الرئيسية اقتصاد لبنان عمال خلف الشاشات بلا حماية: من يمثل جيش الاقتصاد الرقمي في لبنان؟

عمال خلف الشاشات بلا حماية: من يمثل جيش الاقتصاد الرقمي في لبنان؟

مع التطور التكنولوجي تغيّرت طبيعة العمل والأعمال، وتبدلت معها حاجات العمال، ولكن النقابات العمالية لم تواكب هذه التغييرات، إذ بيت التشريعات العمالية لا سيّما في لبنان أسيرة مفاهيم تقليدية.

لم يعد العامل في القرن الحادي والعشرين ذلك الموظف الذي يدخل إلى مصنع أو مكتب في ساعة محددة ويغادره عند انتهاء دوامه. لقد أنتجت الثورة الرقمية نموذجًا جديدًا من العمل، تجاوز الحدود الجغرافية والقوانين التقليدية وأنماط التشغيل المعروفة.

اليوم يمكن للعامل في بلد أن يقوم بعمل مأجور في بلد ثان لم يدس فيه عبر تقديم خدمات على منصات الكترونية عالمية لزبائن في الولايات المتحدة ودول آسيا مثلاً، أو يمكن أن يقود سيارة أجرة عبر تطبيق إلكتروني يحدد له طبيعة العمل والأجر وشروط التشغيل من خلال خوارزميات لا يراها ولا يعرف من يديرها.

هذا التحول الهائل الذي فرضه الاقتصاد الرقمي خلق فرصًا جديدة للعمل والإنتاج، لكنه في المقابل أوجد تحديات غير مسبوقة تتعلق بالحقوق العمالية والحماية الاجتماعية والتنظيم النقابي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما زالت النقابات قادرة على تمثيل العاملين في الاقتصاد الرقمي؟ وإذا كانت قادرة، فما هي الأدوات الجديدة التي يجب أن تعتمدها للقيام بهذا الدور؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في لبنان، حيث دفع الانهيار الاقتصادي آلاف الشباب إلى البحث عن مصادر دخل عبر المنصات الرقمية والعمل عن بعد.

يقوم الاقتصاد الرقمي على مجموعة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالتكنولوجيا والاتصالات والإنترنت. ويشمل العاملين في البرمجة والتصميم والتسويق الرقمي وإدارة المحتوى وخدمات التوصيل والنقل والتجارة الإلكترونية والعمل الحر عبر المنصات الإلكترونية. وتتميز هذه الفئات بكونها غالبًا خارج الأطر التقليدية للعمل، فلا يوجد مكان عمل ثابت يجمعها، ولا عقود عمل واضحة في كثير من الأحيان، ولا جهة تشغيل محددة يمكن التفاوض معها كما هو الحال في المؤسسات التقليدية.

تكمن المشكلة الأساسية في أن التشريعات العمالية اللبنانية ما زالت إلى حد كبير أسيرة مفاهيم تقليدية نشأت في زمن المصانع والمكاتب الثابتة

في لبنان، تزايد الاعتماد على هذا النوع من العمل بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. فمع انهيار قيمة العملة الوطنية وتراجع فرص العمل المحلية، وجد كثير من الشباب اللبناني في المنصات الرقمية فرصة للوصول إلى أسواق عالمية تتيح لهم الحصول على دخل بالعملات الأجنبية. غير أن هذه الفرصة تحولت في كثير من الأحيان إلى مساحة واسعة من الهشاشة المهنية، حيث يعمل الآلاف دون ضمان اجتماعي أو تغطية صحية أو تعويضات نهاية خدمة أو حماية قانونية فعالة.

تكمن المشكلة الأساسية في أن التشريعات العمالية اللبنانية ما زالت إلى حد كبير أسيرة مفاهيم تقليدية نشأت في زمن المصانع والمكاتب الثابتة. فالقوانين الحالية تفترض وجود صاحب عمل واضح وعلاقة عمل مباشرة ومكان عمل محدد، بينما يقوم الاقتصاد الرقمي على أنماط أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فالعامل على إحدى المنصات الرقمية قد يكون خاضعًا عمليًا لإدارة المنصة التي تحدد له الأجر وشروط العمل، لكنه قانونيًا يصنف أحيانًا كـ”متعاقد مستقل”، ما يحرم العامل من العديد من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الأجراء.

من هنا تبرز أهمية الدور النقابي. فالنقابات لم تنشأ تاريخيًا للدفاع عن فئة محددة من العمال بقدر ما نشأت للدفاع عن الحق في العمل اللائق والعدالة الاجتماعية والتوازن في العلاقة بين العمل ورأس المال. وإذا كانت الثورة الصناعية قد أوجدت الحاجة إلى النقابات في القرن التاسع عشر، فإن الثورة الرقمية تجعل الحاجة إليها أكثر إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين.

