الرئيسية اقتصاد دولی كيف يعيد مضيق هرمز رسم خارطة الأمن العالمي؟

كيف يعيد مضيق هرمز رسم خارطة الأمن العالمي؟

تضاربت المواقف والتصريحات بشأن الوضع في مضيق هرمز، إثر إعلان طهران في السابع عشر من نيسان/ إبريل عن إعادة فتحه بعد تطبيق بند “وقف إطلاق النار في لبنان” في إطار “وقف إطلاق النار الاقليمي”. لكن سرعان ما برز تباين بين “الحرس الثوري الإيراني” ووزارة الخارجية الإيرانية. وهكذا وصل الأمر في اليوم التالي إلى إعلان إيران عبر “مقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري” عن إعادة إغلاق مضيق هرمز مع عدم ذكر لبنان والتركيز على ضرورة إنهاء الحصار البحري الأميركي، على أمل استمرار الإمساك بجزء من ورقة المضيق التي تمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من انتزاع الجزء الآخر منها.

في سياق “حرب إيران الثانية”، تعددت الصراعات ومن أبرزها الصراع على الطاقة والممرات، ويمكن مراقبة توجه أميركي من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران للتحكم في قطاع الطاقة.

برز النقص في الاستراتيجية الأميركية عندما استخدمت ايران العبور في المضيق كأداة ضغط استراتيجي على واشنطن. فمن الناحية الاقتصادية، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى مضيق هرمز. لكن الحملة العسكرية وضعت هرمز في قلب معادلة دولية سياسية/إقتصادية مرتبطة ومؤثرة بشكل مباشر وجذري على الصين ودول حلف شمال الأطلسي.

معارك الطاقة والممرات

تهدف الحرب الحالية جزئياً إلى فرض واقع جديد على تلك الواردات النفطية الرخيصة للصين، والتي سمحت لها بقوة أكبر في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط لأنها أكبر مستهلك للنفط في العالم، وكذلك أكبر مستورد له، ولكن لأنها الوحيدة التي أمكنها تحدي العقوبات الأميركية، بل إنها استفادت منها أيضاً، ومن ثم فإن إعادة هيمنة الولايات المتحدة على أسواق النفط ضرورة أميركية في ظل التنافس مع الصين.

من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحرب على إيران على أنها خطوة مكملة للعملية العسكرية الأميركية في فنزويلا مطلع العام الحالي، إذ أن كليهما جزء من سياسة أميركية أوسع لإعادة تشكيل شروط تداول الطاقة عالمياً، بالإضافة إلى السيطرة على البنية المؤسسية التي تحكم عمليات إنتاج النفط ونقله وتداوله حول العالم. وتشمل تلك البنية المؤسسية النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار في تجارة النفط، والتأمين البحري، وخدمات الشحن.

لكن الأزمة تطال الاقتصاد العالمي ككل، إذ أن حرب إيران تهدد بتعطيل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً أن دول الخليج تعد مورداً رئيسياً لمواد صناعية أساسية مثل الألمنيوم واليوريا والكبريت والهيليوم، إضافة إلى مدخلات الصناعات البتروكيميائية. ونتيجة لذلك بدأت عدة قطاعات
بالتضرر، أبرزها النقل والتصنيع والزراعة. وتواجه الصناعات التحويلية صعوبات بسبب نقص المواد الكيميائية والبلاستيكية اللازمة للإنتاج، بما في ذلك مكونات تدخل في صناعة الأدوية. كما ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل كبير، ما يهدد إنتاج الغذاء عالمياً.

تبعاً لكل ذلك، انقلب دونالد ترامب على العنوان نفسه الذي حكم المواجهة في مضيق هرمز خلال الحرب. من العمل على فتحه بعدما قيّدته إيران، إلى التهديد بإغلاقه وفرض حصار بحري عليه. هذا التحول لا يعبّر فقط عن تصعيد إضافي، بل عن تغيير في موقع المضيق داخل الصراع، وفي طريقة استخدامه، وما قد يترتب عليه في مسار المواجهة في الشرق الأوسط.

خلال الأسابيع الماضية، تعاملت واشنطن مع هرمز كعقدة يجب تفكيكها، لا كأداة يجب تفجيرها. إيران، في المقابل، مارست الحصار الانتقائيّ من دون إغلاق الممر بالكامل. إلا أن هذا التوازن هو ما سقط عملياً بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، مع انتقال الحديث من ضبط المضيق إلى التلويح بإغلاقه.

من الناحية القانونية، فإن الاغلاق الكامل أو الجزئي لأحد أهم شرايين التجارة الدولية يهدد الأمن الإقليمي ويستهدف القواعد التي تنص عليها أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وفي مقدمتها حرية الملاحة.

