رغم أن المؤشّر الإجمالي للأعمال في لبنان سجّل تراجعاً إلى مستويات منخفضة، إلا أن جانباً من النشاط الاقتصادي في لبنان كان مرتفعاً بشكل لافت. فللحرب نشاطها الاقتصادي أيضاً المرتبط بالحاجات الأساسية والسكن وخدمات الترفيه البسيطة إلى جانب الأدوات المنزلية الخفيفة والملابس… لذا، ففي مقابل التشاؤم الذي يبديه التجّار عن أوضاع مبيعاتهم وانعدام الخدمات، سُجّلت حالة من الانتعاش النسبي لدى مستوردي السلع الغذائية والأساسية، وهذا أمر لا يظهر بوضوح في مؤشّر مديري المشتريات الذي يصدره «بلوم انفست بنك» حيث تتبدّى النتائج الإجمالية للقطاعات كلّها، أي إن وزن القطاعات التي تدهورت كان أكبر من تلك التي واصلت صمودها.
مؤشّر المشتريات
سجّل مؤشر مديري المشتريات (PMI) في لبنان تراجعاً لافتاً في آذار 2026 إلى 47.4 نقطة مقارنة مع 51.2 نقطة في شباط، ليهبط بذلك دون مستوى 50 نقطة للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، ومسجّلاً أدنى قراءة له في سبعة عشر شهراً. هذه الأرقام لا تعكس مجرّد تباطؤ اقتصادي، بل تشير بوضوح إلى دخول القطاع الخاص في مرحلة انكماش فعلي، مدفوع بشكل أساسي بتداعيات الحرب في المنطقة.
تقنياً، لا يُقاس هذا المؤشر برقم واحد معزول، بل هو متوسط لخمسة مكوّنات أساسية تعكس نبض الاقتصاد الحقيقي: الطلبات الجديدة (30%)، الإنتاج (25%)، التوظيف (20%)، مواعيد تسليم المورّدين (15%)، ومخزون المشتريات (10%). ويظهر بوضوح أنّ الطلب كان الحلقة الأضعف. فقد سجّلت الطلبيات الجديدة تراجعاً حادّاً هو الأول منذ ثمانية أشهر، وبأسرع وتيرة منذ أكثر من عام، نتيجة مباشرة لتأجيل أو إلغاء الطلبات في ظل الحرب. وكان الانخفاض أكثر حدّة في طلبات التصدير، التي تأثّرت بتراجع الطلب الخارجي وتعقيدات الوضع الإقليمي، حيث هبط مؤشّرها إلى مستويات تعكس انكماشاً واضحاً. وقد بلغ مؤشرها 41.8.
انعكس التراجع في الطلب مباشرة على الإنتاج الذي انخفض للمرة الأولى منذ تموز 2025، وبوتيرة تُعدّ الأعلى منذ نحو سنة ونصف سنة. فالشركات لم تعد تنتج بنفس الوتيرة، ليس بسبب ضعف قدراتها، بل بسبب غياب الطلب الكافي لتصريف الإنتاج. أمّا على مستوى سلوك الشركات، فقد برز اتجاه واضح نحو الانكماش الدفاعي مع لجوء الشركات إلى تقليص عمليات الشراء وخفض المخزون. لكنّ عمليات التوظيف لم تتراجع إلّا بشكل طفيف، ما يشير إلى أن الشركات صامدة نسبياً.
في المقابل، شكّلت سلاسل الإمداد عاملاً ضاغطاً إضافياً. فقد وصلت مواعيد تسليم المورّدين إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، نتيجة اضطرابات النقل والتوريد المرتبطة بالحرب. وهذا لا يعني فقط تأخيراً في التسليم، بل يترجم أيضاً بارتفاع الكلفة وصعوبة التخطيط للإنتاج. أيضاً ظهر هذا الأمر من خلال ارتفاع الأسعار، إذ يشير المؤشّر إلى تسارع في وتيرة تضخّم تكاليف الإنتاج إلى أعلى مستوى في ستة أشهر، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والسلع، ما دفع الشركات إلى تحميل هذه الزيادة للمستهلكين.
اقتصاد الحرب
يقيس مؤشّر مديري الشركات الاتجاه العام، أي إنه يدمج الانتعاش بالخسائر ليظهر الحصيلة. لكنه يغفل أنّ اقتصاد الحرب يخلق في الوقت نفسه ديناميكيات معاكسة. فبعض الشركات، خصوصاً تلك المرتبطة بحاجات النزوح أو السلع الأساسية والخدمات اللوجستية، قد تشهد طلباً متزايداً، بل وقد تتوسّع أعمالها في ظل هذه الظروف، خصوصاً في ظل تضرر وإقفال العديد من الشركات في المناطق التي تُصنّف «خطرة»، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الشركات التي تنتج السلع نفسها في المناطق «الآمنة».
في فترات الأزمات، يتغيّر نمط الاستهلاك، بحيث يتراجع الإنفاق غير الضروري، مقابل ارتفاع الطلب على الضروريات والخدمات المرتبطة بالبقاء والتكيّف. وهذا يفتح المجال أمام قطاعات مُعيّنة للاستفادة من الواقع القائم، سواء عبر تأمين السلع الأساسية، أو تقديم خدمات مرتبطة بالنقل، التخزين، أو حتى الاستجابة لحاجات النزوح. هذه الظواهر ليست جديدة في اقتصادات الحروب، حيث يُعاد توزيع النشاط الاقتصادي بدل أن يختفي بالكامل.
في النتيجة، قد يكون هناك من يستفيد في اقتصاد الحرب، وقد تكون هناك قطاعات تنمو في ظل الأزمة، لكنها ليست حالات واسعة أو ظاهرة كبيرة، إذ إن المشهد بشكل عام يميل نحو التراجع الذي قد تليه فورة ما بعد الحرب.



