحقة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها اتفاقاً نهائياً نافذاً قبل إعلان شروطه واستكمال مساره الرسمي.
ويعكس المشروع محاولة لمعالجة واحدة من أكثر الأزمات استعصاء في لبنان. فقد تراجع أداء مؤسسة كهرباء لبنان بصورة حادة بعد الانهيار المالي عام 2019، وأصبح التيار العام محدوداً في مناطق واسعة، ما دفع الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي ترفع كلفة المعيشة والإنتاج. كما تراكمت خسائر قطاع الكهرباء على مدى عقود، بفعل الدعم المالي واستهلاك الوقود وضعف الاستثمار والحوكمة، ليصبح إصلاحه جزءاً أساسياً من أي مسار جدي للتعافي الاقتصادي.
إذا انتقل المشروع من المقترحات إلى التنفيذ وفق شروط واضحة، فقد يسهم في تخفيف أزمة الكهرباء وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج
لا يبدأ الحضور القطري في لبنان من ملف الكهرباء. فقد لعبت الدوحة دوراً في إعادة الإعمار عقب حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، عبر دعم مشروعات ومناطق متضررة، كما اضطلعت بدور سياسي بارز في تسوية أزمة داخلية لبنانية انتهت باتفاق الدوحة عام 2008. وتراكمت بذلك علاقة جمعت بين المساعدة التنموية والوساطة السياسية، في بلد تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
وخلال السنوات الأخيرة، استمر الدعم القطري في قطاعات حيوية، من بينها الجيش والتعليم والمساعدات الإنسانية. وفي يناير 2026، أعلنت قطر حزمة دعم تنموي وإنساني بقيمة إجمالية تتجاوز 434 مليون دولار، تشمل مساهمة تصل إلى 400 مليون دولار لقطاع الطاقة، يخصص عشرة في المئة منها في صورة منحة، إلى جانب دعم مجالات أخرى. وقال صندوق قطر للتنمية إن الحزمة تستهدف أكثر من 1.5 مليون مستفيد، في إطار التعاون مع السلطات اللبنانية.
وتبرز أهمية هذه الحزمة في أنها سبقت الإعلان عن المشروع الجديد، وتوضح أن التحرك القطري لا يقتصر على تمويل طارئ، بل يتجه إلى ربط الدعم بتطوير بنية تحتية قادرة على تحسين الخدمات على المدى الطويل. كما أعلنت «قطر للطاقة» اتفاقاً مع شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية لتطوير محطة للطاقة الشمسية في لبنان، في خطوة أولية ضمن إطار أوسع للتعاون في قطاع الطاقة.
مع ذلك، لا تكمن صعوبة المشروع في توفير التمويل وحده. فتجربة لبنان مع الخطط السابقة لتطوير الكهرباء أظهرت أن الاتفاقات الاستثمارية قد تتعثر عند الانتقال إلى التنفيذ، بسبب الخلافات السياسية، وتضارب المصالح، والتأخر في الإصلاحات، وعدم استقرار الأطر التنظيمية والمالية. وكانت قطر قد اقترحت في عام 2023 إنشاء ثلاث محطات للطاقة المتجددة بقدرة إجمالية تبلغ 450 ميغاواط، لكن المبادرة لم تتحول آنذاك إلى مشروع منفذ، وسط خلافات وتأخر في الاستجابة اللبنانية.
ولهذا، فإن النموذج الجديد يحتاج إلى وضوح في شروط التمويل والتشغيل والتعرفة، وآليات شراء الغاز، والضمانات القانونية، وجدول نقل الملكية، فضلاً عن تحديد مسؤوليات الدولة والشركات المشاركة. كما أن اعتماد محطات الغاز على إمدادات مستدامة وبأسعار قابلة للتحمل سيظل عاملاً حاسماً في تحديد كلفة الإنتاج، ومدى انعكاس أي زيادة في القدرة التوليدية على فواتير المواطنين.
وتقول الحكومة اللبنانية إن المشروع ينبغي أن يقوم على الشفافية والحوكمة والجدوى المالية، مع الاستعانة بخبرات مؤسسات متخصصة، بينها مؤسسة التمويل الدولية، في إعداد الإطار المناسب. غير أن هذه المعايير ستحتاج إلى أن تظهر في العقود وآليات الرقابة والتنفيذ، لا أن تبقى ضمن التعهدات العامة.
في المحصلة، تنقل قطر جزءاً من علاقتها بلبنان من نمط الدعم الذي يخفف آثار الأزمات إلى محاولة معالجة أحد أسبابها البنيوية. وإذا انتقل المشروع من المقترحات إلى التنفيذ وفق شروط واضحة، فقد يسهم في تخفيف أزمة الكهرباء وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج. أما إذا تعثرت الإصلاحات أو تكررت الخلافات التي عطلت مبادرات سابقة، فسيظل التمويل الخارجي عاجزاً وحده عن إنهاء أزمة صنعتها سنوات من الاختلالات المالية والإدارية والسياسية.



