الرئيسية اقتصاد دولی هرمز تحت النار: اضطرابات الغاز تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

هرمز تحت النار: اضطرابات الغاز تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

نشرت مبادرة الإصلاح العربي “جلسة أسئلة وأجوبة”، مع ديانا قيسي، اختصاصيّة حوكمة الطاقة. وتركّزت الجلسة على دراسة تداعيات الأزمة الحاليّة على تدفقات الغاز الطبيعي المُسال (LNG)، وأسعار الطاقة، وأمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها.

الغاز الطبيعي المُسال، هو ببساطة الغاز الطبيعي الذي يتم تبريده إلى الحالة السائلة، بحيث يمكن نقله بالسفن بدلًا من الاعتماد على خطوط الأنابيب. وتاريخيًا، تطوّر الغاز الطبيعي المُسال بسبب ابتعاد الكثير من احتياطيات الغاز عن الأسواق المستهلكة، بينما كانت خطوط الأنابيب مكلفة جدًا، أو اتّسمت بحساسيّة سياسيّة، أو كان تشييدها صعبًا بسبب الظروف الجغرافيّة. وقد جعلت عملية التسييل تجارة الغاز أكثر مرونة وأكثر عالمية، لتقدّم ما كان يُفترض أن يكون طريقة أكثر أمانًا وقابلية للتكيف، للتزوّد بالغاز الطبيعي عبر مسافات طويلة.

الفكرة المركزية، التي أضاءت عليها جلسة الأسئلة والأجوبة، هي أنّ أزمة أمن الطاقة الحالية لا تتعلق بمدى التوفّر المادّي للغاز، بل بتعطّل النظام الذي يتم من خلاله تسليم الغاز. لقد تمّ تصميم الغاز الطبيعي المُسال لتوفير مرونة معيّنة، مقارنة بأنظمة خطوط الأنابيب الثابتة. إلا أن الغاز المُسال ما زال في الواقع شديد الهشاشة، في الحالات التي تتركز فيها كميات كبيرة من الإمدادات، عبر نقطة اختناق استراتيجية واحدة مثل هرمز. وبالتالي، فإن المسألة الرئيسية التي ينبغي البحث فيها هي مقدار إمدادات الغاز الطبيعي التي تعطّلت بفعل الأزمة، وكم من تلك الإمدادات المُعطّلة هي غاز طبيعي مُسال، وما تأثير ذلك على أسعار الكهرباء، وتكاليف الصناعة، والتضخم، وأمن الطاقة الوطني. بهذا المعنى، تُظهر جلسة الأسئلة والأجوبة أن الغاز الطبيعي المُسال هو في آن واحد آلية تقنية لتسليم الغاز، ونظام جيوسياسي يمكن أن يؤثر تعطّله على أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية.

ركّزت جلسة الأسئلة والأجوبة على أزمة مضيق هرمز الحالية وتأثيرها على الغاز الطبيعي المُسال، مقابل التأثير الأوسع على صادرات النفط، لأن الغاز الطبيعي المُسال هو الوقود الأكثر تعرضًا للمخاطر: إذ تتركز صادراته بين عدد قليل من المنتجين، وتعتمد إمداداته بشكل أكبر على نقطة اختناق بحرية واحدة، ولا يملك الكثير من الخيارات لتجاوز نقاط الاختناق كما هو حال النفط. ولا ينبغي التقليل من أهميّة أزمة النفط طبعاً، لكن الغاز الطبيعي المُسال هو المجال الذي تظهر فيه الأزمة بسرعة أكبر، لتؤدّي إلى انعدام أمن الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وتأثيرات أوسع على تكاليف الكهرباء، والتضخم، وسيادة الطاقة.

