في خضمّ الضجيج حول الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الأهم للاقتصاد، يبدو العالم كأنه دخل عصرًا جديدًا تُعاد فيه صياغة كل شيء، ولاسيما طريقة نشاط الأسواق والقطاعات الإنتاجية، لكن خلف هذا البريق التقني تختبئ محركات أعمق وأكثر رسوخًا لا تزال ترسم ملامح النمو بعيدًا عن الأضواء.
يهيمن الذكاء الاصطناعي، سواء أدى إلى ركود اقتصادي حاد أو إلى طفرة إنتاجية هائلة، الآن على التفكير الاقتصادي الكلي، فضلاً عن رهانات سوق الأسهم.
وبينما تصور هذه التكنولوجية المتقدمة كقوة خارقة قادرة على قلب موازين الإنتاجية والنمو، تظل عناصر مثل الطاقة وسلاسل الإمداد والمواد الخام والسياسات النقدية والاستقرار الجيوسياسي، هي الأعمدة الفعلية التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي.
وعند تحليل تفاصيل النمو الصناعي العالمي المذهل، على سبيل المثال، يلاحظ أن باقي قطاعات الاقتصاد لا تزال مؤثرة، وأن الذكاء الاصطناعي ليس سوى جزء من الحكاية.
ومن الواضح أن سوق الأسهم مهووس بالذكاء الاصطناعي، ويركز بشكل متزايد على الشركات الخاسرة، بالإضافة إلى الشركات الرابحة ذات القيمة السوقية الضخمة.
وأعلنت إنفيديا، الشركة الأغلى قيمة في العالم، والرابحة الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي حتى الآن، عن نتائجها الأربعاء، مقدمةً نظرة واقعية على الإنفاق الرأسمالي الهائل والطلب المتزايد على الرقائق الإلكترونية.
التركيز على تجنب حرب الرسوم سرّع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عام 2025
في المقابل شهد سهم شركة آي.بي.أم الاثنين انخفاضاً حاداً بنسبة 13 في المئة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ 26 عاماً لشركة عريقة في مجال الحوسبة، وذلك بعد أن أطلق مختبر الذكاء الاصطناعي “أنثروبيك” أداة برمجة جديدة.
وبحسب مايك دولان، كاتب عمود في وكالة رويترز، فإنه عند النظر إلى الصورة الأوسع، يتبين أن القلق في بعض القطاعات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي يخفيه تحولٌ نحو قطاعات أخرى.
وقال “في الواقع، لم تشهد مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية تغيراً يُذكر منذ بداية العام، بينما حققت الأسهم العالمية أداءً أفضل، إذ ارتفعت بنحو 4 في المئة”.
وبالنظر إلى الاقتصاد الكلي الأميركي من منظور أوسع، نجد أن مئات المليارات من الدولارات المخصصة للإنفاق الرأسمالي المتعلق بالذكاء الاصطناعي تُعد عاملاً بالغ الأهمية.
لكن هذا ليس العامل الوحيد، فعند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن الذكاء الاصطناعي لا يزال جزءاً واحداً فقط مما يحدث في مختلف الصناعات حول العالم.
وفي دراسة معمقة لانتعاش الصناعات العالمية في العام الماضي، حاول الخبيران الاقتصاديان جوزيف لوبتون ومايا كروك من بنك جي.بي مورغان فصل هذا الانتعاش عن تشوهات التعريفات التجارية الأميركية والطفرة التكنولوجية.
وكتبا في الدراسة “على الرغم من أشد حرب تجارية منذ ثلاثينات القرن الماضي، تفوّق قطاع إنتاج السلع العالمي على قطاع الخدمات”.
وأشارا إلى أن نمو الإنتاج الصناعي العالمي في العام الماضي، والذي بلغ 2.4 في المئة، كان أكثر من ضعف معدل النمو السنوي البالغ واحدا في المئة خلال السنوات الثلاث حتى عام 2024.
وشكّل هذا عودةً إلى النمو السريع، حيث انخفضت أسعار الفائدة في العديد من الدول بعد التشديد الحاد الذي شهدته الفترة 2022 – 2024.
