خلال الأسبوع الماضي، عقد النائب الثاني لحاكم مصرف لبنان مكرم بو نصار لقاءً إعلامياً، لعرض الإجراءات المتخذة على مستوى المصرف المركزي والإدارات العامّة، لتشجيع بطاقات الدفع ووسائل الدفع الإلكتروني، والحد من التعاملات النقديّة وتعزيز معايير الامتثال.
وفي اليوم نفسه، أصدرت شركة ماستركارد بياناً أعلن عن تعاون مع مصرف لبنان، ومختلف الأطراف المعنيّة، “لتسريع المدفوعات الرقميّة في مختلف أنحاء الجمهوريّة اللبنانيّة”. وكجزء من هذا التعاون، كشفت الشركة عن دعم لعدد من البرامج، التي تستهدف “تعزيز الشمول المالي” على المستوى الوطني، بما يشمل الوصول إلى “شريحة أوسع من العملاء”، والمشاركة بشكلٍ أكثر فعاليّة في الاقتصاد الرقمي.
الشمول المالي
بشكلٍ عام، يُقصد بالشمول المالي (Financial Inclusion) تمكين وتشجيع الأفراد والمؤسّسات على الوصول إلى الخدمات الماليّة الرسميّة، بشكلٍ مستدام وبكلفة معقولة. وقياس الشمول المالي، في أي دولة، يعتمد على جملة من المؤشّرات، مثل نسبة امتلاك الحسابات والبطاقات المصرفيّة، وانتشار نقاط الدفع الإلكتروني أو أجهزة السحب، والقدرة على الوصول إلى خدمات الإئتمان والادخار وغيرها. وفي أي دولة، يمثّل الشمول المالي هدفاً للمصارف المركزيّة، نظراً لدور الخدمات الماليّة في تمكين الشركات والأفراد اقتصادياً واجتماعياً، ونظراً لتكامل هذه الأدوات مع أهداف الشمول الاقتصادي؛ أي مشاركة مختلف الشرائح الاجتماعيّة في الفرص والأنشطة الاقتصاديّة القائمة.
في حالة لبنان، اكتسب مفهوم الشمول المالي أبعاداً أكثر حساسيّة. فانهيار الثقة بالمصارف، منذ 2019، دفع شريحة واسعة من اللبنانيين نحو إقصاء مالي قسري، ليتفشّى بذلك التعامل النقدي خارج النظام المصرفي. وهذا ما أفقد الدولة قدرتها على تتبع التدفقات النقديّة، ووسّع من رقعة الاقتصاد غير النظامي. وواقع من هذا النوع، بات بيئة خصبة لكل مخاطر تبييض الأموال، والتهرّب الضريبي. ولهذا السبب، باتت إعادة بناء الشمول المالي، والحد من اقتصاد الكاش، هدفاً لإعادة ضبط التدفقات الماليّة محلياً، كما للخروج من اللائحة الرماديّة لمجموعة العمل المالي. ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن فهم جهود السلطات اللبنانيّة على هذا المستوى.
الحركة التجاريّة
إحدى المؤشّرات التي يمكن تتبعها لفهم التقدّم الذي أحرزه لبنان على مستوى إعادة بناء الشمول، هو حجم الحركة التجاريّة المحليّة أو الداخليّة، التي تمر عبر القطاع المصرفي. ولهذه الغاية، كان مصرف لبنان قد أصدر التعميم رقم 165، الذي يسمح للمودعين -اعتباراً من 1 حزيران 2023- بالدفع عبر الشيكات “الفريش”؛ أي عبر السيولة غير الخاضعة للقيود على السحب أو التحويل إلى الخارج.
ولضمان نجاح هذه المبادرة، استحدث مصرف لبنان مقاصّة جديدة، منفصلة عن تلك المخصّصة للودائع الأخرى. وكان الغرض من هذا التعميم مزدوجاً: فهو يشجّع العملات على فتح حسابات جديدة بالليرة اللبنانيّة أو الدولار الأميركي، كما يحد من اعتماد البلاد على التعامل النقدي (الذي كان أحد أسباب إدراج لبنان على اللائحة الرماديّة). باختصار، يحاول مصرف لبنان هنا إعادة توطين التداول التجاري داخل القنوات المصرفيّة الرسميّة الخاضعة لرقابته.