لكن نجاح النقابات في تمثيل العاملين في الاقتصاد الرقمي يتطلب منها أولًا الاعتراف بأن طبيعة الطبقة العاملة نفسها قد تغيرت. فلم يعد العامل الرقمي يرتدي الخوذة في مصنع أو يجلس خلف مكتب في مؤسسة تقليدية، بل قد يكون مبرمجًا يعمل من منزله، أو مصممًا مستقلاً، أو سائقًا يتلقى التعليمات عبر تطبيق إلكتروني، أو منشئ محتوى يعتمد على المنصات الرقمية لتحقيق دخله. إن تجاهل هذه الفئات يعني عمليًا التخلي عن شريحة متنامية من القوى العاملة.

كما يتطلب الأمر تطوير أدوات تنظيمية جديدة تتناسب مع طبيعة هذا القطاع. فالنقابة التي تعتمد فقط على الاجتماعات الحضورية والانتساب الورقي ستجد صعوبة في الوصول إلى العاملين المنتشرين في مختلف المناطق والدول. ولذلك بات من الضروري اعتماد منصات رقمية للنقابات نفسها، تسمح بالتواصل السريع، وإجراء الاستطلاعات، وتنظيم الحملات، وتقديم الاستشارات القانونية والمهنية عبر الوسائل الإلكترونية.

ويكتسب البعد الحقوقي أهمية خاصة في هذا السياق. فالعامل الرقمي يواجه تحديات متعددة تبدأ من عدم وضوح العقود وتنتهي بمراقبة الأداء بواسطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وفي كثير من الحالات لا يعرف العامل كيف يتم احتساب أجره أو تقييم أدائه أو حتى أسباب إيقاف حسابه على إحدى المنصات. وهذا يطرح أسئلة قانونية وأخلاقية حول الشفافية والخصوصية والحق في الاعتراض والمراجعة.

ومن هنا ينبغي على النقابات اللبنانية أن تلعب دورًا فاعلًا في المطالبة بتحديث التشريعات الوطنية بما ينسجم مع التحولات الرقمية. فالمطلوب ليس فقط الاعتراف القانوني بالعاملين في المنصات الرقمية، بل أيضًا ضمان حقهم في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي والتقاعد.

وتشير التجارب الدولية إلى أن هذا المسار ليس مستحيلاً. فقد شهدت دول عديدة خلال السنوات الأخيرة محاولات ناجحة لتنظيم العاملين في تطبيقات النقل والتوصيل والعمل الحر الرقمي، وفرضت بعض الحكومات على الشركات المالكة للمنصات التزامات جديدة تتعلق بالحقوق العمالية والضمانات الاجتماعية. كما ظهرت أشكال حديثة من النقابات الرقمية التي تستخدم التكنولوجيا نفسها للدفاع عن العاملين المتأثرين بها.

في لبنان، تبدو الفرصة متاحة أمام الحركة النقابية لإعادة تجديد دورها التاريخي من خلال الانفتاح على الاقتصاد الرقمي بدل النظر إليه كقطاع هامشي أو مؤقت. فالأجيال الجديدة من العاملين تحتاج إلى تمثيل نقابي يعبر عن همومها الحقيقية، ويتحدث بلغتها، ويفهم طبيعة التحديات التي تواجهها في بيئة العمل الرقمية.

يقوم الاقتصاد الرقمي على مجموعة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالتكنولوجيا والاتصالات والإنترنت

إن مستقبل العمل في لبنان لن يتحدد فقط في المصانع والمؤسسات التقليدية، بل أيضًا على شاشات الحواسيب والهواتف الذكية وفي الفضاء الإلكتروني الذي بات يشكل ساحة إنتاج حقيقية. ولذلك فإن قدرة النقابات على التكيف مع هذا الواقع الجديد ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد مدى قدرتها على البقاء والتأثير في العقود المقبلة.

فالاقتصاد الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول اجتماعي واقتصادي عميق يعيد رسم العلاقة بين العامل والعمل ورأس المال. وفي مواجهة هذا التحول، تبقى النقابات أمام اختبار تاريخي: إما أن تنجح في تمثيل العمال حيثما وجدوا، سواء في المصنع أو خلف الشاشة، وإما أن تخسر جزءًا متزايدًا من دورها لمصلحة قوى السوق والخوارزميات. ومن هنا فإن الدفاع عن العامل الرقمي ليس مهمة مستقبلية مؤجلة، بل هو أحد أهم معارك العدالة الاجتماعية وحقوق العمل في لبنان اليوم.

مصدرجريدة الأخبار - عماد ياغي
المادة السابقةالألياف الضوئية: الاستيراد نفسه خلال 3 سنوات
المقالة القادمةخطوة اقتصادية جديدة.. فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية