الرئيسية اقتصاد دولی روسيا تراهن على اللوجستيات لإعادة تموضعها في سوريا

روسيا تراهن على اللوجستيات لإعادة تموضعها في سوريا

أكد مسؤولون سوريون أن روسيا تأمل في أن يكون مركزها اللوجستي التجاري جاهزا وعاملا بحلول منتصف يوليو الحالي في أحد الرصيفين التابعين للقاعدة البحرية التي تستأجرها بميناء طرطوس، مع الحفاظ على وجود عسكري في الرصيف الآخر.

وقال أحد المسؤولين امس الخميس إن “المركز سيتولى مناولة مجموعة واسعة من البضائع الروسية، بما في ذلك القمح والحبوب، ويستهدف حجم شحنات أولي يبلغ نحو 250 ألف طن شهريا.”

والمشروع محوري في الجهود الروسية الرامية إلى الحفاظ على نفوذها في سوريا وتوسيعه عبر القنوات الاقتصادية، بعدما أدت الإطاحة ببشار ‌الأسد في 2024 إلى حرمان موسكو من أقوى حليف لها في الشرق الأوسط.

شركة روس لاين السورية للخدمات اللوجستية تعكف على تطوير المشروع بالتعاون مع شركات روسية تندرج تحت مظلة مجلس الأعمال الروسي – السوري.

لكن أهمية المشروع تتجاوز البعد التجاري، إذ تدور معركة على النفوذ في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى ضمان ألا تمنح سوريا العقود للشركات الأميركية فحسب، بل أن تحد أيضا من الوجود العسكري لموسكو.

حليف قديم وواقع جديد

دعمت موسكو سوريا لعقود، وتدخلت عسكريا في 2015 لدعم النظام السابق في حرب استمرت 14 عاما.

وأثار سقوط بشار الأسد تساؤلات بشأن مستقبل اتفاقية الإيجار التي بموجبها تمتلك روسيا قاعدتها البحرية في طرطوس على ساحل المتوسط، ومصير قاعدتها العسكرية في حميميم، بجنوب شرق مدينة اللاذقية.

ومنذ الإطاحة بنظام الأسد، تسعى دمشق إلى توثيق علاقاتها مع الدول الغربية ودول الخليج، مع الاستمرار في التعاون مع موسكو في مجالات تشمل الطاقة واستيراد المواد الغذائية والعلاقات العسكرية.

وتتفاوض موسكو وسوريا حاليا على مستقبل القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم.

وفي 2025، ألغت الحكومة السورية الجديدة عقدا مدته 49 عاما يمنح شركة ستروي ترانس جاز الروسية الحق في تطوير منشآت تجارية في طرطوس.

وحصلت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية على اتفاقية امتياز بقيمة 800 مليون دولار لمدة 30 عاما لإعادة تطوير الميناء وتشغيله.

لكن في السادس من يونيو الماضي، أعلن مجلس الأعمال الروسي – السوري، وهو هيئة تعمل تحت إشراف وزارة الصناعة والتجارة الروسية، عن خطط لإنشاء “مركز تجميع وتوزيع للسلع الروسية” في طرطوس.

وقدم المسؤولون الذين قابلتهم رويترز، بالإضافة إلى البيانات والوثائق الصادرة عن الشركات التي راجعتها الوكالة، مزيدا من التفاصيل بشأن هذه الخطط، بما في ذلك الموعد المقرر لبدء التشغيل والموقع بدقة وحجم البضائع التي ستتم مناولتها.

وتعكف شركة روس لاين السورية للخدمات اللوجستية على تطوير المشروع بالتعاون مع شركات روسية تندرج تحت مظلة مجلس الأعمال الروسي – السوري.

ويقول منظمو المشروع إنهم اتفقوا مع الصندوق السيادي السوري على الإدارة المشتركة للمركز اللوجستي، مما يوفر صلة مباشرة بأهم أداة استثمارية للدولة.

وقال أسامة عجاج مدير عام روس لاين والمستشار لدى مجلس الأعمال الروسي – السوري، إن “المركز سيتولى في البداية مناولة القمح الروسي والحبوب وعلف الحيوانات والزيوت النباتية والأخشاب والصلب والكلنكر والفحم والأرز والسكر والزيوت المعدنية.”

وقال جينان موبادا الرئيس التنفيذي للشركة إن “المركز سيعمل من الرصيف رقم 4 في ميناء طرطوس،” في ما وصفه عجاج “بالمنطقة المحظورة” التابعة للقاعدة البحرية. ويظل الرصيف الآخر مخصصا للعمليات البحرية الروسية.

نقطة تحول

لم تدل الحكومة الروسية بتعليقات في هذا الصدد. لكن ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية، قالت في يونيو إن موسكو ودمشق تبحثان إمكانية “إعادة هيكلة” المنشآت العسكرية الروسية في سوريا، وإن التعاون بين البلدين يتطور بنشاط.

وقال عجاج لرويترز إن الهدف في البداية شحن أحجام تبلغ نحو 250 ألف طن شهريا، ومن المتوقع أن تبدأ العمليات في منتصف يوليو من خلال شحنة حبوب تبلغ 30 ألف طن. وأشار إلى أن روسيا ستبقي على “وجود عسكري أقل حجما”.