وقال لوبتون وكروك إن ذلك جاء “مع أن جزءًا من تسارع النمو في عام 2025 كان مُبالغًا فيه بسبب التركيز المُسبق للتجارة على تجنب الرسوم الجمركية الأميركية وما يرتبط بها من شكوك”.
وأظهرت بيانات بنك مورغان، أحد أكبر مديري الأصول في العالم، أن 1.6 نقطة مئوية من معدل النمو البالغ 2.4 في المئة تحققت في شهري فبراير ومارس في محاولةٍ لتجنب فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية واسعة النطاق في أبريل.
لكن الخبراء يرون أن التوقعات بحدوث تباطؤ كبير أو حتى تراجع في النمو لاحقًا خلال العام مع بدء تطبيق الرسوم الجمركية كانت بعيدة كل البعد عن الواقع.
ويعود جزء من ذلك إلى استمرار الإنفاق الرأسمالي، حيث تضاعف إنتاج التكنولوجيا العالمي تقريبًا العام الماضي ليصل إلى 9.1 في المئة.
لكن استمرار الإنفاق الاستهلاكي في النصف الثاني من 2025 كان بنفس القدر من الأهمية، إذ يمثل ضعف الطلب الإجمالي على السلع الذي يمثله الإنفاق الرأسمالي على الأقل.
وكان زخم الإنفاق الرأسمالي على قطاع التكنولوجيا قويًا لعدة سنوات، لكن خبراء الاقتصاد في جي.بي مورغان قالوا إن “القوة الدافعة وراء انتعاش عام 2025 كانت عودة النمو في الإنتاج غير التقني”.
ومن المتوقع أن يدعم التفاؤل بشأن التوظيف العالمي هذا الطلب مع تراجع حذر الشركات، مما سيؤدي إلى توسع أكثر استدامة في الإنفاق الاستهلاكي مدفوعًا بالدخل، وفق الدراسة.
وأوضحت أن الإنفاق الرأسمالي من المتوقع أن يستمر بالتوازي مع توسع الطلب على القطاعات غير التقنية حتى عام 2026.
ويتوقع جي.بي مورغان أن يشهد القطاع الصناعي العالمي زيادة سنوية في الإنتاج بنسبة تتراوح بين اثنين و3 في المئة خلال الأشهر المقبلة.
9.1 في المئة حجم تضاعف إنتاج التكنولوجيا العالمي خلال العام الماضي، بحسب ما تظهره التقديرات
وإذا كانت قصة الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي بمثابة تتويج لنمو قطاع صناعي عالمي أوسع نطاقًا يشهد انتعاشًا ملحوظًا، فإن حدة التحديات المنتظرة خلال العام المقبل تصبح أكثر وضوحًا.
وأصبحت الأرقام الضخمة للإنفاق الرأسمالي المخطط له على الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة معروفة على نطاق واسع.
ولكن النهج التجاري والجيوسياسي العدائي لإدارة ترامب يُجبر دولًا أخرى، وعلى رأسها الصين، على الاستثمار بكثافة في التكنولوجيا محليًا بدلًا من الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأميركية.
ويُضاف إلى ذلك الإنفاق الحكومي على الدفاع والأمن في جميع أنحاء العالم، فضلًا عن العوامل الإيجابية الناتجة عن التخفيضات الضريبية الأميركية، ودعم ألمانيا للبنية التحتية، والخطط المالية الجديدة لليابان، ما يُفسر حذر العديد من محافظي البنوك المركزية من تخفيف القيود النقدية بشكل أكبر.
وكما أشارت إليه قصة “سيتريني ريسيرش” المثيرة للجدل هذا الأسبوع، قد يتعين النظر إلى كل ذلك في ضوء أسوأ السيناريوهات المحتملة لارتفاع معدلات البطالة بين ذوي الياقات البيضاء إذا قضى الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف على العديد من الوظائف أو الشركات أو حتى الصناعات.
لكن لا يوجد دليل قاطع على حدوث ذلك حتى الآن، ويبدو احتمال حدوثه ضعيفًا هذا العام على الأقل. وفي الوقت الراهن، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي المحرك الوحيد للنشاط الاقتصادي العالمي، فما زال للاقتصاد التقليدي دورٌ هام، وفق دولان.



