هي حربٌ إقليميّة يعيشها الشرق الأوسط، وبات الجميع تحت سطوة النار الإقليميّة المُستعرّة.
إزاء هذا الواقع، لم تعد شراكات الغاز في المنطقة ملفًّا تجاريًّا يمكن عزله عن الجبهة العسكريّة، ولا مشروع تكاملٍ اقتصاديٍّ يمكن التفاوض عليه. فالحرب الإيرانيّة- الأميركيّة- الإسرائيليّة الجارية دفعت القطاع برمته إلى واقعٍ مُستجدّ، حيث لم يعد السّؤال كم تنتج الحقول، بل كم تستطيع الاستمرار في الإنتاج تحت النار؟ وتحت هذا الواقع المُكثّف وفي مداره، تبدو خريطة الغاز الإقليميّة كأنّها انتقلت دفعةً واحدة من مشروع “التوسّع” إلى وضعية “النجاة”. ولذلك فإنّ السّؤال لم يعد كيف ستربح الدّول من الغاز، بل كيف ستُغير الحرب مورد الغاز من أداة نفوذٍ إلى نقطة انكشاف؟
مشهدية الحرب
الوقائع الأخيرة دفعت هذا التّحوّل إلى الواجهة دفعةً واحدة. ففي 28 شباط 2026 أغلقت إسرائيل أجزاءً من منشآت الغاز البحريّة، وبينها “ليفياثان”، بعد الضّربات الأميركيّة والإسرائيليّة على إيران، وأكّدت وكالة “رويترز” أنّ وزارة الطّاقة الإسرائيليّة أمرت بتعليقٍ مؤقّتٍ لعمليّاتٍ في بعض الخزّانات، فيما توقّف أيضًا إنتاج سفينة “إنرجيان” بسبب التّقييمات الأمنيّة. وبعدها، في 2 آذار 2026، نقلت “رويترز” أنّ قطر أوقفت إنتاج الغاز الطّبيعيّ المسال مؤقّتًا، وأنّ “قطر للطّاقة” تتّجه إلى إعلان القوّة القاهرة على بعض الشّحنات، مع اتّساع الضّربات الإيرانيّة والاحتياطات الأمنيّة في منشآت الطّاقة الخليجيّة. وبموازاة ذلك، تعطّلت حركة شحنٍ ونقلٍ قرب مضيق هرمز، مع تعليق بعض الشّركات عبورها أو تقليصه، ما رفع الكلفة التّجاريّة والتّأمينيّة سريعًا. وبذلك بات هناك واقعٌ قائمٌ لا مجال لتفاديه: الحرب لم تعد محصورةً في تبادل النّيران، بل صارت تضرب قلب منظومة الطّاقة الإقليميّة، من منبعها إلى ممرّها إلى التّصدير.
ما يجعل الصّدمة أكبر أنّ الخليج ليس خارج الحرب، بل داخلها على نحوٍ غير مباشرٍ على الأقلّ، لأنّ بنيته الغازيّة تقوم أصلًا على تداخلٍ مع إيران. فعلى سبيل المثال، إنّ احتياطات قطر الضّخمة ترتكز أساسًا على “حقل الشّمال”، وهو الامتداد نفسه الذي يعرف في الجانب الإيرانيّ باسم “بارس الجنوبيّ”، وفق إدارة معلومات الطّاقة الأميركيّة. وهذا ليس تداخل جيولوجيّ وحسب، بل مفتاحٌ لفهم هشاشة المرحلة، لأنّ أكبر مشروع غازٍ في العالم قائمٌ على حقلٍ مشتركٍ بين دولةٍ خليجيّةٍ هي أكبر مصدّرٍ للغاز المسال، وبين إيران، طرف الحرب الأساسيّ والتي تُهاجم هذه الدول حاليًّا. لذلك، فإنّ التصعيد المُتدحرج في مياه الخليج أو قرب البنية البحريّة أو في خطوط الخدمة واللوجستيات لم يصب طرفًا واحدًا فقط، بل من المتوقع أنّ يضغط على الحقل المشترك بمعناه الاقتصاديّ والجيوسياسيّ معًا.
شراكاتٌ هشّة
مع اشتداد وتيرة العمليات، أصبحت غالبية شراكات الغاز في المنطقة أكثر هشاشةً، وخصوصًا تلك التي قامت على توازناتٍ دقيقةٍ بين خصومٍ أو منافسين. قطر، مثلًا، نجحت تاريخيًّا في إدارة علاقةٍ براغماتيّةٍ مع إيران، لأنّ كلفة القطيعة الكاملة في ملفّ الحقل المشترك مرتفعةٌ جدًّا. لكنّ الحرب الإيرانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة تضيّق هذه المساحة البراغماتيّة. فكلّما ارتفع منسوب الاشتباك، ازداد الضغط على الدّوحة لكي تغلّب ضرورات الأمن والتّحالفات والاصطفاف الخليجيّ على مقتضيات إدارة الحقل والسّوق. فلا يكون الخطر على “الشّراكة” بمعنى العقد المكتوب فقط، بل على البيئة التي تسمح أصلًا ببقاء التّنسيق العمليّ ممكنًا. وبيد أنّ الاحتياطات العابرة للحدود تولّد منافع كبيرةً في أوقات الاستقرار، لكنّها في المقابل، تضاعف أيضًا كلفة النّزاع لأنّها تربط الأمن السّياديّ مباشرةً بالإنتاج والتّصدير والاستثمار.
