أعلن وزير الطاقة القبرصي مايكل داميانو أن المستهلكين الأوروبيين سيبدأون الحصول على الغاز الطبيعي من حقل كرونوس البحري قبالة سواحل قبرص اعتباراً من مارس 2028.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تواصل فيه أوروبا مساعيها الحثيثة لتنويع مصادر إمداداتها من الغاز، بعيداً عن الاعتماد التاريخي على الإمدادات الروسية التي تراجعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وسط اضطرابات مستمرة في الشرق الأوسط تزيد من حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.
واتخذت شركتا توتال إنيرجيز الفرنسية وإيني الإيطالية الشهر الماضي قراراً استثمارياً نهائياً للمضي قدماً في تطوير حقل كرونوس، الواقع قبالة السواحل الجنوبية لقبرص. ويُعد هذا المشروع الأول من نوعه الذي يتيح تصدير الغاز المستخرج من حقول شرق المتوسط مباشرة إلى الأسواق الأوروبية.
وفي مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، أكد داميانو أهمية الخطوة قائلاً “من المهم لأوروبا في هذا الوقت، بسبب الحرب في أوكرانيا والوضع في الشرق الأوسط، أن تصبح قبرص مصدراً بديلاً للغاز”.
وأوضح أن المشروع يمثل بداية تحويل قبرص إلى لاعب جديد في سوق الطاقة الإقليمي، رغم أن أهمية كرونوس بالنسبة إلى نيقوسيا لا تكمن فقط في العائد المالي الكبير، بل في بدء الإنتاج الفعلي والحصول على أولى كميات الغاز.
;بحسب الجدول الزمني الذي أعلنه التحالف بين إيني وتوتال إنيرجيز، ستبدأ أعمال إنشاء خط أنابيب يربط حقل كرونوس بالبنية التحتية القائمة في حقل ظهر المصري الضخم، على بعد نحو 105 كيلومترات، في وقت لاحق من العام الجاري.
ومن المتوقع أن تستغرق هذه الأعمال ما يصل إلى 18 شهراً. وبعد اكتمال الخط، سيُنقل الغاز إلى منشأة دمياط على الساحل الشمالي لمصر، حيث يجري تسييله تمهيداً لشحنه بحراً إلى أوروبا.
وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو ملياري دولار، وهو رقم يمثل تقريباً نصف التكلفة المتوقعة لتطوير حقول غاز أخرى داخل المياه القبرصية بطرق مستقلة، بفضل الاستفادة من البنية التحتية المصرية الجاهزة.
;ينص الاتفاق على توجيه معظم كميات الغاز إلى الأسواق الأوروبية، مع السماح باستخدام نحو خُمس الإنتاج لتلبية جزء من احتياجات مصر المحلية من الطاقة.
ويُنظر إلى هذا الترتيب على أنه مفيد للطرفين: فقبرص تحقق دخولاً سريعاً إلى سوق التصدير، بينما تعزز مصر مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من رسوم المعالجة والتسييل، إضافة إلى كميات إضافية تدعم السوق المحلي الذي يشهد تذبذباً في الإنتاج المحلي خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي حقل كرونوس ضمن ستة حقول غاز اكتُشفت قبالة سواحل قبرص. وتُقدَّر احتياطياته بأكثر من ثلاثة تريليونات قدم مكعبة، فيما تصل الاحتياطيات المشتركة لحقلي غلاوكوس وبيغاسوس إلى نحو 6.9 تريليون قدم مكعبة، مع توقعات ببدء تدفق الغاز منهما بحلول عام 2033 عبر شركات مثل إكسون موبيل وقطر للطاقة.
وفي هذا السياق، قال باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنيرجيز، إن مشروع كرونوس “سيدعم تطوير مركز إقليمي جديد للغاز في شرق البحر المتوسط، وذلك بالاستفادة من البنية التحتية المتاحة في مصر”.
غير أن التحديات لا تزال قائمة. فالأحجام المتوقعة من كرونوس تبقى محدودة مقارنة بحجم الطلب الأوروبي الإجمالي، ولن تغير بمفردها معادلة الطاقة في القارة. كما أن نجاح المشروع يعتمد على التزام الجداول الزمنية، واستقرار الأوضاع الإقليمية، وقدرة مصر على استيعاب الكميات الإضافية في منشآتها دون اختناقات.
ومع ذلك، يمثل الإعلان عن بدء الإمدادات في 2028 إشارة واضحة إلى أن شرق المتوسط يخرج تدريجياً من مرحلة الاكتشافات إلى مرحلة الإنتاج التجاري الفعلي.



