في مقاله الأخير المنشور في فايننشال تايمز، قدّم سعادة حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، توصيفاً واقعياً لأسباب الأزمة المالية في لبنان، محيلاً إياها، وإن بعبارات مختلفة، إلى ما يمكن تسميته “ثلاثية المنهبة”: الدولة، والمصرف المركزي، والمصارف. فقد عرض الأزمة بوصفها نتيجة مباشرة لحكومات فاقدة للانضباط المالي، ومصرف مركزي أساء إدارة السياسة النقدية، وقطاع مصرفي أساء توظيف مدّخرات الناس. ومن هذا التشخيص، انتقل إلى مقاربة الخروج من الأزمة، معتبراً أن التعافي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة هيكلة مصرفية تعترف بالخسائر وتوزّعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، مع إعطاء أولوية لصغار المودعين، وبالتوازي مع طلب دعم خارجي يواكب الإصلاح. غير أنه، في هذا السياق، حاول أيضاً تقديم المسار القائم اليوم بوصفه اتجاهاً صحيحاً نحو التعافي، ولو بطيئاً ومتعثراً.
إدارة الأزمة بالتعاميم
المشكلة في هذا الطرح ليست فقط في ما يقوله، بل أيضاً في ما يفعله أو يتجاهله. فالأزمة لا تُقاس بالشعارات العامة عن الإصلاح ولا بمجرد الإقرار بوجود خسائر، بل بطريقة الاعتراف بها؛ من دون أن يتحوّل دَيْن الدولة إلى وجهة نظر؛ وكيفية توزيعها، والأداة القانونية والتنظيمية التي تُدار من خلالها. وهنا يكمن الخلل الأساسي اليوم، إذ إن أي إعادة هيكلة مصرفية جدية يفترض أن تنطلق أولاً من التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان. هذا من جهة أولى. ومن جهة ثانية، لا تزال إدارة الأزمة بالتعاميم؛ والتوصيف الصحيح هنا هو ممارسات تُشبه إدارة الأزمة – Crisis management؛ تتم عملياً بالأدوات نفسها التي راكمتها المرحلة السابقة، أي عبر التعاميم، والتسويات النقدية، والتدرّج في السقوف، والمعالجات المحاسبية والتنظيمية، من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الخطاب قد تغيّر، بل ما إذا كانت البنية التي أنتجت الأزمة قد تغيّرت فعلاً. وهذا بالتحديد ما يظهر عند النظر إلى السياسة النقدية والمصرفية المستمرة مع سعادة الحاكم الحالي سعيد، وقد سبق أن قدمنا قراءة حول أداء كريم سعيد في ميزان قراراته . فالسياسة النقدية لم تتغيّر في جوهرها بقدر ما أُعيد تنظيم أدواتها. فقد استمرّت السياسة النقدية منذ ولاية الحاكم السابق رياض سلامة، والقائمة على إدارة الأزمة عبر التعاميم، بدلاً من الاعتراف بالخسائر ومعالجتها ضمن إطار قانوني واضح. وما زالت التعاميم التي فصلت بين الأموال القديمة والأموال الجديدة، وقيّدت السحوبات، وأدارت تعدّد أسعار الصرف، وسمحت بمعالجات استثنائية للميزانيات المصرفية، تشكّل الإطار العملي الناظم للقطاع.
الجديد لم يكن انتقالاً إلى سياسة نقدية مختلفة، بل توسيعاً لمنطق التساهل الرقابي – Regulatory Forbearance؛ أي منح المصارف وقتاً ومساحة تنظيمية للاستمرار رغم الخلل البنيوي في ميزانياتها. وقد ظهر ذلك في تمديد المهل، وتعديل متطلبات السيولة والاحتياطات، وتخفيف أثر الخسائر عبر معالجات محاسبية تجعل بعض مؤشرات الرسملة أو السيولة تبدو أفضل مما تعكسه القيمة الاقتصادية الفعلية للأصول. وينطبق ذلك خصوصاً على تعديل قاعدة احتساب الاحتياطي، وعلى السماح بإدراج فروقات إعادة التقييم أو بعض الأصول المتراجعة القيمة ضمن أدوات دعم المركز المالي. لذلك، لا تعبّر الأرقام المعلنة دائماً عن سيولة حقيقية قابلة للاستعمال لمصلحة المودعين، بل تعكس، في جزء منها، إعادة تصنيف وتنظيماً للأصول والالتزامات بما يسمح للمصارف بالبقاء والاستمرار التدريجي.
