الرئيسية اقتصاد لبنان هل أعاقت الحرب إجراءات الامتثال لـ FATF؟

هل أعاقت الحرب إجراءات الامتثال لـ FATF؟

لا تاريخ محدّدًا لصدور تقرير مجموعة العمل المالي FATF، الذي يتضمّن تحديثًا حول تقدّم الدول المدرجة على اللائحة الرمادية والخاضعة لرقابة مشدّدة. وإذا كان لبنان قد التزم بخطة عمل للعامين 2024 – 2025 لمعالجة الثغرات الاستراتيجية في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أن مستوى التقدّم لم يكن كافيًا لإحداث خرق حاسم في هذا المسار. اليوم، ومع ترقب التقرير الجديد، تتجه الأنظار، مع اقتراب موعد صدور التقرير، إلى كيفية مقاربة وضع لبنان، سيما في ضوء تداعيات حرب إسناد إيران والتأثيرات على فعالية الامتثال والرقابة.

رغم اندلاع حرب «إسناد إيران» في لبنان، لم يتمّ وقف تطبيق نظام مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. إذ واصلت الجهات الرقابية، ولا سيما مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة، تطبيق الإجراءات الأساسية مثل مراقبة التحويلات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، تحت ضغط الالتزامات الدولية المفروضة من قبل مجموعة العمل المالي.

هذا من حيث الالتزام بالقوانين والأنظمة الملحّة لعدم انزلاق لبنان إلى اللائحة السوداء. لكن عادة خلال الحروب يتحوّل اهتمام المسؤولين إلى الوضع الأمني والاجتماعي كما حصل في لبنان جراء النزوح والسعي لتأمين مراكز إيواء وكذلك المأكل والمشرب فيتضاءل العمل الرقابي والقضائي عمومًا ومن ضمنه مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. إلى ذلك خلال الحروب يتوسّع الاقتصاد النقدي بشكل ملحوظ من خلال التدفقات النقدية عبر جمعيات أو قنوات موازية لمساعدة المتضررين من الحرب. فكيف بالحري في اقتصاد هش بدأ يلتزم جدّيًا بالحدّ من التداول بالنقد لتقليص رقعة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من خلال قنوات الصرافين والمحامين وكتاب العدل لانتشال لبنان من اللائحة الرمادية.

لبنان لا يزال أمامه عام واحد لإعادة تقييم وضعه في الـ 2027 وتحديد ما إذا كان سيخرج أو يبقى على اللائحة الرمادية. فإدراج اي بلد على تلك اللائحة يعتبر بمثابة «إنذار دولي» يهدّد بقاء الدولة المدرجة عليها ضمن النظام المالي العالمي، وهي تحت الاختبار، وأي فشل في الإصلاح قد يدفع تلك الدولة إلى عزلة مالية أكبر إذا ما انزلقت إلى اللائحة السوداء.

تدابير المحامين وكتّاب العدل سارية
بالعودة إلى لبنان، استنادًا إلى الإجراءات التي كانت تتخذ من وزارة العدل الوصية على نقابة المحامين وكتّاب العدل بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، والقيّمة على التواصل بين منظمة العمل المالي «فاتف» من جهة والمصارف ومؤسسات الحوالة، والصرافين وكتاب العدل والمحامين من جهة أخرى … فهي لا تزال سارية خلال الحرب كتدبير روتيني إداري من خلال الحصول على معلومات وإبلاغ الهيئة عند حصول شكوك حول معاملة معينة. لكن المشكلة تكمن في الاعتماد على قنوات تحويل غير رسمية، ما يصعّب تتبّع التدفقات المالية خلال الحروب ورفع مخاطر تبييض الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة.

في هذا الإطار، وقبل انطلاق شرارة حرب الـ 45 يومًا الشاملة والتي تلاها وقف لإطلاق النار لفترة 10 أيام، كان من المرتقب الشروع في شهر آذار بإجراءات قوامها جلسات تدريبية لأعضاء نقابة المحامين، إلا أنها لم تحصل. وفي هذا السياق قال نقيب المحامين السابق فادي المصري لـ «نداء الوطن» الذي واكب تفعيل تطبيق قوانين مكافحة تبييض الأموال، إنه «مع استمرار قيام النقابة بمهامها ضمن اللجنة التي تابعت عملها تحت إشراف النقيب الجديد المحامي عماد مارتينوس، كانت الأمم المُتحدة عبر جهاز الـ UNODC مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة على وشك البدء بإجراء دورة تدريبية واسعة للمحامين خلال شهر آذار من العام 2026.

