بند الرواتب يمتص 56% من الواردات

 

من الطبيعي أن تشكل الرواتب والتعويضات في القطاع العام مبلغاً مرقوماً في أي اقتصاد، إنما ان تبلغ كتلة الأجور في لبنان في العام 2018 حوالى 6.45 مليارات دولار، أو ما نسبته 11.5% من الناتج المحلي، فهذا يفوق كل التوقعات ويُعجز الخبراء عن تقدير عما ستؤول اليه الأمور، بخاصة إذا ما نظرنا إلى مستوى الخدمات الحكومية المتدنية، من كهرباء وماء وطرقات ومعاملات.

إرتفعت نسبة ما تقاضاه موظفو ومتقاعدو الدولة في العام الماضي، حوالى 18.3% عن العام 2017. وقد توزع الإنفاق بنسبة 62% على الرواتب والأجور، أو ما يقدّر بـ 4 مليارات دولار، و24.2% على معاشات التقاعد، و 8.8% على مخصصات نهاية الخدمة.

توزيع الأرقام على نسب مئوية قد يخفف من حدتها، إلا أنها في الواقع تبقى كارثية، وقد امتصت ما نسبته 56% من الإيرادات. وبمعنى آخر، فان أكثر من نصف أموال دافعي الضرائب ذهبت لتمويل قطاع عام متضخم، بدلاً من أن تخصص لخدمات الإستشفاء والتعليم، وغيرها الكثير من الحقوق المفقودة .

الكلفة الباهظة

أرقام الـ 2018 المتضخمة، كانت النتيجة الطبيعية لإقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017، من دون أي إصلاح في الإدارة العامة. فبدلاً من تصغير حجم الدولة، والحد من التوظيف الزبائني، فقد تم إدخال31 ألف شخص إلى القطاع العام بين الاعوام 2014 و 2018، وهو ما دفع إلى بدء مرحلة جديدة من تحميل الإقتصاد كلفة انتفاخ القطاع العام وأعبائه الهائلة .

تطور كتلة الرواتب والتعويضات منذ العام 2010 يظهر منحى تصاعدياً خطيراً جداً، إذ حتى قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب، فقد سجلت هذه الكتلة إرتفاعاً بحدود 62% لغاية العام 2017. وقد تخطى بند معاشات التقاعد ومخصصات نهاية الخدمة، تحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان. فـ “بالرغم من ارتفاع أسعار النفط بنسبة 31% في العام 2018 كانت التحويلات إلى كهرباء لبنان قد بلغت 11% من المدفوعات العامة، فيما تخطت كتلة الرواتب والاجور والمخصصات ومعاشات التقاعد الـ 36% من النفقات، وقد شكلت البند الأكبر في الإنفاق العام”، يقول رئيس فريق الأبحاث الإقتصادية في بنك بيبلوس نسيب غبريل.

لا نية للإصلاح

الورم في القطاع العام أصبح يشكل كلفة تفوق قدرة الإقتصاد على تحملها، وعبئاً كبيراً على المواطنين والقطاعات الانتاجية، وهذا الورم يفرض استمرار السير برفع نسب الضرائب وزيادة الرسوم، والتي من ضمنها شماعة الـ 3% المدرجة في الموازنة. فـ”الضرائب ستدفع إلى تخفيض القدرة الشرائية، ودخل الافراد، سواء كانت ضرائب على الفوائد أم على الاستيراد. وأغلب هذه الرسوم يذهب لتمويل الخزينة، وليس له أي علاقة بتعديل ميزان المدفوعات أو حماية الصناعة، كما يجري التسويق له وتبريره”، يقول غبريل، ويضيف، “لو كانت توجد إرادة جدية لتخفيض النفقات في موازنة العام 2019، لكان يجب أن تخفض النفقات بقيمة 2 مليار دولار على الاقل من بند مخصصات القطاع العام تحديداً”.

خلال دراسة مشروع موازنة العام 2019 فجرت لجنة المال والموازنة النيابية قنبلة في حجم القطاع العام. حيث صرحت بوجود 37 الف شخص جرى إدخالهم إلى الإدارات بطريقة غير قانونية، كما اقرت بوجود 93 مؤسسة عامة وهيئة مستقلة وصندوقاً، ليس لديها أي عمل حقيقي، ويجب إغلاقها أو دمجها. إلا أن تمرير الموازنة من دون أي إصلاح في هذا البند يثبت ان القنبلة كانت صوتية، صُمّت الأذان لفترة وجيزة، لتبقى الامور من بعدها على حالها.

استمرار إنفلاش القطاع العام هو التهديد الحقيقي للإقتصاد الذي يجري اخفاؤه والتستر عليه. وأي عملية إصلاحية برأي الخبراء، يجب أن تنطلق من إعادة هيكلة القطاع العام، وإصلاح نظام التقاعد وتوحيد الصناديق، ومعالجة الهدر الفاضح في “برنامج الادارة الرديفة للوزارات” التي يقوم بها برنامج الامم المتحدة الإنمائي UNDP .

بواسطةخالد ابو شقرا
مصدرنداء الوطن
المادة السابقةأبو فاعور: رسم الـ 3% لا يخدم الصناعة الوطنية
المقالة القادمةرئيس الجمهورية وقع قانون موازنة العام 2019