الرئيسية اقتصاد عربي بنزين مغشوش في سوريا: أعطال وخسائر وأسئلة معلّقة

بنزين مغشوش في سوريا: أعطال وخسائر وأسئلة معلّقة

لم تعد الشكاوى من البنزين في سوريا مقتصرة على رائحته غير المألوفة أو اختلاف لونه، بل باتت ترتبط، بحسب سائقين، بأعطال متكررة في سياراتهم وتكاليف إضافية للصيانة وسحب الوقود من الخزانات. وبينما يتحدث أصحاب سيارات عن خسائر تكبدوها بعد تعبئة البنزين، أقرت الشركة السورية للمشتقات النفطية “سادكوب” برصد حالات لوجود مادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية، رغم تأكيدها أن نتائج العينات التي فُحصت حتى الآن أظهرت مطابقتها للمواصفات المعتمدة.

أعطال متكررة وخسائر

يقول محمد عاصم لـ”المدن” إن سيارته تعرضت لأعطال متكررة رغم مراجعة المصلح أكثر من مرة، مشيراً إلى رائحة كريهة للبنزين وصوت غير معتاد يصدر عن السيارة، فضلاً عن انطفائها المفاجئ أحياناً.

ويصف عاصم البنزين الذي استخدمه بأنه مائل إلى اللون الأحمر، مع وجود مادة ذات قوام غريب تترك أثراً على بعض أجزاء المحرك. ويضيف أنه بات يفضّل تعبئة كميات محدودة، لا تتجاوز أحياناً خمسة أو عشرة دولارات، خشية تكبّد خسائر أكبر.

ولا يعترض عاصم على ارتفاع سعر البنزين بحد ذاته، بحسب قوله، إذا كان ذلك يضمن جودة أفضل ويجنّبه تكاليف الأعطال والإصلاح. فالمشكلة بالنسبة إليه لا تتعلق بالسعر وحده، بل بجودة المادة التي يشتريها وبما يترتب على استخدامها من أعباء إضافية.

من جهته، يقول سائق سيارة الأجرة معتز القباوتي لـ “المدن” إنه لاحظ رائحة غير مألوفة للبنزين، وإنه سأل صاحب إحدى المحطات عنها، فأجابه بأن البنزين يصل إلى الجميع بهذه الرائحة. ويطالب القباوتي بتشديد الرقابة على جودة المحروقات ومصادرها، في ظل ما يصفه بغياب إجابات واضحة عن أسباب المشكلة.

ويقدّر القباوتي خسائره بنحو مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 74 دولاراً، وفق سعر الصرف المتداول في السوق السورية، نتيجة سحب البنزين من سيارته وإصلاح مضختين للوقود. ويوضح أن كلفة سحب البنزين بلغت نحو 400 إلى 500 ألف ليرة، أي “نحو 30 إلى 37 دولاراً”، فيما وصلت كلفة كل مضخة إلى نحو 300 ألف ليرة، أي “نحو 22 دولاراً”.

المسؤولية تبدأ من مصدر البنزين

في مقابل الخسائر التي يتحدث عنها السائقون، يطرح أصحاب محطات الوقود أسئلة عن مسؤولية الجهات التي تتولى توريد البنزين وفحصه، ومدى قدرتهم على التحقق من جودته قبل استلامه.

ويحمّل سامي الغالول، رئيس جمعية أصحاب الكازيات في دمشق وريفها، الشركة السورية للبترول مسؤولية جودة المادة عند المصدر، معتبراً أن دور الجهات الرقابية المختصة يأتي بعد وصول المحروقات إلى المحطات.

ويقول الغالول لـ”المدن” إن أصحاب المحطات قد يتعرضون لغرامات في حال ضبط مادة مخالفة، رغم عدم امتلاكهم، بحسب قوله، وسائل كافية للتحقق من مطابقتها للمواصفات عند الاستلام. ويشدد على أن اللون والرائحة وحدهما لا يكفيان للحكم على جودة البنزين، وأن تحديد مدى مطابقته يتطلب وسائل فحص مناسبة.

ولا يفصل الغالول الشكاوى المتعلقة بجودة البنزين عن الأعباء المالية التي تواجه أصحاب المحطات. إذ يقدّر قيمة طلبية البنزين بنحو 500 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 38.500 دولاراً. ويشير إلى أن الاحتفاظ باحتياطي مالي نسبته 20 في المئة، وهو إجراء يقول إنه يعود إلى ترتيبات النظام السابق، يزيد الضغط على السيولة المتاحة لأصحاب المحطات ويحدّ من قدرتهم على تمويل الطلبيات.

ويربط الغالول تراجع طلبات المحطات بمخاوف المستهلكين من جودة البنزين، إلى جانب ارتفاع كلفة التوريد ومحدودية القدرة المالية لدى أصحاب المحطات. ويرى أن تراجع الثقة بالمادة المطروحة في السوق ينعكس على الطلب، في وقت يحتاج فيه أصحاب المحطات إلى مبالغ كبيرة لتأمين الطلبيات.

