– الأطفال وكبار السن في دائرة الخطر
– 30% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد
– أكثر من 700 ألف طفل في حاجة الى مُساعدات إنسانيّة
– الغذاء المتوازن هدف بعيد المنال
وضع لبنان مجددا على خريطة الذوق الرفيع، بعدما حل مطبخه في المرتبة 20عالميا وفق تصنيف TasteAtlas لأفضل مطابخ العالم لعام 2025-2026 ، متصدرا المطابخ العربية بلا منازع، ليؤكد مرة جديدة أن هذا الإرث الغذائي ما زال يحمل بصمته المميزة رغم كل العواصف، لكن هذا التقدير العالمي يفتح في المقابل سؤالا مؤلما “كيف يمكن لمطبخ يتصدر التصنيفات الدولية، أن يعيش أهله على سلة غذائية تتقلص يوما بعد يوم، ويختصر وجباته الأساسية، ويستغني تدريجيا عن اللحوم والفواكه والخضر الطازجة؟
لم تعد اللحوم غائبة فحسب، بل أصبحت الفواكه ترفا والخضر خيارا مشروطا، والوجبة الكاملة استثناء نادرا، ولم يعد السؤال ماذا نأكل؟ بل هل نستطيع أن نأكل؟ فانهيار القدرة الشرائية، وتراجع قيمة الرواتب مقابل ارتفاع الأسعار، إلى جانب ارتفاع كلفة النقل والمحروقات، وغياب الرقابة على الأسواق، إضافة إلى تراجع الإنتاج الزراعي بفعل الأزمات والحروب وضعف دعم القطاع، في ظل غياب استراتيجية وطنية للأمن الغذائي، وانخفاض المساعدات الموجهة للأسر الفقيرة، جعل من الغذاء المتوازن هدفا بعيد المنال. فالسلة الغذائية تقلصت إلى حدها الأدنى ، لتقتصر لدى شريحة واسعة على النشويات الأرخص كالأرز والخبز والبطاطا.
شهادات… وانقسام طبقي
تقول أم ابراهيم “قبل الأزمة كان في لحمة أو دجاج عالطاولة مرتين بالأسبوع، اليوم يمكن مرة بالشهر إذا قدرنا ، والفواكه صرنا نشتريها بالحبة، وأوقات ما منشتري” .
بدورها تقول سحر “اذا بدي اشتري فواكه، بدي أترك شي تاني، فصرنا نختار الأساسيات”، مضيفة “صرنا نطبخ لنشبع مش لنتغذى، المهم ما يناموا الأولاد جوعانين”.
ويشير أبو عماد الى ان “اللحم صار ذكرى، حتى الدجاج مش دايما منقدر عليه”.
أما رنا فتشير إلى تغير أولوياتها الغذائية، “كنت أهتم بالأكل الصحي، اليوم صرت أركز على الشي الأرخص والأكتر بيشبع، الصحة صارت رفاهية مش خيار”.
في المقابل، هناك شريحة من اللبنانيين لا تزال تحافظ على نمطها الغذائي كما كان، أو حتى أكثر ، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين فئتين: واحدة تكافح لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، وأخرى لم تشعر فعليا بانهيار القدرة على الوصول إليه، ما جعل الغذاء معيارا جديدا للانقسام الطبقي في لبنان.
الأطفال وكبار السن الاكثر هشاشة
ويحذر اختصاصي تغذية فضل عدم الكشف عن اسمه، من التداعيات الخطيرة لهذا التراجع في نوعية الغذاء، مشيرا إلى “أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الكمية، بل باتت تمس القيمة الغذائية للوجبات اليومية “، ويقول “الاعتماد المتزايد على النشويات والسكريات، مقابل تراجع استهلاك البروتينات والخضر والفواكه، يؤدي إلى خلل غذائي واضح، ينعكس مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة ، لا سيما الأطفال وكبار السن”.
ويشرح أن “الأطفال هم الأكثر تأثرا، إذ يمكن أن يؤدي سوء التغذية إلى تأخر في النمو الجسدي والعقلي، وضعف في التركيز والتحصيل الدراسي ، إضافة إلى تراجع المناعة وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض”.
أما لدى كبار السن فيؤكد أن “نقص العناصر الأساسية مثل البروتينات والفيتامينات، قد يفاقم حالات الضعف العام، ويزيد من مخاطر الأمراض المزمنة وهشاشة العظام وفقر الدم، ما يجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات الصحية”، مشيرا إلى أن “استمرار هذا النمط الغذائي لفترات طويلة، لا ينعكس فقط على الصحة الفردية، بل قد يتحول إلى عبء صحي واجتماعي على المدى البعيد، مع ارتفاع الحاجة إلى الرعاية الطبية، وتزايد الكلفة الصحية على الأسر والمجتمع”.
أزمة بالارقام وحلول بالاحلام
وتشير تقارير صادرة عن برنامج الأغذية العالمي والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، إلى أن نحو 30% من سكان لبنان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يقدر أن أكثر من 1.6 مليون شخص يعيشون في مستويات “أزمة” أو “طوارئ” غذائية. كما تشير بيانات صادرة عن اليونيسف (UNICEF) الى أن أكثر من 700 ألف طفل في لبنان في حاجة إلى مساعدات إنسانية، في ظل ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، وتراجع القدرة على تأمين غذاء كاف ومتوازن.
خبراء اقتصاديين وغذائيين إلى جانب جهات دولية، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، اقترحوا مجموعة من الحلول المتدرجة، تبدأ بدعم مباشر للسلة الغذائية وضبط الأسعار، والحد من الاحتكار وتخفيف كلفة النقل، مرورا بدعم الزراعة والإنتاج الحيواني، وإنشاء مخزون استراتيجي غذائي ، وصولا إلى وضع استراتيجية وطنية للأمن الغذائي وإصلاح اقتصادي، ينعكس على الأجور وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والتغذية المدرسية، لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
فهل أصبح الطعام رفاهية؟ وكم من الوقت نحتاج ليصبح الجوع قاعدة؟ فحين تصبح الفاكهة حلما واللحم ذكرى والوجبة الكاملة رفاهية، فهذا ليس فقط أزمة اقتصادية بل أزمة كرامة إنسانية.



