الرئيسية اقتصاد لبنان خسائر تفوق الوصف: أيّ اقتصاد بقي للبنان؟

خسائر تفوق الوصف: أيّ اقتصاد بقي للبنان؟

لم تكد المؤسسات التجارية والصناعية تلملم آثار الجولة الماضية من الحرب بين 2023 و2024، وتشق طريقها نحو استعادة نشاطها، حتى أتت الجولة الراهنة التي انطلقت في 2 آذار الماضي، لتعلن أنّ مصيراً أكثر قتامة ينتظر المؤسسات والاقتصاد ككل. على أنّ نتائج الحرب الحالية، أشد وطأة من الجولات السابقة التي طالت أولاً النشاط الاقتصادي في القرى الحدودية، ثمّ توسّعت لتطال الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، وتنعكس على الاقتصاد العام. في حين بدأت جولة 2 آذار أكثر عنفاً وبأفق زمني مفتوح يراكم الخسائر ويقدّم نظرة أكثر سلبية للاقتصاد في المستقبل القريب.

دمار المؤسسات الاقتصادية

يسجّل عدّاد الخسائر الاقتصادية أرقاماً تتزايد بشكل لحظي مع توسّع مروحة الاستهدافات ونتائجها، فقيمة الأضرار التراكمية للحرب بجولاتها الممتدة منذ تشرين الأول 2023 حتى الجولة الحالية في العام 2026، تقدّر بأكثر من 20 مليار دولار.

على أنَّ الأرقام الاقتصادية العامة، يقابلها تفصيل جزئي يتعلّق بعدد المؤسسات الاقتصادية المتضرّرة. ومع أنَّ الاحصاء الدقيق لعدد تلك المؤسسات لا يزال صعباً في ظل استمرار القصف والتدمير، إلاّ أنّه يمكن الوصول إلى أرقام تقريبية. وبحسب ما يقوله الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين “هناك نحو 4317 مؤسسة دمّرت بشكل كلّي”. ويشير في حديث لـِ “المدن” إلى وجود “نحو 2160 مؤسسة طالها الدمار الجزئي”، في حين أصيب “نحو 8650 مؤسسة بأضرار طفيفة”. وتوزّعت الأضرار بين مؤسسات الجنوب والضاحية. على أنّ أغلب المؤسسات المتضررة هي مؤسسات تجارية.

وتُتَرجَم هذه الأرقام على أرض الواقع في غياب الحركة التجارية في الأسواق. ففي الجنوب، وتحديداً في مدينة صور، ينحصر النشاط الاقتصادي في بعض المحال التجارية داخل المدينة. ويشير رئيس جمعية تجار صور ديب بدوي، في حديث لـِ “المدن”، إلى أنّ “بعض المحال التجارية تفتح أبوابها لأنّ الحارتين الأساسيّتين في المدينة، لا تزالان خارج التهديد المباشر، وهذا ما يسمح باستمرار الحركة. كما أنّ الكثير من أبناء القرى المجاورة نزحوا إلى المدينة، ووجودهم ينشّط الحركة التجارية”. ويوضح أنَّه “بشكل عام، المدينة في حالة شبه حركة مقارنة مع ما قبل الحرب. والمؤسسات التي لا تزال تفتح أبوابها، تعمل يوماً بيوم، وفقاً للوضع الأمني”. ويلفت بدوي النظر إلى أنّ “المؤسسات في محيط المدينة، متضرّرة أو متوقّفة عن العمل”. أمّا التي لا تزال تعمل بشكل جزئي، هي “محال بيع المواد الغذائية ومحال الخضار، خصوصاً على أطراف مخيّم البص، بسبب عدم نزوح الفلسطينيين منه”.

وعلى مستوى عام، يستدعي استمرار الحرب “الحذر الدائم” وفق توصيف رئيس جمعية الصناعيين سليم الزعني الذي يرى في حديث لـِ “المدن” أنّ “حركة المؤسسات الصناعية تراجعت كثيراً في ظل الوضع الاقتصادي غير السليم”. لكن مع ذلك “لا يمكن الحديث عن إقفال للمصانع، وإنما عن تباطؤ لحركتها، فالاستهلاك لم يتوقّف حتى تُجبَر المؤسسات الصناعية على الإقفال”. وعن مؤسسات الجنوب تحديداً، يقول الزعني أنَّ “عدداً من المؤسسات الصناعية انتقلت إلى مناطق أخرى، ما يعني أنّها لم تقفل”. وبالرغم من استمرار نشاط المؤسسات الصناعية، إلاّ أنّ أضراراً أصابتها بصورتين، الأولى مباشرة والثانية غير مباشرة نتيجة تراجع الاستهلاك وانخفاض الصادرات. ويفاقم ارتفاع كلفة الطاقة وأسعار الشحن والنقل والمواد الأولية، الضغط على المؤسسات الصناعية.

