الرئيسية اقتصاد لبنان ارتفاع عوائد السندات ونُذر الأزمة الماليّة العالميّة المقبلة

ارتفاع عوائد السندات ونُذر الأزمة الماليّة العالميّة المقبلة

لم تعد مشكلة ارتفاع عوائد سندات الديون العامّة مسألة أميركيّة فقط. صحيح أنّ سندات الخزانة الأميركيّة، لاستحقاق الخمس سنوات، سجّلت عوائداً تتجاوز 5 بالمئة، للمرّة الأولى منذ العام 2007، وهو ما يؤثّر على بنية الفوائد والعوائد في جميع أنحاء العالم، نظراً لدور سندات الخزانة المرجعيّ في تحديد هذه النسب. لكن في الوقت نفسه، شهدت أسواق أخرى في العالم أرقاماً لا تقل خطورة: فسندات الدين العام الفرنسيّة، لاستحقاق العشر سنوات، باتت تسجّل عوائداً تلامس 5 بالمئة، لأوّل مرّة منذ 20 سنة. وفي اليابان، للمرّة الأولى منذ 30 سنة، أصبحت الأسواق تشهد عوائداً تقترب من 3 بالمئة، لسندات الدين الحكوميّة. باختصار، باتت الأزمة عامّة وشاملة. ومتوسّط العائد في الاقتصادات المتقدمة، لسندات الديون العامّة التي تستحق خلال 10 سنوات، بات يقف عند حدود 4 بالمئة، أي في أعلى مستوى له منذ عقد ونصف.

على امتداد التكتلات الاقتصاديّة المختلفة، تتداخل الأسباب التي تقف خلف هذه الأزمة. فمنها ما يتّصل بمساراتٍ تبدأ داخل أسواق المال الأميركيّة، لتؤثّر على سندات الخزانة الأميركيّة، ثم على العوائد في أماكن أخرى، بفعل ترابط الأسواق. ومنها ما يتّصل بعوامل ماليّة واقتصاديّة أخرى تتشابه بين الدول المتقدمة مع اختلاف حدّتها: أثر التضخّم، وارتفاع العجوزات والمديونيّات العامّة، وانتظار المستثمرين للمزيد من العوائد قبل الاستثمار بأدوات الدين الطويلة الأجل. ومهما اختلفت الأسباب، تتشابه المخاطر، التي تصل إلى حد توليد أزمة ديون ثقيلة يصعب احتواؤها.

عوامل الضغط على العوائد

من المعلوم أنّ العائد على أي سند يمثّل الفارق بين قيمته الحاليّة في السوق، التي تحددها قوانين العرض والطلب، والقيمة الثابتة التي سيتم تسديدها عند الاستحقاق. وكلما انخفضت جاذبيّة السند، انخفض الطلب عليه وهبطت قيمته السوقيّة، ما يزيد العائد على المدى، أو الفارق بين القيمة الحاليّة (المنخفضة) وقيمة السداد. وإذا أردنا قراءة المعادلة من منظور آخر: كلما ارتفعت مخاطر السند، يهبط سعره، ما يرفع العائد الذي يطلبه المستثمر مقابل هذا الاستثمار. ولارتفاع العوائد أثر مباشر، إذ كلما ارتفعت العوائد التي تحددها السوق للسندات، ترتفع الفوائد التي ستضطر الحكومات لمنحها للمستثمرين، عند الاقتراض من جديد. من هنا، ترتفع كلفة الاستدانة وخدمة الديون، مع ارتفاع العوائد على سندات الديون العامّة.

ولارتفاع عوائد السندات، في الولايات المتحدة وسائر الاقتصادات المتقدمة، أسباب متعدّدة. السبب الأوّل والأوضح هو الضغوط التضخّمية، التي ضربت مختلف اقتصادات العالم، مع ارتفاع أسعار النفط والمشتقات البتروليّة، بفعل الحربين القائمتين في الشرق الأوسط وأوكرانيا. وفاقم من حدّة هذه الضغوط التضخميّة الحروب التجاريّة، التي اشتعلت بين مختلف التكتلات الاقتصاديّة والصناعيّة الكبرى، وخصوصاً بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

مع بقاء معدلات التضخّم عند مستوياتٍ مرتفعة، يُطالب المستثمرون بعوائد أعلى لقاء الاحتفاظ بالسندات الطويلة الأجل، للتعويض عن الخسائر التي ستصيب القيمة الشرائيّة للدولار (أو أي عملة أخرى). لكن التضخّم يؤثّر في مستوى العوائد بشكلٍ آخر. فمع بقاء معدلات التضخم عند حدودٍ مرتفعة، يتوقّع المستثمرون المزيد من التشدّد النقدي من جانب المصارف المركزي، التي تسعى لمكافحة التضخّم برفع الفوائد. وهذا ما يدفع المستثمرون للمطالبة بعوائد أعلى، لقاء شراء السندات، لمواكبة بيئة الفوائد المرتفعة المتوقّعة.