وفي حديثه عن مصادر البنزين المتداول، قال الغالول إن محطات تابعة لشركة “طيبة” أسهمت، في ضخ بنزين يُشتبه في تدني جودته في الأسواق. وأضاف أنه لا يعرف مصدر المادة على وجه الدقة، وما إذا كانت من مخزونات موجودة لدى الشركة أم ناتجة عن عمليات استخراج أو إنتاج لم تُنفّذ وفق إجراءات نظامية متكاملة.

وأشار الغالول كذلك إلى توقف نقل المحروقات من بانياس والاعتماد على مصفاة حمص، معرباً عن أمله في أن يؤدي ذلك إلى تحسن جودة البنزين، ويطالب بتشكيل لجنة تحقيق نزيهة تتبع مسار الوقود من المصدر، وتبحث في ظروف توريده وفحصه ونقله وتوزيعه، وصولاً إلى محطات التعبئة، على أن تحدد المسؤوليات عن وصول أي مادة غير مطابقة إلى السوق.

و من داخل محطات الوقود، يقول محسن الأحمد، وهو عامل في إحدى الكازيات، إن الجهة التي يعمل معها تفحص دفعات المحروقات قبل تسلّمها، وترفض الدفعات التي لا تطابق المعايير المعتمدة.

ويشير الأحمد لـ”المدن” إلى أن بعض المستهلكين قد يشترون الوقود من مصادر غير معروفة أو من خارج محطات التوزيع الرسمية، ما يثير تساؤلات بشأن تعدد مصادر الوقود المتداول وآليات الرقابة عليها.

حاجة إلى فحوص مخبرية

وبينما يطالب أصحاب المحطات بتحديد مسؤولية الجهات التي تتولى توريد الوقود وفحصه، تبرز أسئلة فنية عن خصائص البنزين وطرق إنتاجه وتكريره، وما إذا كانت تؤثر في جودة المادة وأداء المحركات.

وفي هذا السياق، يؤكد حسين الوكّاع، رئيس مجلس إدارة الجمعية السورية لعلوم البترول الجيولوجي، لـ”المدن” أن الحكم على مطابقة البنزين للمواصفات يحتاج إلى فحوص مخبرية، ولا يمكن حسمه بالاعتماد على اللون أو الرائحة وحدهما.

ويثير الوكّاع مخاوف بشأن أساليب التكرير البدائي التي انتشرت في سوريا منذ العام 2015، معتبراً أن عدم الفصل الدقيق بين المشتقات النفطية، مثل البنزين والكاز والمازوت، قد يؤدي إلى بقاء مكونات غير مرغوب فيها في الوقود، بما قد يؤثر في جودته وأداء المحركات.

ويرى أن معالجة المشكلة لا تقتصر على فحص البنزين بعد وصوله إلى السوق، بل تتطلب ضبط مراحل الإنتاج والتكرير والتأكد من أن عمليات الفصل والمعالجة تتم وفق أسس فنية واضحة. فخصائص المشتقات النفطية تختلف، وأي خلل في عملية الفصل قد يؤثر في مواصفات المنتج النهائي.

ويشدد الوكّاع على ضرورة تطوير قطاع التكرير وإنشاء مصافٍ نظامية تتناسب مع إنتاج الحقول النفطية، بدلاً من الاعتماد على أساليب تكرير بدائية لا تضمن، بالضرورة، الحصول على مشتقات بالمواصفات المطلوبة.

ولا يحصر الوكّاع المشكلة في الجانب التقني، بل يدعو إلى تحسين إدارة القطاع النفطي والحد من الفساد، معتبراً أن ضمان جودة المحروقات يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتكرير والنقل والتوزيع والرقابة.

عينات مطابقة وأخرى مخالفة

في المقابل، قالت الشركة السورية للمشتقات النفطية “سادكوب”، في بيان حصلت “المدن” على نسخة منه، إنها تتابع الشكاوى والمقاطع المصورة المتداولة بشأن جودة البنزين، وإنها سحبت عينات من مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد، بدءاً من المصدر وصولاً إلى محطات التعبئة.

وأضافت الشركة أن نتائج العينات التي خضعت للفحص حتى الآن أظهرت مطابقتها للمواصفات المعتمدة، لكنها أقرت في الوقت نفسه برصد حالات لوجود مادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية.

وأوضحت أن التحقيقات تركز على تحديد مصدر المادة المخالفة، وكيفية وصولها إلى المحطات، والأسباب التي سمحت بوجودها في السوق، مؤكدة استمرار الفحوص وإجراءات الرقابة بهدف تحديد المسؤوليات ومنع تكرار هذه الحالات.

وبين شكاوى السائقين من الأعطال والخسائر، ومخاوف أصحاب المحطات من جودة التوريد وتكاليفه، والتحذيرات الفنية بشأن أساليب التكرير، تتجه الأنظار إلى نتائج الفحوص التي يفترض أن تساعد في تحديد خصائص البنزين المتداول ومصدر المادة المخالفة.

مصدرالمدن - نور ملحم
المادة السابقةالإيجارات القديمة… أزمة بلا تسوية
المقالة القادمةالموافقة على تشغيل معملي الزوق والجية: هل تتحسن التغذية؟