الرئيسية اقتصاد لبنان أولوية مصرف لبنان : الحفاظ على استقرار سعر الصرف لا على تثبيته

أولوية مصرف لبنان : الحفاظ على استقرار سعر الصرف لا على تثبيته

غبريل: مصرف لبنان يحاول لجم التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي
زيادة النفقات ربما تؤدي إلى اتساع الكتلة النقدية
لذا “المركزي” مستمر بضبط الكتلة النقدية بالليرة

وسط انتشار الاقاويل والادعاءات بأن مصرف لبنان سيحرر سعر الصرف ويترك للسوق حرية العرض والطلب، برز السؤال الكبير ما تأثير ذلك على الإقتصاد وعلى المواطن، وكيف ستسير الأمور خصوصا في ظل تضخم هائل وارتفاع اسعار غير معقول .

والسؤال الابرز : اذا حرر سعر الصرف، فكم سيكون سعر الدولار ؟

كبير الاستشاريين ورئيس قسم الدراسات في بنك “بيبلوس” نسيب غبريل يرى أن الأمر غير وارد على الإطلاق، وان اولوية مصرف لبنان هي الحفاظ على استقرار سعر الصرف.

وما يقال عن نية مصرف لبنان بخصوص تحرير سعر الصرف، وانه يريد ترك العرض والطلب في السوق ان يقرر ذلك، لا أساس له وغير وارد. اليوم المهم هو استقرار سعر الصرف وهذا الاستقرار لا يأتي من خلال ضخ الدولار في السوق، إنما من خلال التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية العامة، اي بين مصرف لبنان ووزارة المالية وضبط النفقات العامة وتجنب المالية العامة لتحقيق عجز .

كما أن هدف موازنة العام ٢٠٢٦رغم أن الأحداث قد تخطتها، هو تحقيق التوازن في الإيرادات والنفقات. كنا بانتظار برنامج إصلاحي متكامل وعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وفي آخر مطاف تطبيق الإصلاحات، يتم إتخاذ القرار بشأن اي سياسة سعر صرف يرسو الاتفاق عليه، بالإضافة إلى اي سياسة نقدية تخدم البلد والاقتصاد. أن الكلام عن تحرير سعر الصرف هو كلام بعيد عن الواقع، لأن كل الدورة الإقتصادية تدور على سعر صرف هو ٨٩،٥ ، سواء أكانت معاملات تجارية بين الشركات او معاملات تجارية بين الأفراد والمحلات او بيانات الشركات والمؤسسات المالية والمصارف. والأهم من كل ذلك ايرادات الخزينة وهي كلها ما بين ضرائب ورسوم تجبى على سعر ٨٩،٥ ل.ل .ثم يعتبر غبريل ان الإقتصاد في لبنان مدولر مما يساعد على لجم الطلب على الدولار.

التحديات التي تواجه مصرف لبنان

ويقول عن التحديات التي تواجه مصرف لبنان لدعم الاستقرار النقدي : “خلال فترة الأزمة المالية مع مطلع العام ٢٠٢٢وتحديدا في شهر آذار، كان يوجد سوق مواز لسعر الصرف الرسمي للدولار، بسبب الشح في سيولة العملات الأجنبية بالأسواق اللبنانية وتوقف تدفق رؤوس الأموال من الخارج او الودائع إلى القطاع المصرفي بالتحديد، وقد كان سعر صرف الدولار في السوق الموازي قريب لسعر الصرف الرسمي. ومنذ شهر آذار في تلك السنة عندما قررت الحكومة انذاك التخلف عن تسديد سندات اليوروبوندز، ومن ثم دعم السلع المستوردة أدى ذلك إلى استنزاف احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وتدهور سعر الصرف، حيث بدأ التدهور الحقيقي لسعر الصرف منذ ذلك الوقت وقد كان يوجد الكثير من المضاربة على سعر صرف الليرة من تجار الأزمات. وقد كان يوجد طلب من سوريا على الدولار من لبنان، بالاضافة إلى الطلب العادي في السوق لأسباب مشروعة وقد وصل سعر صرف الدولار في نهاية العام ٢٠٢٢الى ٤٠٠٠٠او ٤٥٠٠٠ليرة، ثم بدأ بعدها تدهور سعر الصرف ليبلغ في آذار من العام ٢٠٢٣ :١٤١٠٠٠ليرة بسبب المضاربات وقد قرر مصرف لبنان يومها التدخل في السوق من خلال قرارين، الأول هو سحب كمية كبيرة من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، للجم المضاربة وتخفيض الطلب على الدولار .أما القرار الثاني فكان التوقف عن تمويل العجز في الموازنة العامة ونفقات القطاع العام “.