لماذا يُعد مضيق هرمز مهمًا جدًا لأسواق الطاقة؟

يُعد مضيق هرمز أحد أكثر نقاط اختناق الطاقة تركّزًا في العالم. فهو ممر بحري ضيق يربط منطقة الخليج بالبحر المفتوح، ما يفرض أن تمر عبره حصة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المُسال. وخطورة هذا الواقع لا تنحصر في إمكانيّة إقفال المضيق، بل تبرز المخاطر حتى بمجرّد تهديد حركة الملاحة، إذ ترتفع تكاليف التأمين، وتعيد السفن توجيه مساراتها أو تتأخر، وترتفع الأسعار بسرعة.

بالنسبة للنفط، تكمن أهمية هرمز في ناحيتين: حجم التدفقات النفطيّة التي تمر عبره، ونقص الطرق البديلة. بحسب أرقام إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، مرّ نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية عبر مضيق هرمز في العام 2024، ما يمثل حوالي 20 بالمئة من الاستهلاك البترولي العالمي. ويأتي جزء كبير من المعروض النفطي، الذي يمر عبر المضيق، من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران وقطر. ومن المهم الإشارة إلى قدرة محدودة على تجاوز المضيق عبر خطوط الأنابيب، لكن إدارة معلومات الطاقة تؤكد أن فعاليّة وتأثير هذه الخيارات ضعيفان للغاية.

بالنسبة للغاز الطبيعي المُسال، القصة مشابهة، لكنها أكثر تركّزًا حول عدد صغير من المصدّرين في منطقة الخليج. وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة، عبرت حوالي 20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المُسال العالمية من خلال هرمز عام 2024. وجاءت هذه الشحنات بشكل أساسي من قطر، ومن الإمارات بحجمٍ أصغر. وتقول الإدارة إنه في عام 2025، شكّل الغاز الطبيعي المُسال الذي يمر عبر هرمز حوالي 27 بالمئة من واردات آسيا من الغاز الطبيعي المُسال، وحوالي 7 بالمئة من تدفقات الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا. وهذا ما يجعل مخاطر الغاز الطبيعي المُسال، الذي يمرّ عبر مضيق هرمز، أكثر حدّة بالنسبة للمشترين الآسيويين، ما يفرض ارتفاع الأسعار بشكلٍ سريع في حال تعطّلت هذه التدفقات.

وبالتالي، تبدو الصدمة الحالية في قطاع الغاز الطبيعي المُسال مدفوعة بالجغرافيا بقدر ما هي مدفوعة بالحرب، حيث يظل مضيق هرمز المخرج البحري الذي لا غنى عنه تقريبًا لكل الغاز الطبيعي المُسال الذي تصدره قطر والإمارات.

كما يرتبط تأثير إغلاق هرمز بتاريخ تطور الغاز الطبيعي المُسال. فقد استند التوسع المبكر للبنية التحتية للغاز الطبيعي المُسال في قطر إلى عقود توريد طويلة الأجل مع آسيا (تم توقيع أول اتفاقية بيع وشراء مع اليابان في عام 1992، تلتها أول شحنة من رأس لفان في 1996/1997)، ما ساعد على تثبيت نمط تجاري يتم فيه نقل الغاز الطبيعي المُسال من الخليج عبر هرمز إلى اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين ومشترين آسيويين آخرين.

كيف أثّر النزاع الحالي على إمدادات الغاز الطبيعي المُسال؟

لقد حوّل النزاع الحالي الهشاشة الهيكلية للغاز الطبيعي المُسال إلى تعطّل فعلي في الإمدادات. إذ أفادت وكالة رويترز أن مالكي الناقلات وشركات النفط الكبرى علّقوا حركة الغاز الطبيعي المُسال عبر هرمز بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما تلاها من تهديدات للملاحة. وبحلول 4 آذار، كانت قطر قد أوقفت إنتاج الغاز الطبيعي المُسال، بعد ضربات على منشآتها في رأس لفان، وهو أكبر مرفق لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في العالم، ثم أعلنت حالة القوة القاهرة على الشحنات.

