الرئيسية اقتصاد لبنان القرض الحسن أمام القضاء… من يحاسب المصارف وينصف المودعين؟

القرض الحسن أمام القضاء… من يحاسب المصارف وينصف المودعين؟

أعاد تحرّك وزارة العدل في ملف “القرض الحسن” فتح نقاش قديم حول مشروعيّة عمل المؤسسة التي تمارس أنشطة مصرفية، بينها إيداع وإقراض، خارج الأطر القانونية والرقابية الرسمية، وهو ما يشكّل مخالفات بالجُملة تستوجب المعالجة. غير أنّ تحرّك وزير العدل عادل نصّار وإحالة مؤسسة القرض الحسن إلى النيابة العامة التمييزية، يأتي في توقيت يرتبط أيضاً بالضغوط الدولية على لبنان في ملفات مكافحة اقتصاد الكاش وما يفرز عنه من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وبالتزامن مع استحقاقات مجموعة العمل المالي (FATF)وسعي الدولة إلى تجنّب تشديد الإجراءات بحق القطاع المالي.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن فصل ملف القرض الحسن عن الواقع الذي أفرز تمدّده. فالمؤسسة توسّعت بشكل كبير بعد انهيار القطاع المصرفي عام 2019 وفقدان اللبنانيين الثقة بالمصارف، التي احتجزت أموالهم وفرضت قيوداً غير قانونية على السحوبات والتحويلات، ما دفع مئات آلاف اللبنانيين إلى البحث عن بدائل مالية خارج النظام المصرفي التقليدي، مع ضيق الخيارات بين الكاش والقرض الحسن.

من هنا يبرز السؤال الجوهري، إذا كانت مخالفات القرض الحسن تستدعي التحرّك القضائي اليوم، فلماذا لم نشهد اندفاعة مماثلة لمحاسبة المسؤولين عن أكبر أزمة مصرفية في تاريخ لبنان وإنصاف نحو 1.5 مليون مودع تضرّروا من احتجاز أموالهم واقتطاعها والتنكيل بها؟

لماذا الآن؟

أحال وزير العدل مؤسسة القرض الحسن الى النيابة العامة التمييزيّة للتحقيق من عملها خلافاً للقانون والتراخيص المعطاة لها. تأتي الإحالة عشية انعقاد اجتماعات مجموعة العمل المالي (FATF) السنوية في باريس والتي من المقرر أن تمتد من اليوم 15 حزيران حتى 19 منه، ومن المتوقع أن تشهد إحدى جلسات المجموعة مراجعة وتقييم ملف لبنان في ما يخص مكافحة تبييض الأموال.

ولا تنفصل تلك المراجعة عن الضغوط الدولية والأميركية المتعلقة بمسارات تمويل حزب الله، وعلى رأسها القرض الحسن التي يُنظر إليها كـ”ذراع مالية للحزب”. من هنا تُبنى مراجعة الملف اللبنانية على مدى وكيفية تعامله مع المؤسسات المالية التابعة لحزب الله، وذلك من بوابة ربط الملف بمسألة اقتصاد الكاش والقطاع المالي الموازي.

يأتي تحرك وزير العدل في إطار محاولة لبنان تجنب الانتقال من اللائحة الرمادية إلى مرحلة أكثر تشدداً وهي اللائحة السوداء. لكن وبحسب مصادر متابعة للملف المالي فإنه من غير المتوقع شطب اسم لبنان عن اللائحة الرمادية، لا بل أن أقصى ما يسعى إليه الوفد اللبناني أمام FATF هو إمهاله حتى الخريف المقبل موعد انعقاد جلساتها المقبلة في تشرين الأول، لتحقيق تقدم في مسار مكافحة اقتصاد الكاش والتعامل مع القرض الحسن.

أمّا ما يسعى لتحقيقه لبنان من خلال إحالة القرض الحسن إلى القضاء وحتى لو تم إغلاقها، وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي، فإنه لن يُشكّل حلاً لاقتصاد الكاش، فالتشدّد اللبناني حيال القرض الحسن، لا يقابله أيُّ تقدّم على مستوى الملفات الأخرى التي بدورها ساهمت بشكل مباشر في إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، وعلى رأسها أزمة القطاع المصرفي. لذلك يبقى مستبعداً إخراج لبنان من اللائحة الرمادية من دون مقاربة شاملة ومتزامنة لكل الإصلاحات المصرفية والمالية. فالأزمة تتطلب إعادة هيكلة جدّية للقطاع المصرفي، وتصفية المصارف غير القابلة للاستمرار، بالتوازي مع تفكيك المؤسسات المالية غير المرخّصة والتشدّد في مكافحة التهرّب الجمركي.

