يتجه سوق الاندماجات والاستحواذات العالمي إلى استعادة زخمه بعد سنوات من التباطؤ مع توقعات بأن تبلغ قيمة الصفقات مستوى قياسيا هذا العام، مدفوعة بانتعاش أسواق الأسهم وتراجع المخاوف التنظيمية وتوفر السيولة الضخمة لدى صناديق الاستثمار.
وترى المؤسسات المالية ومديري الأصول في وول ستريت أن الشركات باتت أكثر استعداداً لتنفيذ صفقات إستراتيجية لإعادة هيكلة أعمالها وتعزيز النمو.
وتوقع محللو بنك مورغان ستانلي أن تسجل سوق الاندماجات والاستحواذات العالمية رقما غير مسبوق، مع وصول إجمالي قيمة الصفقات إلى نحو6.4 تريليون دولار، متجاوزة المستوى القياسي المسجل في عام 2021.
6.4 تريليون دولار حجم صفقات القطاع خلال العام الحالي، بحسب بنك مورغان ستانلي
وتشكل هذه التوقعات إشارة من قبل بنك الاستثمار الأميركي، أحد أكبر مديري الأصول في العالم، إلى تعافي السوق بعد سنوات من الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة والتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
ويعتقد البنك أن موجة الانتعاش الحالية تستند إلى تحسن شهية المستثمرين، وارتفاع تقييمات الشركات في أسواق المال، فضلاً عن تزايد ثقة مجالس الإدارات في تنفيذ صفقات توسعية بعد فترة طويلة من الحذر.
وكانت سوق الاندماجات والاستحواذات قد تعرضت لضغوط منذ 2022 مع تشديد السياسات النقدية عالمياً وارتفاع تكاليف الاقتراض، وهو ما أدى إلى تراجع نشاط الصفقات الكبرى، لاسيما تلك التي تعتمد على التمويل بالدين.
ويشير محللو مورغان ستانلي في مذكرة للمتعاملين أوردتها وكالة رويترز الخميس إلى أن الزخم تسارع بصورة ملحوظة خلال الربع الثاني من هذا العام، حيث ارتفع عدد الصفقات المعلنة بأكثر من 64 في المئة بمقارنة سنوية.
وتظهر البيانات أن عدد الصفقات المكتملة زاد بأكثر من 33 في المئة على أساس سنوي، في أداء يعكس عودة النشاط إلى مستويات قوية.
وقادت قطاعات البرمجيات، والمرافق، والطاقة، والرعاية الصحية هذا النمو، في ظل سعي الشركات إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية، وتوسيع أعمالها، والاستفادة من التحولات المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتحول في أسواق الطاقة.
أبرز عوامل الداعمة لازدهار نشاط القطاع هو امتلاك شركات الاستثمار المباشر ومديري الأصول البديلة سيولة تقدر بنحو4.3 تريليون دولار
ورغم أن الحرب في الشرق الأوسط والمخاوف المرتبطة بالتطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي أثرت سلباً في معنويات المستثمرين خلال الأشهر الأولى من العام، فإن أسواق المال، ولاسيما في وول ستريت، سرعان ما استعادت ثقتها.
وكان ذلك مدفوعا بالأداء القوي لأسواق الأسهم وتوقعات استمرار النشاط الاقتصادي. كما عززت البيئة التنظيمية الجديدة في الولايات المتحدة تفاؤل الشركات بإتمام الصفقات الكبرى.
ووفقاً لمحللي مورغان ستانلي، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبنت نهجاً أكثر مرونة تجاه عمليات الاندماج والاستحواذ مقارنة بالفترة السابقة، وهو ما خفف المخاوف المتعلقة بتشديد تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار.
وقال محللو البنك إن “هذه البيئة التنظيمية الأكثر انفتاحاً توفر ظروفاً أفضل لإبرام الصفقات، حتى مع استمرار التدقيق في بعض العمليات الكبرى التي قد تؤثر في المنافسة داخل قطاعات محددة.”
ويتوقع مورغان ستانلي أن تتوسع فرص تنفيذ صفقات جديدة مع انحسار الضبابية الجيوسياسية تدريجياً، ما سيدفع الشركات إلى إعادة هيكلة محافظها الاستثمارية، والتخارج من بعض الأنشطة، والاستحواذ على أصول جديدة لتعزيز النمو والربحية.
ومن أبرز العوامل التي تدعم استمرار هذه الموجة، امتلاك شركات الاستثمار المباشر ومديري الأصول البديلة سيولة تقدر بنحو4.3 تريليون دولار، وهي رؤوس أموال جاهزة للتوظيف في صفقات جديدة، ما يمنح السوق دعماً إضافياً خلال الفترة المقبلة.
وقد ارتفع عدد الصفقات المدعومة من شركات الاستثمار المباشر بأكثر من 10 في المئة خلال الفترة بين أبريل ويونيو الماضيين، في مؤشر على عودة هذه المؤسسات إلى النشاط بعد فترة من التريث بسبب ارتفاع تكاليف التمويل.
إيرادات الاندماجات والاستحواذات وإصدارات الأسهم والسندات تشكل محورا مهما، باعتبارها مقياساً مبكراً لقوة دورة الصفقات العالمية خلال النصف الثاني من العام.
ورغم النظرة المتفائلة، حذر مورغان ستانلي من أن عودة الضغوط التضخمية أو ارتفاع الفائدة مجدداً قد تمثل أكبر تهديد لاستمرار الانتعاش، إذ تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض إلى تقليص جدوى الصفقات، خاصة تلك التي تعتمد على التمويل بالرافعة المالية.
ومع ذلك، يرى البنك أن السوق أظهر خلال الأشهر الأخيرة قدرة لافتة على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية، مما يعزز التوقعات باستمرار الزخم إذا استقرت الأوضاع المالية والجيوسياسية.
وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى نتائج أعمال البنوك الأميركية الكبرى عن الربع الثاني، والتي يُنتظر أن توفر مؤشرات أوضح بشأن نشاط الخدمات المصرفية الاستثمارية.
وتشكل إيرادات الاندماجات والاستحواذات وإصدارات الأسهم والسندات محورا لذلك، باعتبارها مقياساً مبكراً لقوة دورة الصفقات العالمية خلال النصف الثاني من العام.
ويشير هذا المشهد إلى أن سوق الاندماجات والاستحواذات قد تكون مقبلة على دورة توسع جديدة، مدفوعة بتلاقي عدة عوامل، أبرزها تحسن بيئة التمويل، وارتفاع السيولة، واستقرار الأوضاع التنظيمية.
كما أن عودة الشركات إلى تبني استراتيجيات نمو تعتمد على الاستحواذات سيكون من بين أبرز المحددات، في وقت تتزايد فيه المنافسة على الأصول النوعية في مختلف القطاعات الاقتصادية.