وبالنظر إلى أن قطر مثّلت حوالي 20 بالمئة من صادرات الغاز الطبيعي المُسال العالمية عام 2025، فإن لذلك تأثيراً كبيراً على أسواق الغاز الطبيعي المُسال، بالنظر إلى عدم وجود طرق بديلة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال القطري أو الإماراتي إلى الأسواق العالمية.

هل يمكن شرح تأثير الأزمة على سلسلة إمداد الغاز الطبيعي المُسال؟

تُعطّل الهجمات سلسلة الغاز الطبيعي المُسال على أربعة مستويات في الوقت نفسه:

أولًا، هي تُضعف الإنتاج وعمليات التحميل عند المصدر، وخصوصًا في قطر.

ثانيًا، هي تقطع عبور السفن عبر المضيق نفسه، حيث كادت حركة المرور أن تتوقف، مع انهيار حركة الناقلات اليومية من 37 يوميًا قبل الحرب إلى ما يقارب الصفر بحلول 8 آذار.

ثالثًا، هي تزيد -وبشكل حاد- تكاليف الشحن والمخاطر. إذ أفادت رويترز بأن معدلات شحن الغاز الطبيعي المُسال في المحيطين الأطلسي والهادئ قفزت بأكثر من 40 بالمئة، بينما ارتفعت أكلاف شحن النفط الخام في الشرق الأوسط إلى مستويات قياسية.

رابعًا، هي تُجبر المشترين على إعادة تحسين محافظهم عبر حوض الأطلسي، حيث يقوم التجار بإعادة ترتيب إمدادات الغاز الطبيعي المُسال العالمية، لأن الشحنات القطرية المفقودة يجب تعويضها من مكان آخر. وبذلك، يعيد التجار توجيه الشحنات ذات المنشأ الغربي نحو آسيا لتعويض الكميات القطرية المفقودة.

لهذا السبب يجب قراءة هذه الحلقة الحالية كصدمة في سلسلة الإمداد واللوجستيات، وليس فقط كصدمة في أسعار السلع. إذ تفقد السوق مرونتها، في الوقت نفسه الذي تفقد فيه الوصول إلى جزيئات الغاز الطبيعي المُسال. وبطبيعة الحال، تواجه آسيا تعرّضًا فوريًا للمخاطر، حيث كان ما يقرب من 90 بالمئة من الغاز الطبيعي المُسال، الذي عبر مضيق هرمز في عام 2025، متجهًا إلى المشترين الآسيويين.

أما أوروبا، فليست معزولة عن هذه المخاطر. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، كان الغاز الطبيعي المُسال المرتبط بهرمز يمثل حوالي 7 بالمئة من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المُسال في عام 2025، ما فرض المنافسة على الشحنات الفورية البديلة. وتشير التقارير الأولية إلى أن أسعار الغاز الطبيعي المُسال القياسية في آسيا قفزت بنحو 40 بالمئة في بداية الأزمة، بينما تشير أسعار العقود الآجلة لعام 2026 إلى ارتفاع أسعار التصدير إلى كل من آسيا وأوروبا، مقارنة بما كان متوقعًا سابقًا.

كيف سيؤثر ذلك على منتجي الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة مجلس التعاون الخليجي وإيران؟

هرمز ليس مجرد نقطة اختناق تجارية؛ بل هو الشريان المركزي للطاقة في الخليج. فصادرات الغاز الطبيعي المُسال القطرية، وجزء من أمن الغاز الخاص بدول مجلس التعاون الخليجي، تتركز في هذا الممر. وهذا ما يحوّل أي تعطّل في الإمدادات إلى قضية أمن إقليمي. فهذه الأزمة تضغط على أنظمة الكهرباء المحلية، وترفع الحاجة إلى حماية عسكرية للشحن، وتكشف ضعف تكامل الطاقة في الخليج، كما تبرِز عدم تماثل أساسياً: النفط لديه خيارات محدودة لتجاوز نقاط الاختناق، بينما لا يملك الغاز الطبيعي المُسال أيّاً منها.