وإذا كانت الولايات المتحّدة متشدّدة بملف إغلاق القرض الحسن لاعتبارات سياسية، فإن مجموعة العمل المالي كرّرت في أكثر من لقاء وتقرير بأن الإصلاحات المصرفية المالية، تعدّ حزمة متكاملة لا يمكن تجزأتها قبل استعادة الثقة وشطب إسم لبنان عن اللائحة الرمادية.

بين مخالفات القرض الحسن والمصارف

لا شك أن مؤسسة القرض الحسن ارتكبت ولاتزال المخالفات القانونية لجهة ممارسة نشاط قبول الودائع أو الأمانات من الجمهور من دون ترخيص مصرفي، إلى جانب منح القروض بشكل رديف للنشاط المصرفي خارج إطار المؤسسات المرخّصة، وإن كانت القروض تُمنح تحت مسمّيات مختلفة. وبالنظر لكون مؤسسة “القرض الحسن” جمعية من حيث الهيكلية والعلم والخبر، فإن ممارستها للنشاط المصرفي لا يخضع لرقابة مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة ولكافة القواعد المفروضة على المصارف والمؤسسات المالية، في ما يتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

وتمتد مخالفات القرض الحسن إلى إدارة شبكة تحويلات ومدفوعات وأجهزة صراف آلي خاصة خارج النظام المصرفي الرسمي. بالإضافة إلى تداولها بكميات كبيرة من الذهب، واستعماله كضمانات مالية خارج الأطر المنظِّمة للقطاع المالي ولا حتى لقطاع الإتجار بالذهب.

وبصرف النظر عن موقف المؤيدين أو المعارضين لمؤسسة القرض الحسن فإن كل تلك المخالفات، تشكّل معبر بشكل أو بآخر لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ولكن من يسعى اليوم لمعالجة تلك المخالفات بإغلاق المؤسسة كلّياً، متجاهلاً مئات الآلاف من العائلات المستفيدة منها، كمن يقول للبنانيين إن للقانون معايير مزدوجة، يُطبّق تحت عباءة الاعتبارات السياسية لا اعتبارات المصلحة العامة.

وإن كان للمصلحة العامة مكان في حسابات وزارة العدل، فحريٌّ بها فتح ملف القطاع المصرفي والمؤسسات الرقابية بالتوازي مع ملف القرض الحسن. فالمصارف عندما احتجزت أموال المودعين منذ نهاية العام 2019 وحتى اللحظة، وفرضت قيوداً على السحوبات والتحويلات لم تستند إلى أيّ قانون. عندما ميّزت بين المودعين بالتحويلات إلى الخارج لصالح الفئة النافذة، وعندما اقتطعت من الودائع عبر عمليات السحب على أسعار صرف أدنى من سعر السوق، وفرضت هيركات مقنّع لم تستند لأيّ قانون لا بل أنها خالفت كل القوانين التي ترعى وتحمي حقوق المودعين.

ازواجية المعايير

أمام كل تلك الجرائم وسواها وأمام وقوف الهيئات الرقابية وتحديداً لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة موقف المتفرّج، لم يُحاسب أي مصرف أو مسؤول مصرفي بصورة تتناسب مع حجم الأزمة. ضاعت حقوق أكثر من مليون و500 ألف مودع من دون أن يرمش جفن أيّ وزير للعدل مرّ على لبنان منذ عام 2019.

في المحصلة، إن كانت مخالفات “القرض الحسن” تستوجب المعالجة، فإن العدالة تقتضي أيضاً معالجة الانتهاكات التي تعرّض لها المودعون منذ العام 2019. والتحدي الحقيقي أمام الدولة اليوم ليس فقط إقفال أو تنظيم مؤسسة بعينها، بل استعادة الثقة بفرض سيادة القانون على جميع المرتكبين الماليين، من دون استثناء أو ازدواجية في المعايير.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةمؤسّسة مطار بيروت: استكمال الإطار التشغيلي والاستثماري
المقالة القادمةحرب على الأسماك ومراكب الصيادين: العدو يدمّر المرافئ جنوباً