في وقت تتواصل فيه الضغوط المعيشية وتتآكل القدرة الشرائية للأجراء، يعود ملف الأجور وبدل النقل إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي، وسط محاولة لإيجاد صيغة توازن بين تحسين مداخيل العاملين وعدم تحميل المؤسسات والقطاعات الاقتصادية أعباء إضافية تفوق قدرتها على التحمل.
شكّل اجتماع لجنة المؤشر الأخير خطوة تمهيدية لإعادة فتح ملف الحد الأدنى للأجور، من دون أن يعني ذلك أن الطريق بات ممهدًا أمام إقرار رقم جديد في المدى القريب.
يؤكد رئيس الاتحاد العمالي العام ورئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارة الأسمر، لـ “نداء الوطن”، أن “الاجتماع الأخير للجنة المؤشر “كان بمثابة اجتماع تمهيدي لعدة اجتماعات لاحقة، يفترض أن تُعقد في أقرب فرصة ممكنة، لدرس مسألة رفع الحد الأدنى للأجور”. ويشير إلى أن “المقاربة لا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي والأمني والاجتماعي في لبنان، ولا عن مبدأ المساواة بين المناطق اللبنانية كافة”، لافتًا إلى أن “أي تحريك لمسألة الغلاء أو مسألة الحد الأدنى للأجور لا بد أن ينعكس على كل المناطق اللبنانية”.
المناطق المتضررة تفرض مقاربة مختلفة
يشرح الأسمر أن هذا الأمر “غير متوفر في الجنوب والبقاع والمناطق التي تعرضت لواقع عسكري صعب”، ما يفرض، برأيه، “التعامل مع ملف الأجور بحذر، منعًا لإحداث أضرار إضافية في المناطق التي لا تزال تعاني تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية”.
ويشدد على أن المرحلة المقبلة ستشهد “عدة اجتماعات لدراسة هذا الموضوع، ضمن عدم إحداث ضرر بالمناطق المتضررة أكثر وأكثر من الاعتداءات الإسرائيلية”، معتبرًا أن أي “قرار في شأن الحد الأدنى للأجور يجب أن يأخذ في الاعتبار التفاوت في الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف المناطق”.
تراجع الأعمال يُقيّد المؤسسات
في موازاة المطالب العمالية، يلفت الأسمر إلى أن “القطاعات بكاملها تشكو من ضعف وتراجع في أرقام الأعمال”، مؤكدًا أن “الوضع الاقتصادي يفرض بدوره قيودًا على أي زيادة مرتقبة في الأجور”.
ويشير إلى أن الأمور “لم تكن سيئة من قِبل بالنسبة إلى الهيئات الاقتصادية، وكان هناك نوع من الإصرار على الحوار”، لافتًا إلى أن المقاربة المطلوبة تقوم على “مبدأ المواءمة بين عدم الإضرار بحقوق الطبقة العاملة، وفي الوقت نفسه عدم التسبب بضرر بالنسبة إلى القطاعات الاقتصادية التي تعاني في مختلف المجالات”.
وبذلك، يضع الأسمر ملف الأجور أمام معادلة دقيقة: “تحسين مداخيل العمال وحماية قدرتهم الشرائية من جهة، وعدم دفع القطاعات الاقتصادية التي تعاني أصلا من تراجع الأعمال إلى مزيد من الضغوط من جهة أخرى”.
1200 دولار… الحد الأدنى
في ما يتعلق برؤية الاتحاد العمالي العام لمستوى الأجور، يكشف الأسمر أن الاتحاد أجرى دراسات خلصت إلى أن “الحد الأدنى للأجر اليوم يجب أن يكون بحدود 1200 دولار”، معتبرًا أن هذا الرقم يمثل “الحد الأدنى للعيش اللائق لعيلة مؤلفة من أربعة أشخاص”.
إلا أن الأسمر لا يغفل “الفجوة بين المستوى الذي يعتبره عادلا وبين إمكانية تطبيقه في الظروف الحالية”، إذ يؤكد أن “عملية تطبيق هذا الرقم تصطدم بعوائق اقتصادية وأمنية واجتماعية”.
ومن هنا، يوضح أن الاتحاد العمالي العام يسعى إلى “إيجاد حلول وسط”، انطلاقًا من ضرورة تحسن الوضع الأمني في البلد ككل، لأن “تحسنًا أمنيًا ينعكس إيجابًا على الوضع الاقتصادي ووضع الاستثمار، ويسهل كثيرًا مهمتنا بإعادة الحد الأدنى إلى سابق عهده”.
بدل النقل… آلية جديدة
في ملف بدل النقل، يكشف الأسمر عن التوصّل إلى اتفاق على “آلية جديدة”، تقوم على وضع حد أدنى لبدل النقل، على أن “يتحرك مع تحرك الأسعار العالمية للمحروقات”.
يأتي هذا التوجه في محاولة لربط بدل النقل بالتغيرات في كلفة المحروقات، بعدما أصبحت كلفة التنقل تشكل عبئًا متزايدًا على العاملين، وأحد العناصر الأساسية التي تستنزف جزءًا من دخلهم.
وبحسب الأسمر، فإن اعتماد آلية تتحرك وفق أسعار المحروقات من شأنه أن يجعل بدل النقل أكثر ارتباطًا بالكلفة الفعلية للانتقال، بدلا من بقائه رقمًا ثابتًا في ظل تغير أسعار المحروقات والظروف الاقتصادية.
رفع الحد الأدنى للأجور
عن إمكانية إقرار حد أدنى جديد للأجور في المدى القريب، يجيب الأسمر بأن الأمر “ممكن إذا الوضع الأمني سمح لنا بنوع من الهدوء والاستقرار مما ينسحب على الساحة الاقتصادية”.
ويؤكد أن “الوضع الأمني يرخي بظلاله على كل التحركات”، ما يجعل أي تقدم في ملف الأجور مرتبطًا إلى حد كبير بالاستقرار الأمني وانعكاساته المباشرة على الاقتصاد والاستثمار وقدرة القطاعات الإنتاجية على تحمّل أعباء إضافية.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى تحسين الحد الأدنى للأجور مطلبًا قائمًا بالنسبة إلى الاتحاد العمالي العام، لكن الانتقال من المطالبة إلى التطبيق لا يزال محكومًا بالظروف المحيطة. فبين أجر لا يكفي لتغطية متطلبات المعيشة، ومؤسسات تكافح للحفاظ على استمراريتها، وواقع أمني يفرض نفسه على الاقتصاد، تبدو أي زيادة في الأجور بحاجة إلى أرضية أكثر استقرارًا تسمح بتمويلها واستدامتها، فيما يبقى بدل النقل أحد الملفات الأكثر إلحاحًا لارتباطه المباشر بكلفة الوصول إلى العمل وبالقدرة الفعلية للعامل على الحفاظ على جزء من دخله.