من الناحية الجيوسياسية، تعبر الديناميكيات الحالية لأزمة مضيق هرمز عن نظرية قلب الأرض للسير هالفورد ماكيندر، والصراع بين سادة البحر (أميركا) ضد سادة البر (روسيا-الصين-إيران). ولذا تسعى الولايات المتحدة لتأمين الممرات البحرية الحيوية لمنع كتلة قارية أوراسية موحدة من تحدي الهيمنة العالمية. ولا يزال التحكم في نقاط الاختناق الاستراتيجية – مضيق هرمز وملقا وجبل طارق – ضرورياً لحماية تدفقات الطاقة وطرق التجارة والاستقرار الاقتصادي. في أعقاب عملية “إبيك فيوري”، أدت الاضطرابات في هرمز إلى انخفاض حاد في شحنات النفط بنحو 20 مليون برميل يومياً، مما رفع الأسعار العالمية وكشف عن هشاشة سلاسل التوريد المعتمدة على البحر. في الوقت نفسه، تهدف المبادرات الأوراسية، بما في ذلك مشاريع الربط البري، إلى تقليل الاعتماد على هذه الممرات البحرية الهشة. وربما يخفي كل ذلك صراعاً بين مشروعين: مبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الهندي نحو أوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط.

المأزق والانعكاسات

عند بروز مأزق مضيق هرمز في الأسبوع الثالث من الحرب، دعا ترامب الدول المعنية من الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى حلف الناتو وفرنسا وبريطانيا للإسهام باعادة فرض احترام حرية الملاحة فيه، لكن مساعيه فشلت في تشكيل تحالف دولي من شركاء الولايات المتحدة، لأن الأوروبيين اعتبروا أن “الحرب ليست حربهم” وأن أي عملية عسكرية لـ “تحرير” هرمز ستكون “غير واقعية”. وآخر ما أسفرت عنه المبادرة الفرنسية – البريطانية (بعد اجتماع عبر الاتصال المرئي لحوالي أربعين دولة في الرابع عشر من نيسان / أبريل) كان انتظار ما بعد الحرب للقيام بعملية سلمية دفاعية.

يركز الجانب الفرنسي على البعد التقني المحض لأنه بناء على تجربة سابقة إبان نهايات حرب العراق -إيران، يتضح أن المطلوب في موضوع المضيق ليس حرباً تقليدية، بل جهد دبلوماسي مع عمليات لحماية القوافل التجارية وإزالة الالغام التي زرعها الحرس الثوري على الأرجح ضمن الجانب العماني من المضايق من أجل اجبار السفن على التوجه نحو الممر الخاضع لسيطرة إيران.

وحسب التقييم الفرنسي فإن القوة العسكرية الفظة ليست قادرة لوحدها على ضمان حرية المرور، نظراً لانتشار الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، التي تعتبر تهديداً يصعب القضاء عليه. وبمثل ذلك أحد تحديات الحرب غير المتكافئة كما جرى بين أوكرانيا وروسيا.

على صعيد أشمل، وسط تحولات استراتيجية يمكن أن تعيد رسم خارطة الأمن العالمي، أشعلت الحرب على إيران أزمة جديدة داخل الناتو، بسبب عدم تلبية نداء الرئيس الأميركي بخصوص مضيق هرمز، أو نظراً لرفض العديد من دول الحلف تقديم تسهيلات لواشنطن أو فتح الأجواء أمام طيرانها.

هكذا، يواجه حلف شمال الأطلسي اليوم “ساعة الحقيقة” حيث لم تعد التصدعات داخل الحلف مجرد تباين عابر في الرؤى، بل تحولت إلى أخطر أزمة وجودية منذ التأسيس عام 1949. تأتي هذه الهزة الارتدادية كأنها امتداد للمواجهة التي فجرت ألغام الخلافات السياسية والعسكرية الكامنة، ودفعت بالرئيس الأميركي نحو حافة القطيعة النهائية بإطلاقه تهديدات مباشرة بالانسحاب.

في مطلق الأحوال، سيستمر اختبار القوة حول هرمز في المدى الزمني المنظور. ومما لا شك فيه أن الصين تراقب عن كثب تطور الأحداث، لأنها تود استخلاص الدروس لأي مواجهة مقبلة حول مضيق تايوان على ضوء تصرف الولايات المتحدة في هذه الحرب.

وهناك أيضاً الخشية من تصاعد التوتر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما يهدد بتوسع ” حرب المضائق”.

مصدرالمدن - خطار أبو دياب
المادة السابقةهكذا واجهت الدول أسعار المحروقات.. ماذا عن لبنان؟
المقالة القادمةالمركزي يستوعب الصدمة: تحسّن في المؤشّرات النقديّة