إضافات نوعية إلى الدعوى المقدّمة في نيوجرسي ضدّ سلامة ومصارف

بعد الاطلاع على ملف ادّعاء كريم نجار وزملائه أمام محكمة أميركية في نيوجرسي على الحاكم السابق رياض سلامة ومصرف لبنان وعدد من المصارف اللبنانية ومفوّضي مراقبة المصارف السابقة، أفادت مصادر قانونية واسعة الاطلاع والمتابعة لـ»نداء الوطن» بالتالي:

يظهر من ملف الادّعاء ارتكازه بصورة أساسية على فكرة وجود عملية «غش قام بها المدّعى عليهم بصفتهم جمعية أشرار بتوصيف قانون RICCO، ومضمونها إغراء المودع نجار وزملائه بمعدلات فوائد عالية متعامل بها في لبنان لحملهم على إيداع أموالهم الدولارية لدى المصارف اللبنانية. مع تزيين الأمور لهم بأن هذا الإيداع سليم وآمن وبأن المصارف اللبنانية تتمتع بأعلى مستويات الحوكمة والانضباط. وقد أثبتت الأزمة اللبنانية عدم صحة هذه الادّعاءات وكذب المدّعى عليهم. فكان الطلب من المحكمة إلزام أعضاء جمعية الأشرار بتعويض المودعين المدّعين عن الأضرار التي أصابتهم من وثوقهم بادّعاءات المدّعى عليهم الكاذبة».

تصويب في ما خص مسألة الفوائد

التحليل السابق لا يستقيم مع حقيقة الواقع. فمن المعروف أن معدّلات الفوائد الأميركية انخفضت لعدة سنوات بعد اندلاع أزمة الرهونات العقارية بسبب سياسة التيسير الكمي التي اعتمدت في الولايات المتحدة، والأمر ذاته حصل في الاتحاد الأوروبي بعد وصول تردّدات الأزمة الأميركية الى دوله. وقد أدّى ما سبق الى هجرة رؤوس الأموال منهما الى العديد من الأسواق الناشئة في العالم منها دول شمالي أفريقيا والشرق الأوسط حيث معدلات الفوائد أعلى، ولبنان واحد من هذه الدول الأخيرة ومعدّلات فوائده كانت بالمستوى ذاته لمعدّلات دول مجاورة كمصر وتركيا لا بل أدنى منها في بعض الأحيان.

ماذا عن الهندسات؟

في أواخر عام 2016 انتخب ميشال عون مرشح «حزب الله» لرئاسة الجمهورية رئيساً للبلاد استناداً لتفاهم سياسي بين «حزب الله» وعدد من القادة اللبنانيين، ما أثار توجّس قادة دول الخليج ومواطنيها فاتّخذوا قراراً بسحب استثماراتهم من لبنان، وهو ما دفع بالعديد من المسؤولين الى أن يحذوا حذوهم ويقوموا بتحويل أموالهم الى الخارج. وكان حاكم مصرف لبنان قد عمد قبل ذلك، ومن باب التحسّب للآثار السلبية التي بدأت تضغط على ميزان المدفوعات، الى التحضّر لإطلاق هندسات مالية لاستقطاب ما أمكن من الدولارات الخارجية للمحافظة على سعر الصرف الثابت لليرة تجاه الدولار منذ أكثر من عقدين، على أمل أن يعزّز هذا الأمر من فرص نجاحه في الانتخابات الرئاسية.

في حديث تلفزيوني لخّص عضو جمعية المصارف السيد تنال الصباح عرض حاكم مصرف لبنان للمصارف لمشاركتها بالهندسات المالية فذكر «أن الحاكم قال لهم (أي للمصرفيين) من يأتِني بمئة مليون دولار (من خارج لبنان) أترك له خمسة وثلاثين مليون دولار وأدفع له فائدة 5 أو 6% سنوياً طوال مدة التجميد».

لاقى هذا العرض بالطبع صدى واسعاً لدى المصرفيين الذين انطلقوا للبحث عن كبار المتموّلين لإبرام صفقات معهم يحصلون منهم على دولارتهم، مقابل عوائد مجزية أعلى من المعدّلات المتعامل بها في السوق اللبنانية.

«أنتم على حافة الهاوية»

وكانت صحيفة «Le Temps» السويسرية قد أوردت في عددها الصادر في 6 تشرين الأول 2021 مقالاً بعنوان «مصرف لبنان فرض رقابة على تقرير لصندوق النقد الدولي توقّع الكارثة الحالية»، ذكرت فيه أن ممثل الصندوق الإسباني Alvaro Perez افتتح في 9 نيسان 2016، في السنة التي بدأ فيها التحضير لإطلاق الهندسات المالية، اجتماعاً مقرّراً مع حاكم مصرف لبنان ومعاونيه بالقول «أنتم على حافة الهاوية».