لذلك، فإن التعرض لتداعيات أزمة الغاز المسال، داخل مجلس التعاون الخليجي، غير متساوٍ. فقطر هي الأكثر عرضة، لأن قطاع الغاز الطبيعي المُسال فيها مهم عالميًا، ويعتمد على مسار تصدير واحد. كما أن الإمارات معرضة أيضًا لهذه الأزمة، إذ يمكن لهذه الدولة أن تصدّر جزءًا من إنتاجها النفطي عبر الفجيرة، لكنّ هذه المرونة لا يمكن أن تعالج هشاشة إمدادات الغاز الطبيعي المُسال.

ستكون السعودية أقل تعرضًا لمخاطر إمدادات الغاز الطبيعي المُسال، لكنها لا تزال تتأثر بتعطّل شحن النفط في الخليج، واختناقات التخزين، والقدرة المحدودة للبنية التحتية القادرة على تجاوز المضيق. كما ستكون الكويت والبحرين معرضتين لمخاطر اعتمادهما على واردات الغاز، والتهديدات المحيطة بالمصافي، والإمدادات عبر الحدود. وكما تشير وكالة الطاقة الدولية، زودت قطر والإمارات الكويت بما يقرب من 7 مليارات متر مكعب من الغاز عام 2025، ما يعني أن اضطراباً طويل الأمد سيهدد أمن هذه الإمدادات الإقليمية.

عُمان في وضع مختلف إلى حد ما. إذ يقع مرفق قلهات للغاز الطبيعي المُسال على بحر العرب، خارج هرمز، ما يجعله أقل تعرضًا للمخاطر من مرافق قطر أو الإمارات. ومع ذلك، سيظل هذا المرفق عرضة لتأثيرات غير مباشرة، مثل زيادة تكاليف التأمين، ونشاط الطائرات المسيّرة في المياه القريبة.

أما إيران، فتستمد نفوذها الحالي من جغرافيتها، لكن هذا النفوذ ذو حدين بطبيعته. إن إغلاقًا مستمرًا لهرمز سيعمّق عزلة إيران الاقتصادية، ويكثف ضغط العقوبات، كما سيضعف مصداقيتها كشريك طاقة مستقبلي. وبهذا المعنى، قد تعزز الأزمة القوة التفاوضية التكتيكية لطهران على المدى القصير، لكنها ستضعف بيئة الاستثمار الإقليمية اللازمة لأي تطوير طويل الأمد للغاز الإيراني.

ما هو تأثير التغير في سوق الغاز الطبيعي المُسال الناتج على الاقتصاد العالمي؟

من المرجح أن يُعاد تشكيل الاقتصاد العالمي، بفعل هذه الأزمة، عبر ثلاث ديناميكيات مترابطة:

أولًا، ستحمل جميع الشحنات المرتبطة بالخليج علاوة أمنية أعلى، ما يرفع الأسعار إلى ما يتجاوز تكلفتها الإنتاجية الأساسية.

ثانيًا، سيُعاد توجيه الغاز الطبيعي المُسال من الأطلسي نحو آسيا لتعويض اضطرابات الإمداد المحتملة، ما يقلّص من توفّر هذه المادّة في أماكن أخرى، خاصة في أوروبا.

ثالثًا، ستعمّق الأزمة الفجوة بين الإمدادات الآمنة ماديًا، والإمدادات الأرخص على الورق (أي قبل احتساب تأثير المخاطر). فقبل النزاع، كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن ينمو المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المُسال بأكثر من 7 بالمئة في عام 2026، بسبب الإنتاج الجديد في أميركا الشمالية. قد يوفر هذا التوسع بعض الارتياح على المدى المتوسط، لكنه لن يستطيع تعويض التأثيرات الفورية لتعطّل هرمز بالكامل. لذلك، من المرجح أن تظل السوق على المدى القصير مدفوعة بالأسعار، ومتقلبة.