الرقابة والامتثال
لكن مع بدء الزيارات الميدانية للمكاتب، اندلعت الحرب، ما أدّى إلى تأجيل بعض الأنشطة والمهام. إلا أن النقابة تتابع وبشكل يومي عملية الرقابة والامتثال التي أعدّتها خلال العامين 2024 و2025 خصوصًا لناحية التأكيد على عدم وجود أي تعامل مع أشخاص مُدرجين على لوائح العقوبات والمصنفين بالإرهاب وفقًا للمعايير المحلية والدولية.

وأكّد المصري «أن نقابة المحامين في بيروت، من خلال لجنة الامتثال، تواصل عملها الحثيث والمستمر مع جميع الجهات المعنية، محليًا ودوليًا، تحقيقًا لأهدافها الوطنية والمهنية في حماية لبنان ومهنة المحاماة من أي مخاطر مالية أو قانونية».

خلال شهر تشرين الثاني من العام المنصرم 2025، قامت النقابة باختيار مكاتب المحاماة المعنية والتي تعمل في الحقول المالية والتجارية والعقارية، وأرسلت لها استبيانًا مُفصّلًا يتصل بالاستعلام حول طبيعة عملها وكيفية امتثالها، وقد استجاب معظم المحامين عبر تزويد النقابة بالإجابات الوافية التي قامت مؤسسة GIZ بصياغة التقييم على أساسها».

وفي هذا الإطار قام المصري كنقيب للمحامين كما أوضح «بإعداد برنامج التدريب خلال العام 2026 أي خلال ولاية النقيب الحالي، إضافة إلى تحضير فرق عمل من المحامين لزيارة المكاتب المعنية والوقوف عند امتثالها للقوانين المرعية الإجراء، وذلك ضمن عمل النقابة كجهة رقابية».

خطوات المحامين
في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أبرز الخطوات الإضافية التي قامت بها نقابة المحامين في بيروت، عبر لجنة الامتثال وبإشرافٍ مباشر من النقيب:

– التعاون المباشر مع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان ومنظمة التعاون الألمانية (Deutsche Gesellschaft für Internationale Zusammenarbeit GmbH – GIZ) المكلّفة من قبل الهيئة بتقديم المساعدة الفنية للنقابة، وبمشاركة الاتحاد الأوروبي، وذلك في إطار تنفيذ خطة عمل مجموعة العمل المالي، ولا سيما ما يتعلّق بـ «النتيجتين المباشرتين الثالثة والرابعة» المتصلتين بدور نقابة المحامين في بيروت.

ويتركّز العمل المشترك بين النقابة وخبراء GIZ على إعداد تقييمٍ قطاعي للمخاطر التي قد تواجه مهنة المحاماة، خصوصًا تلك المتعلّقة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وعلى تعزيز دور النقابتين في الإشراف على مدى التزام المحامين بواجباتهم في هذا المجال.

– التنسيق المستمر مع هيئة التحقيق الخاصة بغية العمل المشترك على تحقيق الأهداف المحدّدة من قبل مجموعة العمل المالي، وضمان التزام المحامين بالموجبات المترتبة عليهم وفقًا لأحكام القانون رقم 44/2015، وبما يتماشى مع الدليل الصادر عن النقابة بهذا الشأن.

– عقد اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء لعرض أهداف النقابة المتعلقة بإزالة اسم لبنان عن اللائحة الرمادية، وتجنب إدراجه على اللائحة السوداء.

المشكلة التي كانت قائمة في لبنان كما تقول «فاتف» ليست في غياب القوانين، بل في ضعف تنفيذها، وهي فجوة وإن كانت تتسّع في ظل الحرب لا بدّ من ردمها والسير قدمًا في الإجراءات المطلوبة بغية استجابة لبنان للشروط المطلوبة من «فاتف» وإخراجنا من اللائحة الرمادية.

مصدرنداء الوطن - باتريسيا جلاد
المادة السابقةرسامني يبحث مع طليس إعادة تأهيل الطرق والجسور المتضررة
المقالة القادمةسوق أدوية إنقاص الوزن تقفز إلى صدارة الصناعات الدوائية عالمياً