جدير بالذكر أن التقرير الأوّلي لصندوق النقد الدولي بخصوص تقييم القطاع المالي في لبنان المؤرخ بنيسان 2016 والذي صدر بداية عام 2017، أشار الى أن هناك عجزاً صافياً لدى مصرف لبنان بـ4,7 مليارات دولار، ما يمثّل 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ما يعني أن مصرف لبنان ليس قانونياً ومالياً في وضع يسمح له بتثقيل التزاماته بمزيد من الاقتراض بفوائد عالية كما خطط لذلك في هندساته المالية. وكان عليه مصارحة المسؤولين من حكومة ومجلس نيابي بواقع الأمور لتعديل السياسات المعتمدة، على الأخص في مجال تثبيت سعر القطع ومساعدة الدولة في تأمين احتياجاتها من الدولار، إذ إن الخزينة ملزمة بالنهاية بتغطية أية خسارة تصيب مصرف لبنان بقانون يؤمّن توفير الاعتمادات اللازمة.

أيضاً المصارف اللبنانية لم تكن بوضع يسمح لها قانونياً بالمشاركة بالهندسات المالية المعروضة عليها من قبل مصرف لبنان، لأن ذلك يعزّز انكشافها على الديون السيادية العامة. وهو أمر لفتت إليه وحذّرت منه تقارير صندوق النقد الدولي، فضلاً عن مخالفة المشاركة المعروضة لقانون النقد والتسليف وأنظمة ومعايير دولية ووطنية معتمدة بخصوص معدلات الإقراض والسيولة والملاءة وتكوين الإحتياطات وغيره.

ما يعني أن مقولة غش المودعين وإغوائهم بتقاضي الفوائد المرتفعة والتي تم التأسيس عليها في لائحة الادّعاء غير كافية إن لم نقل غير صحيحة ويمكن نقضها بسهولة. فمعدّلات الفوائد المتعامل بها في لبنان كانت هي ذاتها المعتمدة في دول الجوار (تركيا ومصر) وفوائد الهندسات المالية التي عرضت ابتداء من عام 2017 هي جدّ مرتفعة الى حدّ كان يجب أن يدفع المعنيين الى التدقيق بعملياتها كما هو الأمر في أي استثمار. ولو حصل ذلك من أصحاب الودائع لكانوا تيقّنوا أن المعروض يؤسّس لعمليات غير آمنة وغير قانونية لمصرف لبنان كما للمصارف، ولكانوا أحجموا بالتأكيد عن المشاركة فيها خصوصاً أنه كان سبقها تعثر في تسويق إصدار يوروبوندز.

التركيز على مخالفة القوانين

وبالتالي، فإن مسؤولية المدّعى عليهم يجب تلمّسها في مجال آخر، وهو مخالفتهم القوانين التي تنظم أعمالهم، أمر سهل الإثبات كمقدمة لمطالبتهم بالتعويض عن الأضرار المتأتية من هذه المخالفات.

فالمسؤولية القانونية لمصرف لبنان واضحة وجليّة في التأسيس للأزمة بشهادة مسؤولين دوليين كبار بدءاً من الأمين العام للأمم المتحدة السيد A. Guterres والرئيس الفرنسي E. Macron اللذين أسندا الأمور الى مخطط Ponzi الذي اعتمده مصرف لبنان لسنوات. وكانت المحاكم الأميركية حكمت على Bernard Madoff الذي قاد مخططاً مماثلاً بالحبس لمدة مئة وخمسين عاماً.

كما أعلن مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر وحقوق الإنسان السيد Olivier de Schutter في 1 حزيران 2021 «أن سياسات المصرف المركزي في لبنان أدّت إلى دوّامة هبوط العملة، وتدمير الاقتصاد، والقضاء على مدّخرات الناس مدى الحياة، وإغراق السكان في براثن الفقر».

وفي استعراض سريع للمخالفات القانونية المرتكبة من قبل مصرف لبنان خلال العقود الثلاثة المنصرمة يأتي في رأس القائمة استجراره ودائع المودعين الدولارية من المصارف بأساليب مخالفة بشكل فاقع للقانون، إن بإلزام الأخيرة بتكوين توظيفات إلزامية من هذه الودائع لديه لا ينصّ القانون عليها، أو تقديمه المغريات للمصارف للاكتتاب بشهادات إيداع يصدرها مصرف لبنان بالدولارات، أو للمشاركة بهندسات مالية بهذه العملات بتفسير مشوّه للنصوص القانونية التي تمّ الارتكاز عليها في جميع هذه العمليات وقراراتها.