على أنَّ تراجع النشاط الاقتصادي لا ينفصل عن أحوال السكّان الذين يحرّكون نشاط المؤسسات، فالتهجير ودمار المنازل يدفع سكّانها إلى فرملة الإنفاق واقتصاره على الاحتياجات الأساسية كالأكل والشرب. ويقدّم حجم الدمار المسجّل حتى الآن، صورة عن واقع الأسر التي تعاني بشكل مباشر من الحرب. فبحسب إحصاءات المجلس الوطني للبحوث العلمية والمركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر، بلغت الوحدات السكنية المدمرة والمتضررة 61056 وحدة، وذلك خلال الفترة الممتدة من 2 آذار حتى 8 أيار 2026. علماً أنّ هذا العدد حتى 16 نيسان الماضي، كان 50424 وحدة سكنية.

الاقتصاد الوطني غير موجود

لم يتعافَ الاقتصاد من نتائج الجولات السابقة من الحرب. وأمام الأرقام التي تقدّر وصول كلفة الحرب إلى نحو 20 مليار دولار موزّعة بين خسائرها وكلفة التعافي منها، يبقى السؤال عن شكل الاقتصاد اللبناني وما يُنتَظَر منه.

الإجابة غير مطمئنة، إذ يرى الخبير المالي والاقتصادي محمد فحيلي، أنّه “لا يمكن الحديث عن اقتصاد وطني”. ويشير في حديث لـ”المدن” إلى أنّ المؤسسات الاقتصادية التي لا تزال تعمل لا يمكنها أن تشكّل عامل إنقاذ. وبنظره “حتى وإن سجّلت الأرقام نمواً اقتصادياً بين العامين 2025 و2026، فإنّ وجود الجنوب والضاحية والبقاع في نكبة، يستدعي التساؤل حول قيمة النمو بالنسبة للمواطن”.

ووفق فحيلي، إنّ “أي نمو اقتصادي في لبنان اليوم، لن يذهب لإنقاذ الوطن والاقتصاد، لأنَّ إنقاذ الاقتصاد يعني تحقيق الدولة إيرادات تستعملها في تقديم الخدمات للمواطنين، في حين أنّ الدولة اليوم باتت دولة رعاية للنازحين والمصابين، من خلال وزارتيّ الصحة والشؤون الاجتماعية. وبالتالي، ليس لدينا اقتصاد اليوم، وإنما لدينا علامات استفهام أكثر ممّا لدينا تساؤلات ونقاش اقتصادي. ولا خيارات اقتصادية أمام الدولة وإنما خيارات اهتمام بالنازحين”. ويعتقد فحيلي أنَّ “المعطيات المتوفّرة لا توصل إلى برّ الأمان في معالجة الموضوع الاقتصادي”. وما يزيد القلق، هو أنّ “إسرائيل لا تقصف فقط، وإنما تدمّر البنى التحتية بشكل ممنهج في كل القرى”. وفي نظر فحيلي “المطلوب القيام بأي محاولة إنقاذية لأي مؤسسة أو منزل أو شجرة”. ومن الخطوات التي تساعد المؤسسات الاقتصادية على مواجهة الظروف الراهنة، هو الإفراج عن أموالها المحتجزة في المصارف. وبرأي فحيلي، فإنّ تعاميم مصرف لبنان 158 و166 المتعلّقة بالسحوبات “لم تشمل المؤسسات التي كانت حساباتها باسم المؤسسة وليس صاحبها. وهذه السيولة تساعد المؤسسات على الصمود”. ومن هنا، يشدّد فحيلي على أهمية “الاعتماد على القطاع الخاص في استمرار الاقتصاد”.

المؤشرات غير إيجابية والرؤية الاقتصادية سلبية. وما يُحكى في العلن يراد منه تخفيف وطأة ما يُحكى في الكواليس عن المستقبل الاقتصادي للبنان في حال لم تتوقّف الحرب سريعاً ويؤمّن لبنان مصادر تمويل لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد.

مصدرالمدن - خضر حسان
المادة السابقةالإسراع في مشاريع والتزامات العام 2025
المقالة القادمةلحّود: ملفّ الإسكان ليس غائباً… المشكلة بالتمويل