مجدّداً، قفزت تعرفة «السرفيس» إلى 300 ألف ليرة من دون أي قرار رسمي، وبلا غطاء نقابي أو تبرير قانوني. يكفي أن يقرّر السائقون، حتى تصبح التسعيرة أمراً واقعاً، في بلد يفرض رسماً على استهلاك البنزين قيمته 3.5 دولارات، ثم ارتفع السعر بفعل ارتفاع الأسعار العالمية بما يفوق 4.5 دولارات، ويضيف السائقون إلى هذه الأسباب أن الدولة نكثت بوعدها القاضي بتسديد مساعدة، إذ صار سعر صفيحة البنزين 25 دولاراً «وما عطونا شي».
ضمن هذه الحلقات، بين ارتفاع الأسعار العالمية وانعكاسها السريع محلياً بما يمنع تكبيد التجّار والمستوردين أي تآكل في الأرباح، وبين سلطة السائقين التي ترفع التعرفة من دون أي معايير، يبدو أن المستهلك هو الحلقة الوحيدة المسموح ابتزازها. فخلال أقلّ من شهر على آخر «تسوية» بين الحكومة والنقابات، عادت تعرفة النقل في لبنان إلى الارتفاع بمبادرة فردية من السائقين. والتسعيرة الجديدة، التي بدأت تُفرض في عدد من المناطق، لا تستند إلى أي إعلان أو قرار، بل إلى واقع الفوضى وغياب الدولة المزمن.
الارتفاع الأول حصل في 17 شباط الماضي حين أقرّت الحكومة رسم استهلاك على صفيحة البنزين بقيمة 320 ألف ليرة. يومها كان رد فعل السائقين سريعاً برفع تعرفة «السرفيس» إلى 300 ألف ليرة، علماً أن التعرفة السابقة كانت موضوعة أصلاً على أساس سعر بنزين مرتفع، ولم تكن تحتاج عملياً إلى تعديل بهذه السرعة.
لكن ذلك لم يكن كافياً. في ذلك الوقت، سارعت اتحادات ونقابات النقل البري إلى التصعيد والتهويل بالتحركات والإضرابات، ليس بهدف حماية الركاب أو المطالبة بسياسة نقل عادلة، بل لانتزاع مكاسب إضافية خاصة بالسائقين الشرعيين.
وبالفعل، نجحت في الحصول على وعد من رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر بتقديم مساعدة شهرية قدرها 12 مليون ليرة لبنانية لكل سائق شرعي، قبل أن تعلن وقف التحركات. عندها فقط، عادت التعرفة إلى طبيعتها، وكأنّ المسألة لم تكن مرتبطة فعلياً بكلفة التشغيل بقدر ما كانت ورقة ضغط لتحصيل بدل مالي من الدولة.
اليوم، يتكرر المشهد نفسه ولكن بصورة أكثر فجاجة. فالمساعدة لم تُدفع بعد، وسعر البنزين عاد إلى الارتفاع، فوجد السائقون في ذلك فرصة جديدة لفرض تعرفة أعلى من جديد. لا قرار نقابياً واضحٌ، ولا تسعيرة رسمية جديدة، ولا أي آلية مُعلنة، بل مجرد فرض يومي على الركاب، متناسين الواقع الصعب والعدوان اللذيْن تعيشهما البلاد. ومع الوقت، تتحوّل هذه المخالفات إلى عرف، ويصبح من الطبيعي أن تختلف التسعيرة من سائق إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، وأن يدفع المواطن ما يُطلب منه تفادياً للإشكال أو لتعطّل مصالحه.
في هذا السياق، يبرّر رئيس اتحادات ونقابات النقل البري بسام طليس، في حديث إلى «الأخبار»، التعرفة التي يفرضها السائقون بارتفاع سعر البنزين، إضافة إلى عدم حصولهم على المساعدة المُتفق عليها حتى الآن. ويكشف أنه بصدد التنسيق مع وزير الأشغال والمدير العام للنقل البري والبحري للعمل على تسعيرة «استثنائية» تتماشى مع الوضع الحالي، بحسب وصفه، من دون أن يحدّد قيمتها أو يوضح الأسس التي ستُعتمد لتحديدها. وهذا بحدّ ذاته يكشف حجم العبث القائم: تعرفة تُفرض فعلياً في الشارع قبل أن تُناقش رسمياً، وركاب يدفعون مسُبقاً ثمن قرارات لم تصدر بعد، ودولة تلهث دائماً خلف الأمر الواقع بدل أن تسبقه.