وأفضت الانحرافات السابقة الى رفد المصارف التجارية مصرف لبنان بحوالي 80% من ودائعها الدولارية بتشويه فاضح لدور المصارف التجارية في استعمال مواردها لتنمية الاقتصاد، وبمخالفة فاقعة لقواعد العمل الوطنية والدولية التي تحدّد للمصارف التجارية أصول توظيف مواردها ومن دون الإنصات لتنبيهات صندوق النقد الدولي الى خطورة ومحاذير انكشافها على مخاطر الديون السيادية.

سعر صرف معتمد بشكل غير أصولي

والأنكى حصل باستعمال مصرف لبنان الودائع الدولارية المجمعة لديه أيضاً بشكل منحرف، وذلك بإنفاقها في تثبيت سعر صرف جرى اعتماده بشكل غير أصولي إن لم نقل غير دستوري منذ البداية، وفي عمليات إقراض القطاع العام ولدعم سياساته وهي عمليات أقرّ مجلس شورى الدولة صراحة في قراره الأخير الصادر في 6/2/2024 بأنها «غير قانونية». أيضاً قرّر مصرف لبنان قروضاً مدعومة للقطاع الخاص من الدولارات المتجمّعة لديه من المصارف تمّ التمييز فيها اعتباطياً بين الأشخاص والمؤسّسات، وأيضاً قروضاً للمصارف على نحو لا يتوافق مع الأحكام القانونية التي ترعى قواعد تمويل الأخيرة.

تمويه الخسائر

وحصل تمويه لإخفاء خسارات جسيمة محققة في عمليات مصرف لبنان في حساب الخسائر والأرباح، خلافاً لموجب الشفافية الذي يرعى عمل أي مصرف مركزي معاصر، وللنص الذي يطلب من مصرف لبنان نشر تقرير خاص ووافٍ عن عملياته، وأيضاً لتوجيهات صندوق النقد الدولي في هذا المضمار، ما حال دون علم اللبنانيين بواقع الأمور واتّخاذهم ما يلزم من إجراءات للتحوّط من تداعياته.

جدير بالذكر أن مصرف لبنان كان قد انقطع أيضاً لمدة عشر سنوات ابتداءً من العام 2005 عن نشر أي تقرير سنوي كما ينص عليه قانونه. أيضاً دأب مصرف لبنان على دفع مبلغ 40 مليون دولار سنوياً للخزينة، على أساس أن هذا المبلغ هو نصيبها من الأرباح المحقّقة، مع أنّ المصرف كان يحقّق بالحقيقة الخسائر الفادحة كما ظهر لاحقاً.

إنحرافات ما بعد اندلاع الأزمة

وفاقم مصرف لبنان الأمور بعد اندلاع الأزمة بإحجامه عن التصدي لانحرافات مصرفية أكملت تبديد ما تبقّى من ودائع المودعين الدولارية، منها عدم التصدي للمصارف في ممارستها استنسابيةً يعاقب عليها القانون بانتقاء محظيين وأصحاب نفوذ لقبول طلبات تحويل أموالهم للخارج، وحجب هذا الأمر عن المودعين الآخرين وتقييد سحوباتهم. أيضاً كان هناك تسديد وتحويل من قبل مدينين لقروض دولارية الى الليرة اللبنانية بسعر صرف أدنى بكثير من السعر الواقعي في تفسير منحرف للقانون ومناقض لآراء فقهاء قانون مجلّين، ما أضاع على المودعين حوالي الثلاثين مليار دولار.

تبديد ما تبقّى

وما زال مصرف لبنان ينتهج لتاريخه سياسة تبديد ما تبقّى من ودائع المودعين الدولارية المحفوظة بشكل توظيفات إلزامية للمصارف لديه، وآخرها إصدار القائم بمهام الحاكم، الذي حلّ مكان الحاكم السابق سلامة منذ بداية آب الماضي، مؤخراً تعميماً سمح للذين حوّلوا ودائعهم بالليرة الى دولار بعد اندلاع الأزمة في تشرين الأول 2019 بإجراء سحوبات دولارية من التوظيفات الإلزامية السابقة مع أنهم لم يشاركوا في تكوين هذه التوظيفات.

