استهلاكها زاد 20% في خمس سنوات: فقدان أدوية الأعصاب والمهدّئات

أدّت الأزمات المتلاحقة إلى زيادة نسبة استهلاك أدوية الأعصاب والمهدئات بنحو 20% في السنوات الخمس الأخيرة. الأخطر أن شراء هذه الأدوية وتخزينها خشية إلغاء الدعم، ليسا محصورَين بمرضى الأعصاب والاضطرابات النفسية، بل يشملان «عاديين» باتوا يخزّنون أدوية الأعصاب مثلما يخزّنون دواء خافض الحرارة

يوماً بعد آخر، مع الأزمات المتلاحقة، يستحيل الاكتئاب جماعياً في لبنان. بين أزمة ارتفاع الدولار وانعكاساته على الأوضاع المعيشية و«الحصاد» اليومي لفيروس كورونا، لم تعُد الصحة النفسيّة لهؤلاء بخير، ازداد «عدّاد» اللائذين إلى الأدوية المهدّئة للأعصاب، سواء كانوا مرضى أعصاب «مزمنين» أو «طارئين» على هذا «العالم». وفي عزّ الأزمة، كان من الطبيعيّ أن تكون أدوية الأعصاب، وفي مقدمها المهدئات، في مقدم الأدوية التي «طارت» عن رفوف الصيدليات. ولئن كانت أدوية الأمراض السرطانية والمستعصية أول «المفقودين»، لم يتنبّه كثر إلى أن أدوية الأعصاب حلّت ثانية على «لائحة» الأدوية المفقودة. وحدهم من يستخدمون تلك الأدوية يعرفون ماذا يعني أن لا توجد من السوق، وكذلك العاملون في هذا القطاع، وعلى رأسهم الصيادلة.
نقيب الصيادلة، غسان الأمين، لا يعتبر انقطاع مضادات الاكتئاب والمهدئات خارجاً عن المألوف، «فمنذ عام 2015، اتّخذ استهلاك هذه الأدوية مساراً تصاعدياً، وزادت نسبة استهلاكها 20% عمّا كانت عليه قبل ذلك التاريخ». ما هو غير مألوف هو عندما تزيد نسبة استهلاك هذه الأدوية، «وهذا يعني أن هناك أمراً غير طبيعيّ، لأن الأطباء غالباً ما يوقفون مرضاهم عن تناول هذه الأدوية بعد فترة، ما يفترض أن ينعكس تراجعاً في الاستهلاك لا ارتفاعاً».
أكثر من ذلك، يلفت الأمين إلى أن «الطلب على مضادات الاكتئاب، مثلاً، زاد بنسبة 9% هذه السنة عمّا كان عليه عام 2018، فيما ارتفع استهلاك المهدئات (كزاناكس، لكزوتانيل…) 12% في الفترة نفسها. وهذا يعني أن هذه الأدوية لم تعُد محصورة بالمرضى فقط، وإنّما تطال شريحة أوسع من الناس». وتساهم أسباب كثيرة في وصول الناس إلى حافة الكآبة والقلق، منها ما هو مزمن كالوضع الاقتصادي المستمر منذ عام تقريباً وبعضها آنيّ يتعلّق بانهيار سعر صرف الليرة وما حمله من ارتفاع في أسعار السلع الأساسية. كل هذه كانت كفيلة بأن تجعل تلك الأدوية جزءاً من حياة اللبنانيين، وأن يتهافتوا عليها لتخزينها في البيوت، أسوة بالأدوية الأخرى، مع بدء الحديث عن اقتراب إلغاء الدعم عن هذا القطاع. ولهذا، وفق الأمين، «يقوم الصيادلة بضربة استباقية، من خلال الامتناع عن صرف تلك الأدوية إلّا بوصفة طبيّة من جهة، وبالتوعية من جهة أخرى عبر الاستفاضة بالسؤال عن سبب استخدام الدواء».

هي ليست أزمة عابرة وإنّما ستبقى مع بقاء الصعوبات الحياتية، هذا ما تقوله الطبيبة آلان مطر، اختصاصية الطب النفسي واضطرابات المزاج (الاكتئاب والقلق). استناداً إلى عملها في عيادة خاصة، تشير مطر إلى زيادة في أعداد من يواجهون صعوبات نفسية، كالكآبة والقلق وغيرهما. وبسبب صعوبة الأحوال المعيشية «ثمة زيادة في عدد الاستشارات على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ أن البعض لا يملك المال لزيارة العيادة لذلك بتنا نردّ على استشارات افتراضية». صحيح أن ما يجري «يدعو للاكتئاب»، بالنسبة إلى مطر، إلّا أن «الأزمة الأشدّ هي أننا لا نستطيع إخراج بعض المرضى من تلك الأدوية ونستمرّ في إعطائهم إياها بسبب تأزّم حالتهم مع الأوضاع، كما نضطر لإعطاء أدوية أيضاً لأشخاص جدد». علماً أن وزير الصحة السابق جميل جبق أكّد في أواخر العام الماضي أن «30% من اللبنانيين يتعاطون أدوية أعصاب بشكل دائم و30% آخرين يتعاطونها بشكلٍ مؤقت». المؤكّد اليوم أن الأوضاع لم تتغيّر. ما تغيّر، على الأرجح، هو الرقم الذي صار أكبر.

مصدرجريدة الشرق اللبنانية - راجانا حمية
المادة السابقةبريطانيا: فرصة إبرام صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي أقل من 50%
المقالة القادمةاللحم إلى الـ60 ألفاً والسؤال: أين المدعوم؟