خلاف متصاعد بين جمعية الطيارين اللبنانيين وإدارة شركة طيران الشرق الأوسط يعود لأشهر مضت، تفجّر مؤخراً لينتقل من غرف المطار في بيروت إلى مكاتب اتحاد نقابات الطيارين الدوليين IFALPA الذي تنتسب إليه نقابة الطيارين اللبنانيين، ومنه إلى صفحات الإعلام الدولي والمحلي.
خرج الخلاف إلى العلن ليتّخذ صورة “مخاوف تتعلق بالسلامة التشغيلية وثقافة الإبلاغ داخل الشركة”، وهذا ما أعطاه بُعداً دولياً مع دخول اتحاد نقابات الطيارين الدوليين وتحالفات مهنية أخرى على خط المتابعة، وساهم بالتالي في نقل النقاش من إطار مؤسسي داخلي إلى دائرة أوسع تشمل جهات تنظيمية وشركات طيران دولية.
لكن، وبحسب مصادر متقاطعة، فإن أصل الخلاف لم يكن يرتبط بالرحلات خلال الحرب أو بالسلامة العامة تحديداً، إنما وقع قبل الحرب على خلفية مطالب نقابية من قبل الطيارين تشمل دوامات العمل وعدد الرحلات والرواتب والمخصصات وعقود العمل وسواها، ومع تصادم الطرفين لعدم تلبية المطالب تطوّر إلى ما نحن عليه اليوم.
وتبرز مخاطر هذه التطورات في كونها لا تقتصر على جانب إداري أو نقابي، بل تمتد لتطرح أسئلة أعمق حول مستوى الثقة بمنظومة الطيران المدني اللبناني ككل، ومدى انعكاس هذا النوع من الخلافات على صورة شركة طيران الشرق الأوسط باعتبارها الناقل الوطني، وكذلك على سمعة الطيارين اللبنانيين في الخارج ضمن الأطر المهنية الدولية وأكثر من ذلك، على مدى التأثير على ثقة المسافرين، وشركاء الشركة الدوليين، ومكانة قطاع الطيران اللبناني ضمن المعايير العالمية للسلامة والحوكمة.
الرسالة “المقلقة”
خرجت الأزمة بين طيران الشرق الأوسط ونقابة الطيارين اللبنانيين إلى العلن بعد نشر “رويترز” رسالة موجّهة من رئيس اتحاد نقابات الطيارين الدوليين IFALPA إلى حاكم مصرف لبنان بصفته المالك النهائي لشركة طيران الشرق الأوسط MEA، محذّراً من تدهور مستوى السلامة داخل الشركة. وتقول الرسالة إن إدارة MEA رسّخت ثقافة تقوم على العقاب والانتقام من الطيارين الذين يبلّغون عن الأخطاء أو المخاطر، وهذا ما يضعف نظام إدارة السلامة ويمنع معالجة المشكلات التشغيلية بشكل فعّال. كما أشارت إلى أن الاتحاد وتحالف طياري SkyTeam حاولا مراراً التواصل مع إدارة الشركة لمناقشة هذه المخاوف من دون نتيجة.
وتنتقد الرسالة أيضاً تشغيل رحلات في ظروف اعتُبرت عالية الخطورة خلال فترة النزاع في لبنان، إضافة إلى ما تصفه بضعف الرقابة التنظيمية من الجهات الرسمية المعنية بالطيران المدني. وخلصت إلى أن الوضع الحالي يرفع مستوى المخاطر على الركاب والطواقم، داعيةً كريم سعيد إلى التدخل والضغط على إدارة الشركة والجهات الرسمية لإجراء إصلاحات تعزّز السلامة وتعيدها إلى المعايير الدولية المعتمدة.
وإلى جانب رسالة الاتحاد، نشرت “رويترز” خلاصة رسائل تفيد بأن هيئة الطيران المدني في لبنان بدأت تدقيقاً يتعلق بالسلامة في شركة طيران الشرق الأوسط، بعدما أثارت مجموعات من الطيارين مخاوف بشأن إجبار الطواقم على التحليق قرب مواقع غارات جوية، ومعاقبتهم عند الإبلاغ عن حوادث مرتبطة بالسلامة، وهو ما نفته لاحقاً شركة طيران الشرق الأوسط باعتبار أن أنشطة التدقيق الفني والرقابي التي أجرتها هيئة الطيران المدني اللبنانية خلال الفترة الأخيرة هي أنشطة دورية ومجدولة مسبقاً، ولا ترتبط بالرسائل أو الشكاوى المتداولة إعلامياً، وقد أظهرت نتائجها توافق عمليات الشركة مع أعلى معايير السلامة، بما يتماشى مع تقييمات سابقة من مؤسسات دولية منحت الشركة تصنيف “Airline Matured” في مجال السلامة.
استئناف المفاوضات المطلبية
يؤكد أحد الطيارين لـِ “المدن” أن الشكوى للاتحاد الدولي للطيارين جاءت بعد أن تعذّر للنقابة في لبنان تحقيق مطالب العاملين لديها وبسبب عدم استماع الشركة لمطالبنا. “ونحن كطيارين نعاني أوضاعاً صعبة جداً لا سيما لجهة مستحقاتنا المالية التي تراجعت إلى حدود 50 في المئة عما كانت عليه قبل الأزمة المالية”، لافتاً إلى أن الحوافز المالية لدى الطيارين باتت تشكّل الثقل الأكبر من مداخيلنا، علماً أن الحوافز ترتبط بالرحلات وهذا ما يعني أن من لا يحلق برحلات بشكل مستمر إن خلال الحرب أو السلم فإن مدخوله المالي يتقلّص بشكل كبير.