من القضاء الأوروبي

ممارسات مصرف لبنان ومواقفه الآنفة الذكر تعتبر تجاوزاً خطيراً «لمقتضيات الحيطة والحذر والرعاية» المطلوبة من أي مصرف مركزي حسب قرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في 13 أيلول 2022 في قضية Banka Slovenije الذي اعتبر أن تجاوز المقتضيات الآنفة الذكر يؤسس لتقرير المسؤولية القانونية للمصرف المركزي وللقيمين عليه، ولمطالبة المتضررين من التجاوز بتعويضهم عن الأذى الذي لحق بهم من جرّاء هذا التجاوز.

كما أن القضاء الفرنسي حكم بالاتجاه ذاته وأقام المسؤولية على أساس «الخطأ الجسيم» للقيّمين على الأمور. ومن المتوقع أن يحذو القضاء السويسري المنحى ذاته بخصوص مسؤولية الـ Finma إزاء مساهمي ودائني الـ Credit Suissse

الإدّعاء على مدقّقي الحسابات

لقد أحسن كريم نجار وزملاؤه بضمّ مفوّضي مراقبة مصرف لبنان والمصارف الى لائحة المدّعى عليهم. ذلك أن القانون اللبناني يطالب الأخيرين، ليس فقط بتدقيق الحسابات والبيانات المالية للمصارف السابقة، بل أيضاً بضرورة تضمين تقاريرهم إشارات الى حالات عدم امتثال الأخيرة لأنظمتها وللقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وهو ما لم يحصل كما هو مطلوب فحال دون تنبه المعنيين الى مخالفات وارتكابات المدعى عليهم.

جدير بالذكر أن تعيين مصرف لبنان مفوّضي المراقبة على أعماله وعملياته يتضمّن تضارباً في المصالح. فالمفوّضان يتلقّيان أتعابهما منه، أي من المرجع المفروض أن يُصدرا حكمهما على حساباته وعملياته، وهو أمر بات من المطلوب تفاديه تحاشياً لتكرار ما حصل مع Lehman Brothers. خصوصاً أن شركة Ernest&Young التي اعتمدها مصرف لبنان لتدقيق حساباته ومراقبة عملياته هي ذاتها المشكو منها في قضية Brothers Lehman وقد استمرّت في مراقبة مصرف لبنان لمدة تفوق العشرين عاماً خلافاً للأصول التي تقضي بتغيير مفوّضي المراقبة دورياً.

ضرورة توسيع لائحة الإدّعاء

وتبقى هناك بالأخير ضرورة لتوسيع لائحة المدّعى عليهم بتضمينها جميع المقصّرين الذين تقاعسوا عن القيام بواجباتهم أو قاموا بتضليل المودعين لسنوات بـ»أن الليرة بخير»، وبـ»أن القطاع المصرفي اللبناني سليم وقوي ومن أقوى مصارف العالم» على حد تعبير وزير مال سابق واكب سنوات الارتكابات والمخالفات القانونية من دون التدخل لوقفها. أيضاً هناك مسؤولون سياسيون وإداريون آخرون ساهمت ارتكاباتهم بحصول الأزمة وتفاقمها ويقتضي عدم استبعادهم من تحمل تبعات انحرافاتهم. كذلك صندوق النقد الدولي كان عليه نشر تقريره الإعدادي الأول الذي أعدّه عام 2016 والذي يبيّن فيه المخاطر التي يعيشها القطاع المصرفي لكن عدل عن ذلك ونشر تقريراً مختلفاً لا يتناول المخاطر المذكورة بتدخل شخصي من الحاكم السابق سلامة لدى مديرة صندوق النقد الدولي آنذاك Christine Lagarde.

لقد أشار تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني الصادر عن البنك الدولي عام 2021 في عنوانه الى «غرق لبنان في أسوأ ثلاث أزمات عالمية عرفها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر». وكان بالإمكان التوضيح أن الأزمة اللبنانية هي أول أزمة حصلت في العالم «محرّكها الأساسي» مصرف مركزي وأفادت النخبة السياسية والمالية وقوى الأمر الواقع في البلد. وكان سبق لتقرير مرصد البنك الدولي للعام 2020 أن أشار بوضوح الى أن « الكساد» اللبناني «متعمد» و تبين لاحقاً ان الهدف منه تحقيق ثروات استثنائية للمنتفعين منه لا يمكنهم تحقيقها في الأوقات العادية.

مصدرنداء الوطن
المادة السابقةنقاش في مركز عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية حول تقرير “ألفاريز أند مارسال”
المقالة القادمةمجلس الأعمال اللبناني في الكويت فند في اجتماعه العام مبادرات نفذها وتعاون في بعضها مع جهات كويتية ولبنانية