بعد أن دخل الاقتصاد اللبناني العام 2026 بزخم إيجابي نسبي، إذ أظهرت المؤشرات الأولية، ولا سيّما خلال شهري كانون الثاني وشباط، تحسنًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي وثقة الأسواق، استكمالا لمسار التعافي التدريجي، تغيّرت الصورة بعد اندلاع “حرب إسناد إيران” في آذار 2026، ودخلنا في مرحلة الركود وتراجع الناتج المحلّي. وسبق أن شهد العام 2025، تطوّرات إيجابية فنّدها مصرف لبنان في التقرير الذي صدر حديثًا، وتناول كلّ مؤشرات الاقتصاد التي اتسم بها الاقتصاد الوطني العام الماضي.
سجل الاقتصاد الحقيقي في لبنان نموًا إيجابيًا معتدلا في العام 2025، وتشير مؤشرات القطاع الحقيقي ومسح الأعمال الذي أجراه مصرف لبنان إلى تعافٍ تدريجي في النشاط الاقتصادي وسط تحسن، وإن كان لا يزال هشًا، في الأوضاع الاقتصادية الكلية والمؤسسية.
استنادًا إلى التطوّرات المؤسّسية التي لوحظت خلال النصف الأول من العام 2025، ساهمت تدابير إضافية في استعادة قدر من الثقة وتحسين أداء القطاع العام. وأتاح الانتقال من حكومة تصريف أعمال إلى سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات، إنشاء هيئات تنظيمية طال انتظارها في قطاعي الكهرباء والاتصالات، إلى جانب تجديد إجراءات مراقبة الحدود والتعيينات المؤسّسية، كل ذلك سمح بالاستئناف التدريجي للوظائف الحكومية الأساسية بعد فترة طويلة من الشلل الإداري.
عززت هذه التطوّرات بشكل طفيف إطار الحوكمة في لبنان، وساهمت في تحسين بيئة العمل للنشاط الاقتصادي، بما يشير إلى التزام أصحاب المصلحة المحليين والدوليين بمعالجة التحدّيات الهيكلية. توازيًا، عزز استئناف التعاون مع الشركاء الدوليين، ولا سيّما صندوق النقد الدولي وأعضاء مجلس التعاون الخليجي، التفاؤل الحذر في شأن آفاق المساعدة المالية الخارجية وتدفقات الاستثمار المتجدّدة. ومع ذلك، لا يزال التعافي الاقتصادي مقيّدًا بنقاط ضعف هيكلية مستمرّة. فغياب استراتيجية شاملة للتعافي الاقتصادي، والتأخير في تنفيذ الإصلاحات الرئيسية، بما في ذلك التصديق على إطار عمل سدّ الفجوة المالية واعتماده، يُواصلان تقويض الثقة في المؤسسات المالية والعامة، مع استمرار هيمنة الاقتصاد القائم على النقد.
نموّ الناتج الحقيقي
إضافةً إلى ذلك، تُؤثر التوترات الإقليمية المتصاعدة، لا سيّما تلك المتعلّقة بإيران والولايات المتحدة، والوضع الأمني الهش في جنوب لبنان، سلبًا على معنويات المستثمرين، ما يحدّ من انتعاش الاستثمار الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر. في هذا السياق، تتناول الأقسام التالية التطوّرات الأخيرة في النشاط الاقتصادي وديناميكيات الأسعار، وتقيّم العوامل الرئيسية التي تُشكّل الأوضاع الاقتصادية الكلية في لبنان.
يُقدّر مصرف لبنان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.8 % في العام 2025، ما يُشير إلى عودة التوسّع الإيجابي، ورغم ذلك لا يزال هشًا، بعد معدلات نمو هامشية أو سلبية خلال الفترة التي تتراوح بين 2022-2024.
بعد انكماش حاد بنسبة 6.4 % في العام 2024، من المتوقع أن يؤدي هذا النمو إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 27.7 مليار دولار أميركي في العام 2024 إلى 33 مليار دولار في 2025 .
