الرئيسية اقتصاد لبنان الحلاقة بـ20 دولاراً… والسبب هرمز! أزمة الطاقة تُضاعِف أعباء اللبنانيين

الحلاقة بـ20 دولاراً… والسبب هرمز! أزمة الطاقة تُضاعِف أعباء اللبنانيين

إغلاق مضيق هرمز كان سبباً مباشراً في ارتفاع كلفة حلاقة الشعر في بيروت إلى 20 دولاراً. هذه ليست طرفة، بل حادثة تختصر واقعاً اقتصادياً لم يعد فيه ارتفاع أسعار النفط يقتصر على فاتورة المحروقات والكهرباء.
لم يعد مضيق هرمز بعيداً عن الحياة اليومية للبنانيين، ولا تقتصر تداعيات الصراع الأميركي – الإيراني على أسواق النفط وحركة الناقلات في الخليج. فمنذ اندلاع الحرب، انتقلت كلفة اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، ومنها إلى المولدات الخاصة، لتظهر في فواتير الأسر وأسعار السلع والخدمات، في ظل اختلالات مزمنة في قطاع الكهرباء.

وتكفي الأرقام التي كشفها وزير الطاقة والمياه جو صدّي لتظهير حجم الأزمة، إذ أعلن ارتفاع كلفة النفط بنحو 50 مليون دولار شهرياً، بالتزامن مع أضرار لحقت بقطاع الكهرباء جراء الحرب قدّرها بنحو 100 مليون دولار. وإن كانت أرقام صدّي قد أتت أيضاً في سياق محاولة حزب القوات رفع الحرج عنه بعد «تعريض أكتافه» بوعد اللبنانيين بكهرباء على مدار الساعة خلال الأشهر الستة الأولى من تولّيه الوزارة، فإنها تعكس كذلك تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

ارتفعت كلفة إنتاج الكهرباء في وقت تتراجع فيه القدرة على تمويلها. وبما أن مؤسسة كهرباء لبنان عاجزة أصلاً عن تأمين التغذية على مدار الساعة، يزيد تقليص الإنتاج الاعتماد على المولدات الخاصة، التي ارتفعت كلفة تشغيلها بدورها. وهكذا، لا تقتصر فاتورة أزمة هرمز على ما تدفعه الدولة لاستيراد الوقود، بل تمتد إلى نفقات الأسر والمؤسسات، وكلفة الإنتاج والنقل والتبريد، وصولاً إلى أسعار السلع الأساسية.

وتترافق الأزمة مع معركة سياسية وعسكرية حول المضيق. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يؤكد استمرار عبور كميات كبيرة من النفط، فيما تؤكد إيران قدرتها على التحكم بحركة الملاحة. لكن بيانات الصادرات عبر المضيق تظهر أن الأرقام ما زالت بعيدة عن مستوياتها المعتادة قبل الحرب.

وبالنسبة إلى الأسواق، لا يكفي وصول ملايين البراميل إلى وجهاتها لإعلان انتهاء الأزمة. فالنفط الذي يحتاج نقله إلى حماية عسكرية ومسارات استثنائية وتأمين مرتفع الكلفة، لا يصل إلى المستهلك بالسعر نفسه الذي كان يصل به قبل الحرب. وقد بلغ سعر خام برنت في 29 أيلول نحو 105 دولارات للبرميل، رغم تراجعه خلال جلسة التداول، ليبقى أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.

أما لبنان، الذي يستورد حاجاته من المشتقات النفطية ويعتمد على الفيول والمازوت لتوليد الكهرباء، فيتأثر بهذه الزيادات حتى من دون تعطل الشحنات المتجهة إلى موانئه. وتكشف أزمة هرمز هشاشة النموذج الذي يقوم عليه قطاع الكهرباء: مؤسسة عامة تعتمد على وقود مستورد تحكمه تقلبات الأسواق العالمية، وتغذية لا تزال محدودة، فيما يمول اللبنانيون منظومة كهربائية موازية عبر المولدات الخاصة.

ومع ارتفاع أسعار النفط، تجد مؤسسة كهرباء لبنان نفسها أمام كلفة أعلى لتأمين الكميات نفسها من الوقود. وإذا تعذّر توفير التمويل الإضافي، يصبح خفض الإنتاج أحد الخيارات المتاحة، بما يعني ساعات تقنين أطول. لكن بالنسبة إلى المواطن، لا يعني خفض إنتاج المؤسسة انخفاض فاتورة الكهرباء الإجمالية، بل العكس غالباً: فالساعة التي تعجز الدولة عن تأمينها ينتجها المولد الخاص بكلفة أعلى يتحملها المشترك مباشرة.

