لم يعد الحديث عن إحياء خط الحجاز مجرد استعادة لخط سكة حديد عثماني قديم كان يربط دمشق بالمدينة المنورة، بل بات جزءاً من معركة أوسع على خرائط التجارة والنفوذ في الشرق الأوسط. فالتعاون المتنامي بين السعودية وتركيا في مجالات النقل والخدمات اللوجستية يفتح الباب أمام تصور استراتيجي طويل الأمد، ممر بري يربط الخليج بتركيا، ومنها إلى أوروبا، عبر الأردن وسوريا ولبنان في مراحل لاحقة.
تاريخياً، حمل خط الحجاز بعدين متداخلين، دينياً لتسهيل انتقال الحجاج إلى الحجاز، وسياسياً وعسكرياً لربط أطراف الدولة العثمانية بمركزها. وكان للخط الحجاز فرع مهم إلى حيفا، وهذا ما منح فلسطين التاريخية موقعاً بارزاً في شبكات النقل الإقليمية.
من الذاكرة العثمانية إلى خريطة التجارة الجديدة
المشروع المطروح اليوم لا يقوم بالضرورة على إحياء الخط التاريخي بحذافيره، بل على بناء شبكة حديثة تستفيد من رمزيته ومساره العام. السعودية تملك طموحاً معلناً للتحول إلى مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية، وتركيا تسعى إلى تعزيز موقعها بوصفها بوابة آسيوية إلى أوروبا. وبين الطرفين، تظهر الأردن وسوريا كحلقتين ضروريتين في أي ربط بري مستقبلي بين الخليج والبحر المتوسط ثم أوروبا.
لكن هذا التصور لا يزال طويل الأمد ومحفوفا بتحديات كبيرة، أبرزها الوضع الأمني والسياسي في سوريا، وحاجة الشبكات المختلفة إلى تمويل ضخم وتنسيق فني وحدودي. ومع ذلك، فإن قيمة المشروع لا تكمن فقط في إنجازه السريع، بل في كونه مؤشرا على اتجاه إقليمي جديد، البحث عن ممرات بديلة تقلل الاعتماد على البحر الأحمر، ومضيق هرمز، والموانئ التقليدية، وتمنح دول المنطقة قدرة أكبر على التحكم بسلاسل الإمداد.
لماذا تخشى إسرائيل من ممر لا يمر بها؟
هنا يبدأ القلق الإسرائيلي. فإسرائيل عملت خلال السنوات الماضية على تقديم نفسها بوصفها جسرا طبيعيا بين الخليج وأوروبا، خصوصاً بعد طرح ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا، الذي كان يمنحها موقعا محوريا عبر موانئها وسككها وربطها المحتمل بالسعودية في حال تحقق التطبيع. لكن ممراً سعودياً تركياً عبر الأردن وسوريا يطرح تصوراً منافساً، الخليج يستطيع الوصول إلى أوروبا من دون المرور بحيفا أو أشدود أو البنية التحتية الإسرائيلية.
لهذا فإن المسألة لا تتعلق بسكة حديد فقط، بل بمكانة إسرائيل في الاقتصاد الإقليمي المقبل. فإذا نشأت شبكة برية تربط السعودية وتركيا، وتتحول لاحقا إلى ممر خليجي أوروبي، فقد تجد تل أبيب نفسها أقل قدرة على تسويق دورها كعقدة عبور لا غنى عنها. وهذا يعني خسارة محتملة في النفوذ، لا في عائدات النقل وحدها. فالممرات التجارية تصنع علاقات سياسية، وتعيد ترتيب التحالفات، وتخلق اعتماداً متبادلاً بين الدول التي تمر عبرها.
كما أن نجاح مثل هذا الربط سيعزز الحضور التركي في المشرق، ويمنح السعودية ورقة إضافية في موازنة علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب وأنقرة وبكين. ومن منظور إسرائيلي، فإن أي تقارب سعودي تركي أردني سوري في ملف البنية التحتية قد يعني نشوء فضاء اقتصادي لا تكون إسرائيل مركزه، بل قد تكون خارجه تماماً.
رسالة ريغف، حين يصبح النقل ملف أمن قومي
من هنا يمكن فهم أهمية ما نقل عن رسالة وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغف إلى بنيامين نتنياهو. فالرسالة، تبدو غير عادية لأنها تنقل النقاش من مستوى فني يتعلق بالطرق والسكك إلى مستوى استراتيجي يتعلق بموقع إسرائيل في المنطقة. أن تحذر وزيرة نقل من تداعيات مشاريع إقليمية يعني أن البنية التحتية لم تعد ملفا اقتصاديا فقط، بل باتت جزءا من الأمن القومي الإسرائيلي.
غير العادي أيضا أن الرسالة تأتي في لحظة تشعر فيها إسرائيل بأن محيطها يتحرك من دونها. الحرب في غزة أضعفت صورتها الإقليمية، والتطبيع مع السعودية تعثر، والممرات البديلة بدأت تطرح بصيغ لا تمنح تل أبيب موقعا مضمونا. لذلك قد تكون رسالة ريغف محاولة لدفع الحكومة إلى التحرك سريعاً، إحياء مشاريع الربط مع الخليج، تسريع تطوير الموانئ والسكك، أو الضغط سياسيا لمنع تحول الممر السعودي التركي إلى خيار مستقر.
قد لا يبدو إحياء خط الحجاز مشروعا قريب التنفيذ، بل فكرة استراتيجية طويلة الأمد. لكن أهمية الأفكار الكبرى أنها تغير الحسابات قبل أن تتحول إلى خرائط نهائية. وهذا تحديدا ما يقلق إسرائيل، أن تبدأ المنطقة برسم ممراتها الاقتصادية المقبلة من دون أن تكون تل أبيب في مركزها أو جزء منها.