إعادة تدوير السيولة المتبقية
أما ما يُدفع لأصحاب الحقوق أو المودعين عبر آليات السحب أو التسديد الجزئي، فلا يأتي من حلّ مصرفي شامل أو من استعادة فعلية للودائع، بل يرتبط بإدارة السيولة المتاحة، وبموارد الدولة، والتحصيل الضريبي، والكتلة النقدية. ويكفي للتدليل على ذلك أنّ مصرف لبنان عاد في آذار 2025 إلى خفض نسبة التوظيفات الإلزامية على الودائع بالعملات الأجنبية من 14 في المئة إلى 11 في المئة، وألزم المصارف باستخدام الفرق حصراً لتغطية سيولة التعميمين 158 و166. وهذا يعني أنّ ما يُدفع للمودعين لا يأتي من حلّ مصرفي شامل أو من استرداد فعلي للودائع، بل من تحرير جزء من الاحتياطات الإلزامية وإعادة تدوير السيولة المتبقية لتمويل سحوبات مجزّأة ومقنّنة. والأوضح من ذلك أنّ التعميم 158 نفسه نصّ على أنّ السيولة اللازمة للتنفيذ تؤمَّن مناصفةً من السيولة الخارجية لدى المصارف ومن التوظيفات الإلزامية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان المفرج عنها لهذا الغرض، بما يؤكد أنّ الآلية هي محاولة إدارة أزمة نظامية مالية أمام شح العملة الأجنبية، لا مساراً فعلياً لإعادة الهيكلة أو ردّ الحقوق. وبهذا المعنى، انتقل العبء عملياً وفعلياً إلى المودعين والمجتمع والمالية العامة والكتلة النقدية، بدلاً من أن يُحمَّل بصورة منظّمة على المساهمين والإدارات والمصارف غير القابلة للاستمرار وباقي الأطراف المسؤولة عن الخسائر، وفق تسلسل قانوني شفاف وعادل.
فبعد مرور ست سنوات على الأزمة، لم يعد مقنعاً الاكتفاء بسياسة إلقاء اللوم على المرحلة السابقة، وسرد ثلاثية المنهبة، وتجميل عباراتها. فالمسؤولية اليوم لا تُقاس بما يُقال عن أخطاء الماضي، بل بما يُنجز فعلياً: تحديد الالتزامات بين الدولة ومصرف لبنان، كشف الخسائر، حماية صغار المودعين، وتحميل الكلفة وفق تسلسل قانوني عادل. ومن هنا يفترض أن تبرز أهمية تقييم جودة الأصول (AQR)، لا بوصفه إجراءً تقنياً إضافياً، بل بوصفه المدخل الفعلي لمعرفة حجم الخسائر الحقيقي وكيفية توزيعها بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، هذا من ناحية التوصيف. أما من ناحية التطبيق، فإن تقييم جودة الأصول (AQR) ما يزال إجراءً غير واضح ويفتقر إلى الشفافية وإلى آلية تطبيق محددة في إطاره اللبناني.
لا تقييم دقيق لا شفافية
فهذا التقييم ليس تدقيقاً عادياً في الحسابات، بل مراجعة احترازية أعمق هدفها تحديد القيمة الفعلية لأصول المصارف بصورة أكثر تحفظاً وقابلية للمقارنة، وبيان كيفية تصنيف القروض، وحجم المؤونات المطلوبة، وبالتالي كشف الفجوة الحقيقية في الرساميل. فالتدقيق السنوي يسأل ما إذا كانت البيانات المالية قد أُعدّت وفق المعايير المحاسبية، استناداً إلى المعلومات والافتراضات المعتمدة في تاريخ إعدادها؛ أما AQR فيسأل ما إذا كانت الأصول نفسها مقوّمة بصورة واقعية من منظور احترازي، غالباً قرضاً قرضاً وضمانةً ضمانةً، ووفق منهجية إشرافية موحّدة. ولعل المثال الأشهر على ذلك هو التقييم الشامل الذي أجراه البنك المركزي الأوروبي عام 2014، حيث جرى من خلاله فحص القيمة الدفترية لأصول المصارف كما كانت قائمة في تاريخ مرجعي محدد، قبل الانتقال إلى اختبارات الضغط، وذلك بهدف كشف الخسائر الكامنة، وتصحيح تقييم الموجودات، وفرض المعالجات أو إعادة الرسملة عند الحاجة.