وقال عجاج ومسؤولان من وزارة الخارجية السورية إن “المشروع طرح خلال اجتماع عقد في موسكو في 28 يناير بين الرئيسين السوري أحمد الشرع والروسي فلاديمير بوتين.” ووصف المسؤولون الاجتماع بأنه نقطة تحول في جهود تعزيز التعاون الاقتصادي.

ويهدف المشروع إلى إنشاء مسار بحري منتظم بين ميناء نوفوروسيسك الروسي المطل على البحر الأسود ومدينة طرطوس، حيث سيجري توزيع البضائع في جميع أنحاء سوريا والدول المجاورة.

وحدد ‌عجاج العراق والأردن باعتبارها أبرز الأسواق المستهدفة، تليها السعودية والكويت وقطر والبحرين.

وذكرت وثيقة مفاهيم أعدها مجلس الأعمال الروسي – السوري في مايو أن المشروع يتضمن الاستعانة بشركات أمنية سورية خاصة لحماية الشحنات عند الضرورة. واستبعدت الوثيقة مشاركة شركات أمنية روسية.

ترقب أميركي

من المتوقع أن يعزز المركز اللوجستي التجاري الدور الاقتصادي الكبير الذي ‌تلعبه موسكو بالفعل في سوريا.

وأظهرت وثيقة جمركية سورية أن نحو 85 في المئة من واردات سوريا من القمح، أي 2.9 مليون طن خلال موسم 2025 – 2026، يجري استيرادها من روسيا وشبه جزيرة القرم التي تحتلها.

وأفادت رويترز بأن اعتماد سوريا على واردات النفط الخام الروسي ارتفع منذ الإطاحة بالأسد، فقد استوردت دمشق نحو 16.8 مليون برميل من النفط الروسي في 2025، وما يقدر بنحو 60 ألف برميل يوميا في الأشهر الأولى من عام 2026.

ميناء نوفوروسيسك

وذكر مصدر مخابراتي مطلع على تقرير سري لجهاز المخابرات العسكرية ‌الروسي (جي.آر.يو) إلى الإدارة الرئاسية الروسية في ديسمبر 2025 أن الجهاز أوصى بزيادة الدعم والاستثمار للجهات الاقتصادية القادرة على تعزيز النفوذ الروسي في سوريا.

وذكر المصدر أن التقرير حدد لؤي يوسف، رئيس مجلس الأعمال الروسي – السوري، بوصفه شخصية يمكن لموسكو التعويل عليها في متابعة تلك الإستراتيجية.

وبحسب اثنان من المقربين من يوسف، فقد شغل مناصب عليا مختلفة في منظمات روسية سورية، وكان مستشارا لشؤون سوريا لدى يونس بك يفكوروف نائب وزير الدفاع الروسي.

ولم يرد يوسف، الذي أعلن أنه أصبح الآن مستشارا للجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي، أو المجلس الأعلى، على طلبات للتعليق.

المركز سيتولى في البداية مناولة القمح الروسي والحبوب وعلف الحيوانات والزيوت النباتية والأخشاب والصلب والكلنكر والفحم والأرز والسكر والزيوت المعدنية

وقال نانار حواش، كبير مستشاري سوريا لدى مجموعة الأزمات الدولية، إن المشروع قد يساعد روسيا في الحفاظ على نفوذها بغض النظر عن الشكل النهائي لوجودها العسكري.

وأضاف “نفوذ روسيا في سوريا يتوقف على ما تقدمه وتحافظ عليه، وعلى تصويتها في مجلس الأمن، الأمر الذي يمنحها نفوذا يدوم أطول من أي سحب للقوات”.

وتابع “يعزز الدور اللوجستي ذلك من خلال إبقاء روسيا حاضرة فعليا في الميناء، مما يعزز موقفها لحين تحديد مستقبل القاعدة”.

وفي الوقت نفسه، تراقب الولايات المتحدة الوضع عن كثب. وحصل عضو الكونغرس جو ويلسون الشهر الماضي على تعديل لميزانية وزارة الدفاع الأميركية يوجهها لتقييم الخيارات المتاحة للحد من نفوذ روسيا في سوريا وتأمين انسحاب قواتها من طرطوس وحميميم.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية ردا على أسئلة من رويترز “نراقب عن كثب المشاريع التجارية واللوجستية المدعومة من روسيا في سوريا، ونشعر بالقلق من أن مثل هذه المبادرات ربما لا تسهم في استقرار البلاد”.

وأضاف أن واشنطن تشجع سوريا على إشراك “شركاء من الشركات الموثوقة، لا سيما الشركات الأميركية” خلال عملية تعافي البلاد وإعادة إعمارها بعد حربها الأهلية، بينما تحث دمشق على احترام العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةوول ستريت تترقب أقوى موجة اندماجات واستحواذات منذ 2021
المقالة القادمةأداء أعمال الشركات الخليجية يختبر كلفة حرب الشرق الأوسط