وتُظهر تسعيرات وزارة الطاقة للمولدات الخاصة كيف تنتقل أزمة النفط من الأسواق إلى الفواتير المنزلية. فقد حُدّد أعلى سعر «رسمي» للكيلوواط ساعة عن استهلاك أيلول بنحو 53.065 ليرة، أي ما يعادل نحو 59.3 سنتاً أميركياً. ووفق المعطيات المنشورة مطلع أيلول، كانت التعرفة قد ارتفعت بنحو 60% مقارنة بمستواها في شباط، قبل اندلاع الحرب.

ولا تتوزع هذه الكلفة بالتساوي. فالأسر المحدودة الدخل أقل قدرة على استيعاب النفقات الإضافية، وقد تضطر إلى خفض استهلاك الكهرباء أو اقتطاع جزء من إنفاقها على احتياجات أخرى. أما المحال والمؤسسات الصغيرة، فلا تستطيع غالباً الاستغناء عن الكهرباء اللازمة للتبريد والإنارة وتشغيل المعدات، ما يجعل انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات أمراً شبه حتمي.

طبعاً، لم تقف الحكومة مكتوفة اليدين، فقد عقدت اجتماعاً في السراي الحكومي برئاسة نواف سلام (4 أيلول)، «بحثت» فيه ارتفاع فواتير المولّدات و«قررت» مراقبة التسعير. غير أن الرقابة على التسعير لا تعالج المصدر الأساسي للارتفاع، وهو غلاء الوقود وزيادة ساعات الاعتماد على المولّدات. فحتى الالتزام الكامل بالتعرفة الرسمية لا يلغي انتقال الكلفة الإضافية إلى المشتركين.

ولا تتوقف التداعيات عند فواتير المنازل. فارتفاع أسعار المازوت والبنزين، بالتزامن مع زيادة كلفة الكهرباء، يطال معظم حلقات الإنتاج والتوزيع. فالأفران والمصانع والمؤسسات التجارية ومخازن المواد الغذائية تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل معداتها وحفظ منتجاتها، وإلى الوقود لنقل المواد الأولية والسلع النهائية. وكل زيادة في هذه الكلفة تضيف ضغطاً جديداً على الأسعار.

وتصبح الضغوط أشد حين ترتفع كلفة الكهرباء والوقود معاً. فصاحب المؤسسة الذي يدفع أكثر لتشغيل مولده يتحمل أيضاً زيادة في أجور النقل وأسعار المواد المستوردة، فيجد نفسه أمام ثلاثة خيارات: رفع الأسعار، أو تقليص هامش الربح، أو خفض الإنتاج والعمالة. وفي كل الحالات، يدفع الاقتصاد والمستهلك الكلفة.

ورغم سلوك السلطة اللبنانية مسار التفاوض المباشر مع العدو تحت عنوان «لا أحد يفاوض عنّا»، يبقى لبنان مرتبطاً بالأزمة الدولية من جهتين: فهو يدفع، من جهة، كلفة اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة؛ ومن جهة أخرى، يُطرح وقف الحرب على أراضيه ضمن ترتيبات إقليمية تشمل هرمز والحصار الأميركي على إيران.

وحتى إذا انتهت المواجهة باتفاق يعيد الاستقرار إلى أسواق النفط، ستظل استفادة اللبنانيين منه مرتبطة بمعالجة أزمة الكهرباء الداخلية، وبمدى شمول التسوية الإقليمية وقفاً فعلياً للحرب في لبنان. بالنسبة إلى اللبنانيين، لا تُقاس نتائج معركة هرمز بعدد ناقلات النفط التي تعبر المضيق فحسب، بل بعدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى منازلهم، وبالفواتير التي يسددونها، والأسعار التي يدفعونها لتأمين حاجاتهم اليومية، وصولاً إلى كلفة حلاقة شعرهم.

مصدرجريدة الأخبار - حمزة الخنسا
المادة السابقةEBRD: الحرب تعمّق انكماش اقتصاد لبنان
المقالة القادمةالتنقيب برّاً: عوائق أم قرار سياسي؟