النشاط الاقتصادي
شهد النشاط الاقتصادي انتعاشًا ملحوظًا خلال النصف الأول من العام 2025، ما يعكس عودة الأوضاع الاقتصادية إلى طبيعتها بعد انتهاء النزاع المسلح في تشرين الثاني 2024. وساهمت التوقعات المتفائلة في شأن الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية المحتملة في انتعاش موقت لثقة قطاع الأعمال والمستهلكين. ومع مرور العام، تراجع التفاؤل الناجم عن ديناميكيات ما بعد النزاع والتوجهات السياسية، حيث كان التقدّم في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الرئيسية وتدابير القطاع المالي أبطأ من المتوقع. وانعكس هذا التراجع في المعنويات أيضًا في سوق سندات اليورو السيادية مع نهاية العام.
السندات السيادية
بعد ارتفاع سعر السندات السيادية اللبنانية من 13.1 دولارًا أميركيًا في كانون الأول 2024 إلى 22.5 دولارًا في نهاية أيلول 2025 في السوق الثانوية، لم تشهد الأسعار سوى ارتفاع طفيف إلى 23.6 دولارًا في نهاية كانون الأول، مع تباطؤ المكاسب الفصلية إلى 4.8 % في الربع الرابع من العام 2025، مقارنةً بنسبة 25 % في الربع الثالث من 2025.
السندات السيادية اللبنانية لا تزال تعاني من تداعيات قرار الحكومة في آذار 2020 بالتخلّف عن سداد التزاماتها المالية الخارجية، ومن غياب المفاوضات منذ ذلك الحين مع حاملي السندات المحليين والأجانب في شأن إعادة هيكلة أو إعادة تمويل السندات. ومع ذلك، ساهم انتعاش قطاع السياحة خلال النصف الثاني من العام في تعويض جزء من تباطؤ النمو، مدعومًا بتحسّن الأوضاع الأمنية الإقليمية في أعقاب خفض حدّة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وكانت تعززت تدفقات السياحة بشكل أكبر بفضل الأحداث الدولية، بما في ذلك الزيارة الرعوية للبابا ليو الرابع عشر في نهاية العام 2025. وتؤكد مؤشرات القطاع الحقيقي بشكل عام تعافي النشاط المحلي خلال 2025، كما ارتفعت واردات مشتقات البترول بنسبة 24 %، بينما زاد إنتاج الكهرباء من قبل شركة الكهرباء بنسبة 24.6 %.
مقارنةً بالعام 2024، تحسّنت الإيرادات العامة، إذ ارتفعت إيرادات الجمارك بنسبة 96.0 %، بينما زادت رسوم العقارات المحصلة بنسبة 118.8 % مقارنة بالعام 2024. وشهد نشاط البناء تحسنًا مماثلا، حيث ارتفعت شحنات الأسمنت بنسبة 36.0 %، وتراخيص البناء بنسبة 29.3 %، وبدء الإنشاءات بنسبة 52.9 %. كما ارتفع إجمالي عدد المسافرين الوافدين إلى مطار بيروت رفيق الحريري الدولي بنحو 30 %، مدفوعًا بشكل رئيسي بالتطوّرات التي شهدتها الفترة من النصف الثاني إلى عام 2025، بينما زادت الشحنات الواردة إلى ميناء بيروت بنسبة 12.1 % في عام 2025.
أخيرًا، دعمت بيانات المدفوعات والمعاملات هذا الاتجاه، حيث ارتفع إصدار الشيكات الجديدة بشكل ملحوظ، إذ زاد حجم الشيكات بالليرة اللبنانية بنسبة 149 % ليصل إلى 503.7 ملايين دولار، وارتفع حجم الشيكات بالدولار بنسبة 229 % ليصل إلى 993.1 مليون دولار.
يعكس ذلك زيادة حادّة في المعاملات خلال العام 2025 رغم أن المبالغ لا تزال متواضعة. وبشكل عام، لا يزال التعافي في سنة 2025 هشًا ودوريًا إلى حدّ كبير، مدفوعًا بشكل أساسي بالانتعاش من قاعدة منخفضة. واستمرّت القيود الهيكلية وضعف الوساطة المالية وتراجع الاستثمارات الخاصة في التأثير سلبًا على استدامة النمو، وعلى الإمكانات الاقتصادية للبنان على المدى المتوسط.



