الرئيسية اقتصاد دولی اقتصاد العالم في حوارات بانكوك: صمودٌ وَجِِلٌ في هوامش ضيّقة

اقتصاد العالم في حوارات بانكوك: صمودٌ وَجِِلٌ في هوامش ضيّقة

في فترةٍ تقل عن سبع سنوات، شهد العالم جائحةٍ أقفلت الأسواق والقطاعات الاقتصاديّة لأشهر من الزمن، ثم حربين أسهمتا بضرب سلاسل توريد النفط والغاز في أكثر مناطق الكوكب حساسيّة، مع إغلاق أهم مضيق وممر نفطي، وسلسلة من الحروب والنزاعات التجاريّة بين الخصوم والأصدقاء على حدٍ سواء. خلال أقلّ من عقد، تسارعت وتيرة الاضطرابات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة على نحوٍ غير مألوف، وتزايدت حدّتها، واتّسع نطاقها. وربما بات هذا الاضطراب مجرّد جزءٍ من “النظام العالمي الجديد”، الذي يجب أن نعتاده، أو الذي تأقلمت معه شيئاً فشيئاً الأسواق وسلاسل التوريد على أي حال. وما يجب أن يعرفه صنّاع السياسات في كل مكان، هو أن هذا الواقع المختلف سيحتاج إلى أدواتٍ مختلفة لإدارة الاقتصاد والمجتمع.

في جلسات بانكوك التي ستستمر حتّى نهاية الأسبوع، أو “الاجتماعات السنويّة للعام 2026″، يشارك أكثر من 15 ألف شخص، من صنّاع السياسات في 191 دولة، لمناقشة قضايا الاقتصاد العالمي والحلول المطلوبة لتحديات التنمية. صندوق النقد قدّم للمشاركين رؤيته في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الذي أشار في عنوانه ومقدّمته إلى “الصمود” (غير المتوقّع؟) الذي أبداه الاقتصاد العالمي حتّى الآن، رغم كل هذه الضغوط والتحديات. إلا أنّ النقاشات نفسها أظهرت كم بات هذا الصمود وجلاً وقلِقاً، مع تراكم العوامل التي تضيّق هوامش التحرّك القائمة أمام الحكومات والمصارف المركزيّة.

لماذا صمد اقتصاد العالم في وجه الصدمات الأخيرة؟ وما مدى محدوديّة الخيارات المتاحة؟

الصمود بعد صدمة الطاقة

في أواخر شهر شباط الماضي، جاءت صدمة إقفال مضيق هرمز مع اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط، ما هدد الإمدادات في ممرٍّ كانت تعبره ربع تجارة النفط العالميّة. ومن سوء طالع الأسواق أن الحرب في أوكرانيا شهدت تطورات خطيرة خلال الفترة نفسها، كان عنوانها اتّساع الاستهدافات التي طالت منشآت تكرير النفط في روسيا، ما هدّد إمدادات المشتقات البتروليّة مثل البنزين والمازوت وغيرها. وكان من نتائج تلك المرحلة بلوغ برميل النفط مستوى الذروة، عند حدود 126 دولار أميركي للبرميل، في أواخر شهر آذار الماضي. وحتى اللحظة، ما زال سعر برميل النفط -خام برنت- يتراوح قرب مستوى 103 دولارات للبرميل.

ما أنقذ الاقتصاد العالمي، بحسب صندوق النقد، كان مرونة الأسواق، وليس الحظ. فدول الخليج تمكنت من تحويل أجزاء من إنتاجها النفطي إلى ممرات بديلة، جرى إعدادها مسبقاً. وخارج منطقة الخليج، ارتفع الإنتاج النفطي بنحو مليونيّ برميل يومياً، لتعويض نقص الإمدادات والاستفادة من ارتفاع الأسعار. كما تراجع إجمالي الطلب العالمي على النفط بنحو خمسة براميل يومياً، وجاءت الحصّة الأكبر من هذا الانخفاض من الصين، التي خفّضت وارداتها النفطيّة بنسبة 23 بالمئة. كما ساعد الأسواق انخفاض شراهة الاقتصاد العالمي للنفط، حيث انخفض استهلاك الطاقة لكل دولار من الناتج العالمي بنسبة 32 بالمئة، خلال العقدين الماضيين. ولولا كل هذه العوامل، كان من الممكن أن يخسر الناتج العالمي 0.9 نقطة مئويّة من نسبة نموّه.