التأثير الاقتصادي الكلي تضخمي في المقام الأول، لكن العبء فيه سيتوزع بشكل غير متساوٍ عبر المناطق. لقد حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، من أن ارتفاعًا مستمرًا بنسبة 10 بالمئة في أسعار النفط قد يضيف 40 نقطة أساس إلى التضخم العالمي. والدول الأكثر عرضة هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد، ولديها حيز مالي محدود لامتصاص التكاليف الأعلى.

في أوروبا، تظل الاقتصادات المعتمدة على الواردات معرضة لضغوط متجددة على أسعار الغاز والكهرباء، خصوصاً حيث تكون مستويات التخزين أو خيارات التنويع أضعف. أما في آسيا، فيواجه كبار مشتري الغاز الطبيعي المُسال مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وعدة دول في جنوب شرق آسيا تكاليف أعلى، واختلالات تجارية أكبر، واحتمالات تباطؤ صناعي.

ومن المرجح أن يكون الضغط أكثر حدة في الدول المثقلة بالديون في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يمكن لفواتير واردات الطاقة الأعلى أن تغذي بسرعة التضخم، والضغوط على العملة، وضغوط الدعم، وارتفاع مخاطر الديون السيادية. بالنسبة لهذه الاقتصادات، لا تتعلق الصدمة فقط بارتفاع تكلفة الكهرباء والنقل، بل أيضًا بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وضعف المالية العامة، وزيادة الهشاشة الاجتماعية. وحتى بالنسبة لمصدّري الطاقة، قد يقابل الارتفاع الظاهري في الأسعار بخسائر في أحجام الصادرات، وحالات القوة القاهرة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وبيئة استثمار أكثر عدم استقرار.

في المستقبل، ما هي التداعيات البيئيّة؟

بيئيًا، التوقع شديد الالتباس. على المدى القصير، من المرجح أن يؤدي تعطّل إمدادات الغاز الطبيعي المُسال بسبب الحرب الجارية إلى تفاقم الضغوط البيئية بدلًا من تخفيفها. عندما يصبح الغاز الطبيعي المُسال نادرًا أو مكلفًا بشكل مفرط، قد تؤخر العديد من الدول، خاصة تلك التي تواجه نقصًا عاجلًا في الكهرباء، التحول من الفحم وزيت الوقود إلى الغاز الأقل انبعاثًا نسبيًا، أو قد تعود إلى وقود أكثر تلويثًا للحفاظ على تشغيل أنظمة الطاقة.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة انبعاثات غازات الدفيئة، وارتفاع تلوث الهواء المحلي، وزيادة مخاطر الصحة العامة، خاصة في المناطق الحضرية والصناعية الهشة أصلًا. وفي بعض الدول المعتمدة على الواردات، قد تعتمد الحكومات أيضًا بشكل أكبر على مولدات الديزل وواردات الوقود الطارئة، ما يزيد من كثافة الانبعاثات. في الوقت نفسه، تضيف طرق الشحن الأطول، وارتفاع مخاطر التأمين، وتعطّل سلاسل الإمداد عبئًا بيئيًا آخر من خلال زيادة البصمة الكربونية لنقل الطاقة نفسها.

على المدى المتوسط إلى الطويل، قد تعزز الصدمات الجيوسياسية المتكررة لإمدادات الغاز الطبيعي المُسال الحجة الاستراتيجية والبيئية لتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة. كلما اختبرت الدول المستوردة للطاقة هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، أصبح الحافز أقوى للاستثمار في الطاقة المتجددة المحلية، وتخزين البطاريات، وربط الشبكات، وإجراءات كفاءة الطاقة.