بعدها بدأ سعر صرف الليرة يتحسن تدريجيا حتى بلغ ٨٩،٥٠٠ خلال آخر اسبوع من شهر تموز في العام ٢٠٢٣ ، وقد بقي مستقرا على هذا المستوى بالرغم من كل ما حدث في البلاد بدءا من حرب الإسناد في ٨تشرين الأول من العام ٢٠٢٣ وتداعياتها السلبية على الاقتصاد، وقد استمرت هذه الحرب في العام ٢٠٢٤وصولا إلى شهر ايلول من العام نفسه، وقد بقي سعر الصرف مستقرا، حيث قام المصرف برفع قيمة السحوبات وفق التعميمين ١٥٨و١٦٦ . وفور وقف إطلاق النار في العام ٢٠٢٤ بدأ عرض الدولار في السوق والطلب على الليرة بسبب التطورات التي حصلت بعد انهيار الحكم في سوريا، وقد تابع المصرف سياسته هذه، حيث عوض التراجع الذي حصل في الأشهر الأخيرة من ٢٠٢٤ وقد ثبت رفع سقف السحوبات وقد كان يستفيد من عرض الدولار في السوق ومن الحركة السياحية الناشطة والطلب على الليرة من قبل الشركات لدفع الضرائب. لكن فجأة دخلنا في حرب الإسناد الثانية وقد تراجع الاحتياطي من جديد في شهر آذار عام ٢٠٢٦ بمقدار ٣٤٣مليون دولار، لكنه عاد فارتفع مجددا ب١٤٣مليون دولار في أول أسبوعين من نيسان.

ويبقى السؤال اليوم هو ماذا يفعل مصرف لبنان للحفاظ على الاحتياطي؟.. بلغ الاحتياطي١١مليار و ٧٠٠مليون دولار في منتصف نيسان الحالي، مما شكل ارتفاعا بلغ ٣مليار و١٠٠مليون دولار منذ آخر شهر تموز ٢٠٢٣ ، ووصل إلى ١١مليار و٧٠٠مليون في منتصف نيسان، ومعظم هذا الاحتياطي هو توظيفات مصرفية لدى المصرف وهو يعتبرها حسب المادة ١٣ من قانون النقد والتسليف التزامات تجارية لمصرف لبنان تجاه المصارف وهي ليست خسائر او ما يسمى بالفجوة المالية، وبالتالي لا يستطيع مصرف لبنان التصرف بهذا المال بحرية، ولهذا ينتبه بشدة لأي قرار يؤدي إلى استخدام الاحتياطي بالعملات الأجنبية أولا. اما ثانيا هو يتخذ إجراءات وعمليات للحفاظ على مستوى معين من الاحتياطي او زيادته علما انه لديه التزامات شهرية بالعملات الأجنبية، وثانيا الرواتب والاجور لموظفي القطاع العام وهي رغم أنها تدفع بالليرة اللبنانية، الا أن الموظف يسحبها بالدولار. أما النقطة الثالثة التي يأخذها مصرف لبنان هي التنسيق بين وزارة المالية ومصرف لبنان، والأولوية لدى مصرف لبنان هي ضبط الكتلة النقدية وإدارة الكتلة النقدية بالليرة الموجودة في السوق، وحاليا حسب أرقام مصرف لبنان الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية تبلغ ٦٦٠٠٠و٢٠٠مليار ليرة، اي ما يوازي ٧٥٠مليون دولار تقريبا ويستطيع مصرف لبنان التحكم بهذا المبلغ وهو تحت السيطرة، ولا يؤدي إلى ضغوط تضخمية. بينما التنسيق مع وزارة المالية هو لضبط نفقات المالية العامة وتجنيبها العجز في الموازنة.