لكن في الخفاء، كان هناك عامل آخر يسهم بالحفاظ على نسبة نمو الاقتصاد العالمي هذه السنة. فطفرة الاستثمار في الرقائق الإلكترونيّة ومراكز البيانات ضخّت طلباً هائلاً على منتجات قطاع التكنولوجيا، وهو ما عوّض جزءاً من تآكل النمو الذي سببته الحرب. لكنّ هذا المحرّك تركّز في نطاقٍ ضيّق من الاقتصاد العالمي. فتايوان وكوريا الجنوبيّة تستحوذان حالياً على 62 بالمئة من صافي صادرات معدات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. والصين والولايات المتحدة الأميركيّة تستوردان معاً 75 بالمئة من هذه المعدات والواردات، كما تستضيفان 57 بالمئة من مراكز البيانات الجديدة. لهذا السبب، لم توزّع ثمار هذا النمو بشكلٍ متوازن حول الكوكب، ولن يكون الحال كذلك بالنسبة لعائدات استثمارات هذا القطاع.

تفاوت التبعات والنتائج

إذاً، تُفرز جلسات بانكوك استنتاجاً واضحاً أشارت إليه المديرة العامّة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا. خلف الصمود الظاهر للاقتصاد العالمي، ومعدلات النمو المعلنة، ثمّة انقسام في كيفيّة تلقّي الدول والتكتلات الاقتصاديّة لتبعات ونتائج الصدمات الأخيرة. ويدور هذا الانقسام على أساس محورين: أولاً، مدى تعرّض الدول لصدمة الطاقة وموقعها في أسواق النفط، وثانياً، مدى انخراطها في سلاسل توريد قطاع التكنولوجيا وخصوصاً الذكاء الاصطناعي.

بهذا الشكل، يستفيد المصدرون في أسواق النفط، خارج مناطق النزاع، من ارتفاع الأسعار. كما تستفيد الدول المنخرطة في استثمارات وازنة في قطاع التكنولوجيا. وفي الطرف الآخر، تقف الدول المستوردة للنفط، والبعيدة عن استثمارات قطاع التكنولوجيا، لتدفع ثمن ارتفاع كلفة الاستيراد، وانخفاض القدرة الشرائيّة للمقيمين لديها، والضغط على عملاتها واحتياطاتها. كما تقف في صف الخاسرين الدول المنتجة للنفط، والمتضرّرة من الحرب.

هذا هو الانقسام الذي تبيّنه أرقام صندوق النقد. فالنمو العالمي ما زال مقدّراً عند حدود 3.1 بالمئة هذه السنة، تماماً كما كان الحال قبل ستّة أشهر. غير أن توزُّع هذا النمو بين الدول يتباين بشكلٍ فاضح. فالولايات المتحدة ستحتفظ بنسبة نمو تقارب 2.3 بالمئة هذه السنة، والعام المقبل، فيما ستشهد الصين نمواً مقدراً عند حدود 4.5 بالمئة هذه السنة، ثم 4 بالمئة العام المقبل. غير أن نسبة النمو ستنخفض إلى 1.1 بالمئة فقط في الاتحاد الأوروبي هذا العام، مع نسب تصل إلى حدود 0.4 بالمئة في فرنسا، و0.8 بالمئة في إيطاليا. أمّا اليابان، فستحافظ على نسبة نمو خجولة لا تتجاوز 0.7 بالمئة. بهذا الشكل، تتباين التكتلات الصناعيّة في نسب نموّها، أولاً بحسب تأثرها بصدمة أسعار الطاقة، وثانياً بحسب استفادتها من طفرة الاستثمارات التكنولوجيّة.

الانقسام نفسه يظهر في الأسواق النامية. في الشرق الأوسط، الأكثر تأثراً بالحرب القائمة، سيشهد الناتج انكماشاً بنسبة 0.3 بالمئة، بالتأثير من الأوضاع في دول الخليج. غير أنّ الناتج سيعود ليشهد نمواً بنسبة 6.3 بالمئة خلال العام المقبل، مع افتراض حصول نهاية للحرب القائمة -وللتهديدات التي تحيط بسلاسل التوريد- حتّى ذلك الوقت. أمّا الهند، فستحافظ على زخم نموٍ مرتفع، يقارب 7 بالمئة، خلال العام الحالي والعام المقبل، من دون أي تأثّر بصدمة الأسعار العالميّة.

ما يقلق في هذا المشهد لا يقتصر على تفاوت تأثّر الاقتصادات بالضغوط الناشئة، بل يشمل كذلك تآكل الرصيد الذي سمح بصمود الاقتصاد العالمي حتّى الآن. فالمخزونات النفطيّة التي سُحبت لتعويض نقص الإمدادات اُسْتُنْفِدت. وتراكم الديون العامّة بدأ يؤثّر على قدرة الحكومات على توفير شبكات الحماية للأسر، بموازاة الضغوط التضخمية الناشئة. وفي المقابل، بلغت عوائد السندات مستويات لم تُسجّل منذ عقود، ما يعني أن كلفة تمويل الديون تتصاعد في الوقت تتسع فيه الحاجة للاقتراض. أمّا استثمارات الذكاء الاصطناعي، فما زالت رهانات على نماذجٍ لم تبلغ مرحلة إنتاج الأرباح.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالمطار بوابة الاقتصاد
المقالة القادمةالبساط: 3 نقاط متبقية في مفاوضات قانون الفجوة مع الصندوق