بهذا المعنى، قد تعمل الأزمة كمحفز للتغيير الهيكلي، لتدفع الحكومات إلى رؤية الطاقة المتجددة ليس فقط كحل مناخي، بل أيضًا كمسألة صمود وطني. وهذا مهم بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتوقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أنه يمكن للطاقة المتجددة أن توفر ما يقرب من 26 بالمئة من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية، و53 بالمئة من إمدادات قطاع الطاقة بحلول عام 2050.

وبالتالي، فإن الاتجاه البيئي يعتمد على الاستجابة السياسية: إذا تعاملت الحكومات مع الأزمة كسبب لتثبيت الوقود الأحفوري على المدى القصير، فسوف تتفاقم الانبعاثات والتلوث. وإذا استخدمتها لتسريع نشر الطاقة النظيفة، فقد يتم تعزيز مستقبل طاقوي أكثر استدامة وأمانًا.

وأخيرًا، ما هو تأثير هذه الأزمة على تعامل الدول مع سيادتها الطاقويّة، خاصة في ما يتعلق بالغاز الطبيعي المُسال؟

في ما يتعلق بالسيادة الطاقويّة، تُظهر الأزمة الحالية أن السيطرة على موارد الغاز ليست هي نفسها السيطرة على إمدادات الغاز الطبيعي المُسال. قد تمتلك دولة احتياطيات كبيرة من الغاز، لكنها قد تفتقر إلى السيادة الطاقويّة، إذا كانت صادراتها من الغاز الطبيعي المُسال تعتمد على مسار بحري واحد، أو على عدد محدود من مرافق التسييل، أو على ممرات شحن معرضة للحرب والتعطّل.

تُظهر الأزمة الحالية أن السيادة الطاقويّة في مجال الغاز الطبيعي المُسال لا تتشكّل فقط بما تنتجه الدولة، بل بما إذا كانت تستطيع نقل هذا الغاز بشكل موثوق إلى السوق، وبحماية الإمدادات المحلية، وإدارة تقلب الأسعار أثناء النزاع. وعندما تصبح نقطة اختناق مثل هرمز غير آمنة، يمكن حتى لكبار مصدري الغاز أن يفقدوا المرونة في توقيت الصادرات، والتزامات التسليم، والإيرادات. بهذا المعنى، فإن الاعتماد على مسار تصدير واحد يمكن أن يفرغ القيمة العملية لثروة الموارد.

بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي، ستعني السيادة الطاقويّة، خاصة في ما يتعلق بالغاز الطبيعي المُسال، تقليل التعرض لتركّز مسارات التصدير، وتقليل الاعتماد على نقطة تصدير واحدة. كما تعني توسيع إنتاج الطاقة المتجدّدة، للحفاظ على المزيد من الغاز للاستخدام الاستراتيجي، وتحسين التخزين والمرونة التعاقدية، وتعزيز صمود البنية التحتية لتصدير الغاز الطبيعي المُسال ضد الصدمات الجيوسياسية.

أما بالنسبة للدول المستوردة للغاز الطبيعي المُسال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، فهناك دروس مهمّة أيضاً: يمكن أن يتحول الاعتماد على الغاز الطبيعي المُسال المستورد إلى مشكلة سياديّة، عندما ترتفع الأسعار، أو يُعاد توجيه الشحنات، أو تتعطل الإمدادات. في مثل هذه الظروف، تفقد الحكومات القدرة على تحمل التكاليف، والاستقرار المالي، والوصول إلى الطاقة.

ونتيجة لذلك، من المفترض أن يدفع انعدام أمن الغاز الطبيعي المُسال العديد من الدول إلى التعامل مع الطاقة المتجددة، والتخزين، وتحديث الشبكات، وإدارة الطلب، ليس فقط كأدوات مناخية، بل كأدوات سياديّة. الاستنتاج الاستراتيجي هو أن الأزمة الحالية جعلت أمن الطاقة (وخاصة الغاز الطبيعي المُسال) والانتقال الطاقوي مسألتين غير قابلتين للفصل.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالحرب والكوابل البحرية: ماذا عن الإنترنت في لبنان؟