فضلاً عن كل ذلك، ثمّة عاملٌ آخر استجدّ هذا السنة. إذ في البداية، موّلت شركات التكنولوجيا الكبرى توسّعها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال تدفّقاتها النقديّة الداخليّة. لكن مع ارتفاع تكاليف البنية التحتيّة المرتبطة بهذا المجال، لجأت الشركات لإصدار السندات والاقتراض من الأسواق. وبحسب صحفية “ذا إكونوميست”، بلغت إصدارات السندات لدى شركات التكنولوجيا، العاملة في مجال الحوسبة، إلى 230 مليار دولار أميركي، أي ضعف المبلغ الذي تم جمعه من السوق خلال العام الماضي. وبهذا الشكل، باتت السندات الحكوميّة تنافس القطاع الخاص على السيولة المتاحة في أسواق الدين، وهو ما رفع العوائد المُنتظرة من قبل المستثمرين لقاء توظيف الأموال.

لقد تقاطعت كل هذه العوامل مع ارتفاع المديونيات العامّة في الدول المتقدمة، وارتفاع العجوزات في الميزانيّات الحكوميّة، وهو دفع المستثمرين إلى التساؤل عن استدامة الديون العامّة حتّى في دولة مثل فرنسا، بل وفي الولايات المتحدة نفسها. وفي حالة الولايات المتحدة، يُشار عادةً إلى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خلق السيولة بالدولار الأميركي، ما يحمي واشنطن من احتمالات التعثّر. غير أنّ هذه الخيار، أي خلق النقد لسداد الديون، سيعني عملياً ضرب قيمة الدولار الحقيقيّة، ما يحمّل حملة السندات مخاطر يجب احتسابها عند تقدير العائد المطلوب لقاء الاحتفاظ بالسندات.

نذر الأزمة الماليّة المقبلة

أصبح الاقتصاد العالمي أمام نذر أزمة مقبلة، بفعل ارتفاع عوائد السندات. فعلى مستوى الماليّة العامّة، ترتفع كلفة الاقتراض الحكومي مع ارتفاع عوائد السوق، ما يزيد حصّة خدمة الدين العام من ميزانيّات الدول. وهذا ما يهدد الدول بخطر الدخول في حلقة مفرغة: اقتراض إضافي لتسديد الفوائد، ومخاطر أعلى بفعل ارتفاع المديونيّات العامّة، ما يزيد العوائد من جديد، وهكذا دواليك. مع الإشارة إلى أنّ فوائد سندات الخزانة الأميركيّة تُعتبر نسبة مرجعيّة، تُحدد على أساسها أو تؤثّر في فوائد سائر الدول المتقدمة والنامية على حدٍ سواء، ما يهدّد بتحويل هذه المشكلة إلى أزمة شاملة.

كما يفرض ارتفاع العوائد ضغوطاً على أسواق الأسهم. فمع ارتفاع عوائد السندات، يترفع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالأصول الأكثر خطورة، مثل الأسهم. وهذا ما يقلّص من قدرة الشركات على تويل الاستثمارات الجديدة في المستقبل. كما يؤدّي ارتفاع عوائد السندات إلى نزوح السيولة من سوق الأسهم إلى سوق السندات، ما يؤدّي إلى النتيجة نفسها في النهاية.

وبما أنّ عوائد السندات الحكوميّة (وخصوصاً الأميركيّة) تُعد نسبة مرجعيّة لاحتساب فوائد القروض، ستؤدّي هذه الأزمة إلى ارتفاع فوائد القروض العقاريّة والاستهلاكيّة والتجاريّة، ما يزيد من الأعباء المترتبة على الأسر والشركات. وهذا ما يضغط في النتيجة على معدلات النمو والاستهلاك. أمّا الأخطر، فهو ارتفاع معدلات التخلّف عن سداد الديون، بسبب ارتفاع كلفة الفوائد، فضلاً عن احتمالات تعثّر المصارف أو المؤسّسات الماليّة المنكشفة على مخاطر تقلبات أسعار الفائدة. وهذا تحديداً ما جرى سابقاً في حالة بنك “سيلكون فالي”، الذي تعرّض لتعثّر مفاجئ بفعل تغيّر قيمة السندات، مع تغيّر معدلات الفائدة في الولايات المتحدة.

وعلى المستوى النقدي، تعزّز العوائد الأعلى -في الولايات المتحدة- جاذبيّة السندات المقوّمة بالدولار، ما يدعم العملة الأميركيّة. لكنّ هذا الواقع سيؤدّي إلى نزوح السيولة من الأسواق الناشئة والدول النامية إلى الولايات المتحدة، ما سيؤدّي حكماً إلى الضغط على احتياطات المصارف المركزيّة والعملات المحليّة في الدول النامية. ومن المعلوم أن دولاً مثل مصر وتركيا وحتّى لبنان شهدت خلال العقد الماضي ضغوطاً من هذا النوع، مع بدء ارتفاع معدلات الفائدة في الغرب.

في المحصّلة، لم تعد الأسواق أمام تغيّر محدود الأثر في ما يخص العوائد، بل أصبحت أمام تحوّل في شروط الاقتراض نفسها. فالحكومات التي اعتادت على الفوائد المنخفضة وسهولة الاقتراض لأكثر من عقد ونصف، باتت أمام سوقٍ يسعّر التضخّم والعجوزات والمديونيّة العالية والمخاطر المستجدة، كما باتت أمام ديونٍ يقتضي إعادة تمويلها بكلفة عالية. وعلى هذا الأساس، سيكون العالم أمام سلسلة من التداعيات، التي ستمتد من بنية الميزانيّات العامّة وإمكانيّة الإنفاق على الحاجات الملحّة، إلى البيئة التي تحكم عمل القطاع الخاص.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالإنترنت غير الشرعي: ملف الهدر أمام النيابة العامة المالية