في الاقتصاد، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ فقط، بل بكيفية إعادة تسعير المخاطر. وكلّما ارتفع منسوب التوتر السياسي والعسكري، ارتفعت معه كلفة التأمين، بوصفه المؤشر الأكثر حساسية تجاه عدم اليقين. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، عاد ملف التأمين البحري والداخلي إلى واجهة المشهد الاقتصادي، ليس كقطاع تقني، بل كعنصر ضاغط على التجارة والأسعار والاستقرار المالي.
لبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، يقف في قلب معادلة الحرب. فما يحدث في الممرّات البحرية الحيوية ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، وما يجري أمنيًا في الداخل يختبر قدرة شركات التأمين على تغطية أضرار الحرب ضمن اقتصاد مأزوم أصلًا.
أولًا: مضيق هرمز…
يشكّل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين التجارية في العالم، إذ تمرّ عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والسلع من الخليج إلى الأسواق العالمية. وأيّ اضطراب في هذا الممرّ لا يبقى شأنًا إقليميًا، بل يتحوّل فورًا إلى عامل ضغط عالمي على الأسعار وسلاسل الإمداد.
حتى اللحظة، لا يوجد إعلان دولي رسمي بإغلاق المضيق بشكل قانوني كامل، غير أن الواقع الميداني يعكس ما يشبه “الإغلاق غير المعلن”. فقد تباطأت حركة السفن بشكل ملحوظ، وأوقفت شركات شحن كبرى مرور بعض ناقلاتها موقتًا، فيما صدرت تهديدات عسكرية متبادلة رفعت مستوى المخاطر إلى الحدّ الأقصى.
هذا التباين بين الوضع القانوني (المضيق غير مغلق رسميًا) والواقع العملي (مرور محفوف بالمخاطر أو متعثر) خلق حالة ضبابية في الأسواق. والضبابية، في علم التأمين، تُترجم فورًا ارتفاعًا في الأقساط.
ثانيًا: إعادة تسعير المخاطر
عند تصنيف منطقة بحرية على أنها “عالية المخاطر”، تفرض شركات التأمين ما يُعرف بـ “علاوة مخاطر الحرب” (War Risk Premium)، وهي زيادة إضافية على القسط الأساسي.
في الظروف الطبيعية، تشكّل كلفة التأمين البحري نسبة ضئيلة من قيمة السفينة أو البضاعة. لكن في فترات التصعيد، قد تتضاعف هذه النسبة عدّة مرات. عمليًا، قد ترتفع التغطية من جزء بسيط من قيمة الشحنة إلى أرقام تصل إلى 0.5 % أو حتى 1 % من قيمتها في حالات التصعيد الحادّ.
النتيجة ليست رقمًا تقنيًا في عقد تأمين، بل: “زيادة مباشرة في كلفة النقل، ارتفاع أسعار الوقود، تضخم في أسعار السلع المستوردة، وضغط إضافي على الاقتصادات الهشة”.
وبالنسبة للبنان، الذي يعتمد على استيراد المواد الغذائية والوقود والسلع الأساسية، فإن أيّ ارتفاع في كلفة الشحن البحري ينتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائيّ.
ثالثًا: تضخم داخلي
لبنان لا يملك هامشًا واسعًا لامتصاص الصدمات. ومع ارتفاع كلفة التأمين البحري، تتراكم الضغوط على المستوردين الذين يواجهون خياريْن:
تحميل الكلفة إلى السعر النهائي.
تقليص هامش الربح في سوق تعاني أصلًا من ركود.
في الحالتيْن، تتأثر السوق. فالسلع المستوردة، من القمح إلى الأدوية، تصبح أكثر كلفة، ما يزيد من حدّة التضخم في اقتصاد يعاني من ضعف القدرة الشرائيّة.
رابعًا: التأمين الداخلي
إذا كان الشق الخارجي يتعلّق بكلفة الوصول إلى لبنان، فإن الشق الداخلي يتعلّق بكلفة البقاء فيه.
معظم وثائق التأمين التقليدية في لبنان تغطّي:
الحريق، السرقة، الكوارث الطبيعية، وبعض أعمال الشغب.