وهنا تكمن العقدة الأساسية، فالشركة بحسب الطيارين تُلزمهم بشكل غير مباشر على تسيير رحلات خلال الحرب وتربط مسألة الرحلات بالحوافز المالية التي تشكل الثقل الأكبر من الرواتب، وبحسب مصدر من نقابة الطيارين، فإنه حتى لو لم تكن هناك من شكوك بسلامة التشغيل، فإن من حق الطيار أن يعمل في ظروف مهنية سليمة. وأول البديهيات تحسين مداخيله بحيث لا يضطر للعمل فوق طاقته والمخاطرة بحياته لتحصيل بعض المكاسب المالية.
ووفق معلومات “المدن”، فإن وزارة الأشغال وهيئة الطيران المدني فتحتا حواراً جدّياً مع إدارة طيران الشرق الأوسط لحل الخلافات العالقة مع نقابة الطيارين، تجنّباً لأي بلبلة خارج كواليس المطار لما فيه من مخاطر عالية على سمعة الشركة وطياريها في الخارج.
ويقول مصدر من الشركة في حديث لـِ “المدن” إن الأزمة لا ترتبط بشكل خاص بمسألة السلامة التي لا يشك فيها الطيارون أنفسهم، على حد تعبيره، لكنها ترتبط بالمطالب المقابلة لرحلاتهم منذ ما قبل الحرب الأولى ووصولاً إلى الحرب هذا العام. ولم يحدّد المصدر طبيعة المطالب، بل اكتفى بالتأكيد بأنها مطالب مالية ولا تتعلّق بالسلامة العامة.
وسأل المصدر كيف يمكن لإدارة الشركة أن تسيّر رحلات معرّضة للمخاطر وتخاطر بسمعتها العائدة إلى عشرات السنوات؟ وهل يمكن أن تخاطر الشركة بتحليق نجلي رئيس شركة طيران الشرق الأوسط ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني في ظروف عالية المخاطر؟
ويلفت المصدر إلى أن كلاً من إدارة الطيران الاتحادية الأمريكية ووكالة سلامة الطيران الأوروبية تقومان بإجراء تدقيق بشأن الشركات الأجنبية التي تشاركها الرموز لضمان مستوى عال من تدابير السلامة، فكيف يمكن المخاطرة بسلامة الرحلات؟ يسأل المصدر.
لا شك بسلامة الطيران
من جهته، أكد رئيس هيئة الطيران المدني اللبناني محمد عزيز أن الخلافات بين الشركة ونقابة الطيارين اللبنانيين ليست جديدة. فالمفاوضات بين الطرفين كانت قائمة قبل أن تتوقف بفعل الحرب، لافتاً إلى استئنافها للتوصل إلى حل داخلي.
وأوضح عزيز في حديثه لـِ “المدن” إلى أن الاتحاد الدولي يمثل تجمعاً عالمياً لنقابات الطيارين، وهو معترف به رسمياً على المستوى الدولي، ويضم نقابات طيارين من مختلف دول العالم، بما فيها نقابة الطيارين في لبنان، التي تعمل ضمن الأطر المعتمدة بشكل طبيعي، وأن مثل هذه الاتحادات لا تمتلك سلطة تنفيذية مباشرة على الشركات، لكنها تعتمد أسلوب الضغط المهني والنقابي لطرح المخاوف المتعلقة بالسلامة، بالرغم من أنها لا تملك صلاحيات إلزامية. واعتبر أن جزءاً مما ورد في الرسالة قد يكون ناتجاً عن سوء فهم أو تضخيم في بعض الطروحات، مشيراً إلى أن الجهود مستمرة لمعالجة أي التباس بالتنسيق مع الجهات المعنية، وبالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والنقل.
كما أكد أن وزارة الأشغال والمديرية العامة للطيران المدني منخرطتان في متابعة هذا الملف، وأن التواصل مستمر بين مختلف الأطراف. وشدّد على أن المقاربة المعتمدة دائماً تقوم على تشجيع الحوار بين جميع الجهات، باعتبار أن استمرار الحوار يؤدي إلى تهدئة التوترات وحلّ الإشكالات بشكل تدريجي.
وفي ما يتعلق بشركة طيران الشرق الأوسط، أشار إلى أنها شركة عريقة تمتد خبرتها لعقود طويلة، وتتمتع بسجل تشغيلي معتبر ومعايير سلامة متقدمة، وهي خاضعة لرقابة مستمرة من قبل المديرية العامة للطيران المدني، التي تقوم بعمليات تدقيق دورية وشاملة على مختلف جوانب عمل الشركة.
وأوضح أن عمليات التدقيق لا تقتصر على الهيئة المحلية، بل تشمل أيضاً تدقيقات دولية منتظمة، إضافة إلى عمليات تفتيش ميدانية تشمل الطائرات والعمليات التشغيلية، حيث يتم تطبيق إجراءات تدقيق وسلامة وفق المعايير الدولية المعتمدة.
وختم بالتأكيد أن نتائج هذه التدقيقات بشكل عام إيجابية، وأن نظام الرقابة المعتمد يضمن الالتزام بمعايير السلامة، مع استمرار العمل على تعزيز هذا الإطار التنظيمي بشكل دائم، بما يضمن أعلى مستويات السلامة في قطاع الطيران.