في الجبهة الأخرى، تبدو إسرائيل اليوم خير دليل على التحوّل الذي يطرأ على مورد الغاز من كونه أداة شراكةٍ إلى رهينة حرب. فقبل أسابيع فقط، كانت “شيفرون” قد اتّخذت قرار الاستثمار النّهائيّ لتوسعة حقل “ليفياثان”، بهدف رفع إنتاجه إلى نحو 21 مليار مترٍ مكعّب سنويًّا بحلول نهاية العقد، على أساس أنّ الحقل يشكّل ركيزةً لتوسيع الإمدادات إلى السّوق المحلّيّة والدّول المجاورة، ولا سيّما مصر والأردن. لكنّ الحرب نسفت فورًا السّرديّة التي بني عليها هذا الاستثمار، أي أنّ مزيدًا من الغاز يعني مزيدًا من الاستقرار. وما حدث هو العكس، مزيدٌ من الاعتماد على حقلٍ واحدٍ وممرّاتٍ محدودةٍ وشركاء قلائل يعني أنّ الضّربة الأمنيّة الواحدة قادرةٌ على شلّ المنظومة كلّها. هكذا، يتبيّن أنّ الرّهان على توسيع الحقول في بيئةٍ غير مستقرّةٍ لا ينتج استقرارًا تلقائيًّا، بل قد يراكم أصولًا أكبر داخل مساحة مخاطر أكبر.
مصر العالقة
مصر هي الجهة الأكثر انكشافًا في هذا المشهد الإقليميّ المُشتعل، لأنّها كانت وخلال الأعوام الأخيرة تعتمد على الغاز الإسرائيليّ لتغطية جزءٍ من الطّلب المحلّيّ ولتشغيل محطّات التّسييل وإعادة التّصدير. وقد أظهرت تقارير “رويترز” خلال 2025 أنّ إسرائيل كانت توفّر ما بين 15 و20 في المئة من استهلاك مصر من الغاز، وأنّ القاهرة لجأت إلى شراء عشرات شحنات الغاز المسال بعد تراجع إنتاجها المحلّيّ. بل إنّ إسرائيل وافقت في كانون الأوّل 2025 على أكبر صفقة تصدير غازٍ إلى مصر، بقيمةٍ تقارب 34.7 مليار دولار، بما يعكس عمق الاعتماد المتبادل بين الجانبين. إلّا أنّ هذا الاعتماد المتبادل له سلبياته. فحين تغلق إسرائيل حقولها أو تعلّق الصّادرات، لن تخسر مصر فقط إمداداتٍ فوريّة، بل قد يتعطّل أيضًا نموذجها كمركز تسييلٍ إقليميّ. أي إنّ الحرب تضرب القاهرة مرّتين، مرّةً كمستهلكٍ يحتاج الغاز، ومرّةً كمنصّةٍ كانت تعوّل على مرور الغاز إليها ومن خلالها.
أمّا انخراط دول الخليج في هذه الحرب، ولو بدرجاتٍ مختلفة، فيعيد تعريف المخاطر على شراكات الغاز. وإلى جانب قطر الّتي تشهد تهديدًا في منشآت الغاز المسال، هناك السّعوديّة التي تعرّضت بدورها لاضطرابٍ في منشآت طاقة، وأنّ المخاطر باتت تشمل البنية التّحتيّة، والموانئ، وشبكات الشّحن، وأقساط التّأمين، وحركة النّاقلات في هرمز. بهذا المعنى، لا يمكن فصل غاز الخليج عن الحرب بحجّة أنّ دوله لا تريد التّصعيد. وكلّما اتّسعت دائرة الانخراط الأمنيّ أو اللوجستيّ أو الدّفاعيّ الخليجيّ، ازداد احتمال انتقال الضّغط من الجبهة العسكريّة إلى الجبهة الطّاقويّة. وهذا بالضّبط ما يجعل المستثمرين والمشترين يعيدون تسعير المنطقة كلّها، لا كلّ بلدٍ على حدة.
منطق السّوق
اقتصاديًّا، أخطر ما في هذه الحرب أنّها تضرب أساس صناعة الغاز، أي الاعتماد على الاستمراريّة. فمشاريع الغاز تحتاج إلى استثماراتٍ طويلة الأجل، وعقود بيعٍ ممتدّة، وثقةٍ بأنّ المنبع سيعمل، والممرّ سيبقى مفتوحًا، والمشتري سيتسلّم الكميّات. الحرب الإيرانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة تضرب هذه العناصر الثّلاثة معًا. المنبع مهدّدٌ في إسرائيل وقطر وإيران، والممرّ مهدّدٌ في هرمز وشرق المتوسّط، والمشتري الإقليميّ، وخصوصًا مصر، لم يعد يملك رفاهيّة الاعتماد على موردٍ واحد. لذلك، فإنّ الخسارة الأكبر قد لا تكون فقط في الشّحنات التي لم تسلّم هذا الأسبوع، بل في إعادة تسعير عقودٍ واستثماراتٍ وشراكاتٍ كان يفترض أن تمتدّ لعقود. وهنا يصبح أثر الحرب على شراكات الغاز أعمق من أثرها على الأسعار الفوريّة، لأنّها تضرب المنطق التّجاريّ الذي قامت عليه تلك الشّراكات أصلًا.
وبذلك فإنّ الحرب الدّائرة لا تهدّد فقط منشآت الغاز، بل تهدّد الفكرة التي حكمت الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، وهي إمكان عزل الطّاقة عن السّياسة، أو على الأقلّ تحييدها نسبيًّا.