وفي الحالة اللبنانية، لا تبرز أهمية هذا التقييم لأنه مطلب خارجي فحسب، بل لأنه شرط داخلي لأي توزيع جدي وذي صدقية للخسائر. فالتقديرات الإجمالية، مهما بدت كبيرة، لا تكفي ما لم تُترجم إلى مراجعة مستقلة مصرفاً مصرفاً، تحدّد القيمة الاقتصادية الفعلية للأصول، ونوعية الانكشاف على الدولة ومصرف لبنان، وحجم الفجوة بين الرساميل الدفترية والقدرة الحقيقية على الامتصاص. وهذا ما أشار إليه صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة بشأن لبنان الصادرة في حزيران 2023، حين أوضح في الصفحة 16، الفقرة 16، أنّ تحديد الحجم الدقيق للخسائر في النظام المالي يتطلّب استكمال تقييم شامل لجودة الأصول مصرفاً مصرفاً، بالتوازي مع تحديد معايير إعادة هيكلة الدين، وقدّر الخسائر الإجمالية في حينه بنحو 70 مليار دولار أميركي تشمل مصرف لبنان والمصارف التجارية.
وتزداد أهمية هذا التقييم في لبنان لأربعة أسباب مترابطة: أولاً، لأن تعدد أسعار الصرف يفسد القياس ويشوّه القيمة. ثانياً، لأن سندات الدولة وانكشافات المصارف على مصرف لبنان قد لا تساوي قيمتها الاسمية. ثالثاً، لأن نوعية محافظ التسليف قد تكون أضعف بكثير مما توحي به الحسابات القديمة. رابعاً، لأن أي قانون لإعادة الهيكلة أو لمعالجة الفجوة المالية وبالتالي القدرة على تطبيق قانون الإصلاح المصرفي – Resolution law – (تحت مظلة الواقع الحالي؛ ما يشبه إدارة الازمة؛ – Crisis Management –) يحتاج إلى نقطة انطلاق مصرفية واضحة وقابلة للدفاع عنها مصرفاً مصرفاً، إذا كان هناك توجه بأن يكون تحميل الخسائر مقنعاً وعادلاً.
فالمسألة هنا ليست استجابة شكلية لطلب تقني، بل تتعلق بتحديد نقطة الانطلاق لأي إعادة هيكلة جدية: ما هي قيمة الأصول فعلاً؟ وما هو الجزء الذي يمثّل سيولة قابلة للاستخدام؟ وما هو الجزء الذي يخفي خسائر مؤجلة أو قيماً دفترية لم تعد قائمة اقتصادياً؟ ومن دون هذا التقييم، تبقى أي معالجة قائمة على أرقام تقريبية وعلى استمرار التساهل المحاسبي والتنظيمي، لا على تشخيص فعلي يميّز بين أزمة السيولة وتآكل الرساميل، ويحدّد من يتحمل أي خسارة وعلى أي أساس.
لتحديد التزامات الدولة
وعليه، نلتمس من سعادة حاكم مصرف لبنان أن يبدأ أولاً بتحديد التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان وإعلانها بصورة مفصلة ومعلّلة. فالحسابات والعمليات كلها موجودة لدى المصرف المركزي، وما امتنع الحاكم السابق، بالتنسيق مع وزارة المالية في حينه، عن تسليمه إلى ألفاريز ومارسال يمكن اليوم التدقيق فيه واستكماله. والمطلوب هنا لا يقتصر على استخدام هذه الملفات في سياق ملاحقة الحاكم السابق في الخارج، أو الإشارة في المؤتمرات إلى أن التزامات الدولة تجاه المصرف المركزي أضعاف ما هو معلن، بل يقتضي نشر هذه الالتزامات نفسها، وتفكيك عناصرها، وبيان أسبابها، وتواريخ تراكمها، وكيف تكوّنت فعلياً.
وتبقى الشفافية، رغم نشر بعض البيانات المحدثة على الموقع الرسمي الجديد لمصرف لبنان، مطلباً قائماً لا ساقطاً. فالأرقام التي أتيحت أخيراً تبدأ عملياً من عام 2024، وتُعرض تحت مظلة سعر صرف وتقييم محددين، من دون أن تكشف بصورة كافية ما سبق ذلك. والسؤال هنا ليس فقط أين الأرقام، بل أين الدراسات الحديثة المنشورة التي تشرح وتقيّم الاسباب وتربطها بجذور الأزمة، وغيرها من الدراسات المالية المواكبة لعالم متغيّر- باستثناء ما نُشر للدكتورة سنا سعيد؟
بالمحصلة، هل سنشهد في هذا العهد كشفاً فعلياً لحقيقة الأزمة المالية وأسبابها، بما فيها ما يمكن وصفه بالمنهبة الثلاثية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية؟ أما الاكتفاء بتعديل التعاميم ورفع السقوف تدريجياً، فتبقى الأزمة داخل النظام نفسه الذي أنتجها، والذي أنتج أيضاً التعيينات المالية الحالية، بما فيها مركز الحاكمية تحديداً.