لكن “الحرب” في الغالب تُدرج في بند الاستثناءات. أي إن الأضرار الناتجة مباشرة عن أعمال عسكرية أو عدائية قد لا تكون مشمولة إلّا إذا أُضيف بند خاص بتغطية مخاطر الحرب، وهو بند مكلف نسبيًا.
في المناطق المصنفة حسّاسة أمنيًا، قد ترتفع الأقساط بنسبة تتراوح بين 20 % و50 %، وقد تُخفض سقوف التعويض، أو تُفرض شروط إضافية لإثبات طبيعة الضرر.
خامسًا: إشكالية التعويض
عند وقوع ضرر، لا يكفي إثبات الخسارة. بل يجب تحديد طبيعتها:
هل هي نتيجة قصف مباشر؟، أم انفجار عرضي؟، أم حريق غير مرتبط بعمل عسكري؟.
هذا التفصيل القانوني قد يكون الفاصل بين التعويض الكامل أو رفض المطالبة. وفي اقتصاد يفتقر إلى شبكة أمان حكومية فعّالة، يصبح التأمين الخاص الملاذ الوحيد — رغم محدوديّته.
سادسًا: مرآة للأزمة السياسية
في الدول المستقرّة، تتدخل الحكومات في أوقات الأزمات عبر: “صناديق كوارث وطنية، ضمانات سيادية لشركات التأمين، وشراكات مع معيدي التأمين العالميين”.
أمّا في لبنان، حيث المالية العامة تعاني عجزًا هيكليًا، فإن قدرة الدولة على لعب هذا الدور تبقى محدودة، ما يترك العبء موزعًا بين شركات التأمين والمواطنين.
وفي قراءة للوضع، يقول أحد خبراء التأمين: “لسنا أمام أزمة تأمين تقليدية، بل أمام إعادة تسعير شاملة للمخاطر. عندما تصبح الممرات البحرية مثل مضيق هرمز منطقة تهديد مفتوح، فإن شركات التأمين تفترض السيناريو الأسوأ. هذا المنطق نفسه يُطبّق داخليًا، حيث ترتفع الأقساط أو تُشدّد الشروط. المشكلة أن الكلفة النهائية لا تتحمّلها الشركات وحدها، بل تنتقل تدريجيًا إلى الاقتصاد والمستهلك”.
إذًا، في زمن الحروب، لا تبقى المخاطر في حدود الجبهات، بل تتحول إلى أرقام تُضاف إلى الفواتير اليومية. ما يجري في الممرات البحرية الحسّاسة مثل مضيق هرمز لا يبقى حدثًا جيوسياسيًا بعيدًا، بل يتحوّل سريعًا إلى كلفة نقل أعلى، وتأمين أغلى، وسلع أكثر سعرًا على رفوف الأسواق اللبنانية. الضبابية الأمنية تعني حسابات أكثر تشددًا لدى شركات التأمين، وهذه الحسابات تُترجم مباشرة إلى تضخم إضافيّ في اقتصاد بالكاد يتحمّل صدمة جديدة.
داخليًا، تبدو الصورة أكثر هشاشة. بين بنود الاستثناء وسقوف التعويض المحدودة، يجد الأفراد والمؤسسات أنفسهم أمام واقع صعب: إمّا دفع أقساط أعلى مقابل حماية غير كاملة، أو مواجهة الخسائر وحدهم في حال وقوع الأسوأ. ومع محدودية قدرة الدولة على التدخل أو إنشاء آليات تعويض طارئة، يتحوّل التأمين من شبكة أمان إلى عبء إضافي في بيئة اقتصادية مضغوطة أصلًا.
في المحصّلة، لا يتعلّق الأمر فقط بإغلاق ممرّ بحري أو ارتفاع قسط تأمين، بل بإعادة تسعير شاملة للمخاطر في بلد هش. وكلّما طال أمد التوتر، اتسعت الفاتورة وتوزعت على الجميع من المستوردين، إلى التجار والمؤسسات، وأخيرًا المواطن. والسؤال ليس إن كانت المخاطر سترتفع أكثر، بل إلى أيّ حدّ يستطيع الاقتصاد اللبناني تحمّل كلفة حرب لا يملك قرارها، لكنه يدفع ثمنها كاملًا؟