اما في ظل الحرب، التنسيق بين وزارة المالية والمصرف المركزي هو أكبر، خصوصا بما يخص النفقات العامة لأن التركيز يجب أن يكون على المالية العامة والنفقات العامة، أكثر من التركيز على مصرف لبنان إذ أن الخطر يكمن في زيادة هذه النفقات بشكل غير مدروس، مما يؤدي إلى طلب على الدولار والى ضغوط تضخمية، خصوصا ان التضخم في لبنان هو بمستوى مرتفع، مما يؤدي لاحقا إلى ضغوط على سعر الصرف.

هل باستطاعة مصرف لبنان أن يتابع سياسته هذه في حال استمرار الحرب لفترة أطول؟

لدى مصرف لبنان الوعي التام بما نعاني منه حاليا. ان المصلحة العليا للاقتصاد اللبناني ولجم التضخم، الإستمرار بالحفاظ على هذا الاستقرار المالي، لكنني أكرر بأن الحفاظ على هذا الاستقرار يتم من خلال التنسيق مع المالية العامة، ويجب أن يكون التركيز على النفقات العامة وعدم وجود ضغوط سياسية لزيادة النفقات، إذ أن زيادة النفقات ربما تؤدي إلى اتساع الكتلة النقدية في السوق، لذا مصرف لبنان مستمر بضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في السوق بالتنسيق مع المالية العامة. أما بخصوص مصادر العملات الأجنبية فإن تحويلات المغتربين هي مصدر اساسي لتدفق العملات الأجنبية من الخارج. ففي العام ٢٠٢٤ بلغت هذه التحويلات ٦مليار و٨٠٠مليون دولار وفي العام ٢٠٢٥ عادت الى معدلها الطبيعي، وقد سادت اقاويل تهويلية بأن التحويلات من دول الخليج ستتوقف بسبب الحرب، الا أن هذا الكلام غير مبني أيضا على الأرقام والمنطق، ثم جائحة كورونا وفي كل ذلك، لم تتراجع التحويلات إلى لبنان. اعتقد ان اقتصادات دول الخليج قادرة على التعافي من وضع الحرب الحالية بسرعة وفي حال تراجعت التحويلات، فإن تراجعها سيكون ضمن النسب الطبيعية، لأن ذلك هو عقد اجتماعي خاص بين المغترب وأهله في لبنان. اما في حال الانخفاض فسيكون ضمن النسب الطبيعية . حاليا القطاع السياحي جامد كليا ولا وجود لايرادات فيه، ونحن سنرى كم سيدوم الوضع الحالي ومن ثم كيف سيكون موسم الاصطياف. يوجد حاليا الكثير من العوامل بحيث لا نستطيع تقدير الوضع مسبقا، لكن طالما مصرف لبنان يتعاون وينسق مع وزارة المالية فهما قادران على الحفاظ على سعر الصرف.

ماذا بالنسبة لحسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان؟

يوجد في حسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان، ما يوازي ٨مليار و٨٠٠ مليون دولار كودائع معظمها بالليرة اللبنانيه، ويجب الحذر من استخدام هذه الحسابات لزيادة النفقات العامة خصوصا في الأوضاع الحالية، مما يسبب بزيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانيه لهذا التنسيق اليوم قائم على هذا الموضوع، إذ أن هذه المبالغ تزداد سنة بعد أخرى ويوجد حاليا تشدد باستخدام هذه الودائع من قبل مصرف لبنان ووزارة المالية من أجل ضبط الكتلة النقدية، لكي لا يوجد انفلاش بالكتلة النقدية تؤدي إلى عواقب وخيمة.

مصدرالديار - جوزف فرح
المادة السابقةاتفاق لبناني سوري أردني لتبادل الغاز
المقالة القادمةبتكوين تسجّل أعلى مستوى في 3 أشهر وتتجاوز 80 ألف دولار