الرئيسية اقتصاد لبنان الشائعات تقود أسعار اليوروبوندز

الشائعات تقود أسعار اليوروبوندز

خلال الأسابيع الماضية ارتفع سعر سندات اليوروبوندز بنحو 13%، مدفوعاً بما يمكن تسميته «أجواء إيجابية» جرى الترويج لها بُعيد وقف إطلاق النار بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، وما تلاه من وقف إطلاق نار مُعلن وغير مُطبّق كلياً، بين لبنان والكيان الإسرائيلي.

بُني على وقف إطلاق النار الكثير من الآمال باعتبار أن انطلاق المفاوضات بين أميركا وإيران، سيؤدي إلى إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما فيها لبنان. وتُرجم هذا المسار من خلال ارتفاع سعر السندات، من 23 سنتاً للدولار الواحد إلى نحو 28 سنتاً، قبل أن يعود إلى الانخفاض ليبلغ 26.2 سنتاً. عملياً، يعكس هذا المسار تفاعلاً سريعاً للسوق مع التحوّلات السياسية، حيث تُسعَّر التوقّعات قبل أن تتحقّق الوقائع.

الأهم أنّ حركة اليوروبوندز تعكس، إلى حدّ بعيد، الدور الذي تؤدّيه التوقّعات في صناعة الأسعار في الأسواق المالية، حتى عندما لا تكون الوقائع المادية قد تبدّلت فعلاً. فالأسواق لا تنتظر دائماً تحقّق الحدث، بل تسعّر احتماله مُسبقاً بدافع تحصيل الأرباح في المضاربات، فيحاول المستثمر أن يسبق السوق من خلال توقّعاته. وهذا ما ظهر أيضاً في سوق النفط خلال الفترة نفسها، إذ إنّ الأسعار بقيت ضمن مستويات مضبوطة نسبياً رغم استمرار إغلاق مضيق هرمز، ما سبّب تعطّلاً فعلياً في نحو 20% من الإمدادات العالمية للنفط.

والسبب أنّ السوق ظلّ يراهن على إمكان احتواء التصعيد عبر المفاوضات. بمعنى آخر، كانت الأجواء الإيجابية التي تُضخّ بين حين وآخر حول المحادثات كافية للحدّ من اندفاعة الأسعار، حتى من دون وجود مؤشّرات جدّية على أنّ المسار التفاوضي يتجه فعلاً نحو اتفاق حقيقي.
بالمنطق نفسه، تحرّكت اليوروبوندز اللبنانية صعوداً على أساس توقّعات لا على أساس وقائع، إذ جرى تسعير احتمال التهدئة الإقليمية وانعكاسها على لبنان قبل أن يتضح ما إذا كانت هذه التهدئة قابلة للتحوّل إلى مسار سياسي ومالي مستقرّ.

بعض التحليلات ربطت الارتفاع الأخير في أسعار اليوروبوندز بالحديث المتزايد عن احتمال فتح مسار محادثات بين لبنان وإسرائيل وخصوصاً بعد الاتصال الأول من نوعه بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر، بمشاركة السفير الأميركي لدى بيروت، ثم الحديث عن اجتماع مباشر في واشنطن برعاية أميركية. وبالنسبة إلى هذه النظرية، شكّل هذا التطوّر إشارة سياسية غير مألوفة، بما يوحي نظرياً بإمكان الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث في ترتيبات أكثر استقراراً على الحدود.

لكن حتى هذا التفسير يبقى أيضاً محكوماً بمنطق التوقّعات لا الوقائع. فمجرد حصول اتصال أو اجتماع لا يعني أن المسار سينتهي إلى نتيجة إيجابية، ولا أن لبنان بات أقرب فعلاً إلى تسوية قابلة للتنفيذ. على العكس، قد تفتح أيّ محادثات مباشرة الباب أمام إشكال داخلي واسع، أقلّه بما يكفي لتعطيل المسار السياسي أو إعادة توتير الانقسام حول حدود التفاوض وسقفه وطبيعته، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد، وبالتالي على أي إمكانية لتسوية أوضاع سندات اليوروبوندز.

لذلك، فإنّ ما جرى تسعيره في سوق السندات كان قائماً أيضاً على احتمال سياسي هشّ، يمكن أن يتحوّل بسرعة من عامل تفاؤل إلى مصدر توتّر جديد إذا اصطدم بالواقع الداخلي اللبناني. وكما حصل في سوق النفط، بعد ارتفاع الأسعار في الأيام الأخيرة ليتعدّى سعر برميل البرنت 120 دولاراً، اصطدم السوق بواقع أن المفاوضات المزعومة تذهب إلى طريق مسدود في حين أن تعطّل الإمدادات لا يزال قائماً، وهو ما سيحدث في سوق اليوروبوندز، الذي سيصطدم بواقع أن أيّ حلول شاملة ليست قريبة من الواقع في الوقت الحالي، ما سينعكس بشكل مؤكّد على الأسعار.

في الأشهر الأولى من السنة، شهدت أسعار اليوروبوندز ارتفاعاً مستمراً حتى بداية شهر آذار، مدفوعةً بمزيج من العوامل السياسية والمالية التي عزّزت المزاج التفاؤلي في السوق. في تلك الفترة، ترافقت الإشارات الإقليمية الإيجابية مع تطوّرات داخلية لافتة، أبرزها إعادة طرح قانون الفجوة المالية بوصفه خطوة أولى نحو تنظيم الخسائر في القطاع المالي. هذا الطرح، على الرغم من كونه لا يزال في إطار النقاش، أعطى انطباعاً بأن هناك محاولة جدّية لإعادة الانتظام إلى مسار الإصلاح، ولو نظرياً، ما انعكس مباشرةً على سلوك المستثمرين الذين بدأوا بتسعير احتمال تحسّن في مسار إعادة هيكلة الدين.

فمن بداية السنة حتى بداية آذار، ارتفع سعر اليوروبوندز من نحو 23.3 سنتاً إلى نحو 30.9 سنتاً للدولار، وهو ارتفاع بلغت نسبته 33%. إلا أنّ هذا الارتفاع أيضاً لم يكن قائماً على تحسّن فعلي في أساسيات الاقتصاد اللبناني، أو على أمل حقيقي في حلّ مسألة اليوروبوندز اللبنانية التي تخلّفت عن سدادها الدولة منذ شهر آذار 2020. إنما كان قائماً على رهانات قصيرة الأجل مرتبطة بتبدّل المناخ السياسي.

في هذا السياق، يمكن فهم التراجع اللاحق من 30.3 سنتاً في بداية آذار إلى مستوى 23.3 سنتاً في نهاية الأسبوع الأول من نيسان إلا أنه تصحيح طبيعي، أتى نتيجة واقع الحرب. لكنّ الارتفاع الذي لحقه، بسبب إشاعة الأجواء الإيجابية حول المفاوضات، أعاد أسعار اليوربوندز للارتفاع بناءً على توقّعات لا وقائع.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقةالمستشفيات الخاصة تهدّد شركات التأمين بالمرضى!
المقالة القادمةاعتماد جديد في الموازنة لدفع «تعويضات مؤقتة»: الحقوق المبتورة مقابل زيادة الـTVA