آخر الأرقام المتاحة تشير إلى أنّ القيمة الإجماليّة لشيكات المقاصّة بالدولار “الفريش” ارتفعت إلى حدود 178.9 مليون دولار أميركي في تموز 2026؛ أي أكثر من ضعف القيمة المسجّلة خلال الفترة المماثلة من العام الماضي. مع الإشارة إلى أن هذه القيمة ارتفعت بنسبة طفيفة، بلغت 1.3 بالمئة، بين حزيران 2026 وتمّوز 2026.
ومع احتساب الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، ترتفع القيمة الإجماليّة للتداولات إلى مستوى 960.7 مليون دولار أميركي، أي ضعف القيمة المسجّلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والتي لم تتجاوز 437.9 مليون دولار أميركي. في المقابل، سجّلت شيكات المقاصة بالليرة اللبنانيّة حركة تداول تقترب من 415.2 مليون دولار أميركي، خلال الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة، مقارنة بنحو 415.2 مليون دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام الماضي.
وفي سياقٍ متّصل، أظهرت أرقام مصرف لبنان كذلك أن القيمة الإجماليّة للاعتمادات المستنديّة المفتوحة داخل القطاع المصرفي اللبنانيّة بلغت 55.7 مليون دولار أميركي خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الراهنة، مقارنة بنحو 45 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، أي بارتفاع ملحوظ نسبته 23.8 بالمئة.
ومن المعلوم أن الاعتمادات المستنديّة تُعد أداة تمويل تجاريّة، يسدد بموجبها المصرف قيمة الصفقة للمصدّر، بالنيابة عن المستورد، شرط استيفاء مستندات الشحن المتفق عليها. وهذا ما يعني أن هناك نسبة متنامية -وإن كانت ما زالت ضئيلة- من التجارة الخارجيّة اللبنانيّة بدأت بالعودة إلى المسار المصرفي وأدوات التسهيلات التجاريّة، بدل الاعتماد على التحويلات النقديّة المباشرة.
بطاقات الدفع
على مستوى بطاقات الدفع، تُظهر البيانات المصرفيّة أن عدد البطاقات الدائنة ارتفع لغاية 1.25 مليون بطاقة حتّى نهاية شهر حزيران الماضي، بارتفاع نسبته 6 بالمئة مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، حين بلغ عدد هذه البطاقات 1.18 مليون بطاقة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البيانات تُظهر أن هناك 67.44 ألف بطاقة دائنة إضافيّة دخلت إلى القطاع المصرفي بين الفترتين، ما يشكّل زيادة ملحوظة. أمّا عدد البطاقات المدينة، أو بطاقات الدين، فانخفض من 69.12 ألف بطاقة خلال حزيران 2025، إلى 68.81 ألف بطاقة خلال حزيران الماضي، ما يعكس ضعف النشاط التسليفي ضمن القطاع المصرفي اللبناني، بفعل الأزمة.
ومن المهم الإشارة إلى بعض الخطوات التي تحدّث عنها بو نصار في اللقاء الصحفي، خلال الأسبوع الماضي، والتي رأى أنها تسهم في توسيع الاعتماد على البطاقات المصرفيّة. ومنها على سبيل المثال خفض العمولات على المدفوعات بالبطاقات الإلكترونيّة، بواقع 1.25 نقاط مئويّة، مع وضع سقف لهذه العمولات عند حدود 0.9 بالمئة. مع العلم أن مصرف لبنان قدّم أرقاماً تظهر توسّع نسبة الدفع بالبطاقات بنسبة 130 بالمئة، خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الحاليّة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي. كما قدّمت شركة فيزا كارد أرقاماً تشير إلى أن الحركة الماليّة التي مرّت عبر الشركة ارتفعت بنسبة 60 بالمئة منذ بداية هذا العام.
في المحصّلة، تعكس كل هذه الأرقام مجتمعةً تحسناً ملحوظاً في مؤشّرات الشمول المالي، بعد تراجع جميع هذه المؤشرات في بدايات الأزمة. غير أن هذا التحسن سيبقى محدوداً، ما لم تستعد المصارف وظائفها الأعمق، في مجالي الادخار والإئتمان. فتوطين التداول اليومي، عبر الشيكات وبطاقات الدفع، لا يعادل استعادة الثقة والعلاقة الإئتمانيّة الكاملة بين المصارف وعملائها. واستعادة هذه الثقة ستبقى معلقة على مدى التقدم في عمليّة إعادة هيكلة القطاع، ومعالجة خسائره المتراكمة.



