حين باشرت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب ضد إيران، فعلت إيران ما توقّعه الجميع: عرقلة سلاسل توريد النفط والغاز في منطقة الخليج العربي، لفرض معادلة مؤلمة على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كل يوم من أيّام التصعيد، بعد استيعاب النظام الإيراني للضربة الأولى، كان يعني المزيد من الضغط على أسواق الطاقة، بما يعنيه ذلك على مستوى معدلات التضخّم في جميع أنحاء العالم.
لقد استماتت الإدارة الأميركيّة، طوال فترة الحرب، لتعويم السوق بالإمدادات النفطيّة، ولو عبر رفع جزئي للعقوبات المفروضة على إيران نفسها، لتتمكن من زيادة صادرتها النفطيّة. بالنسبة لترامب، كان المطلوب تهدئة الأسواق، كأولويّة بالغة الأهميّة.
ترامب يمسك العصا نفسها
مع بدء الحرب، قليلون توقعوا أن يمسك ترامب بالعصا نفسها، ليعلن بدوره الحصار وإقفال الموانئ الإيرانيّة. فهذه الخطوة، من الناحية الاقتصاديّة، تُتمّم المسعى الإيراني نفسه، في أثرها على الأسواق النفطيّة، ما دامت النتيجة هي حجب المزيد من الإمدادات.
غير أنّ ترامب كان يرمي إلى تثبيت معادلة أخرى: إذا كانت دول المنطقة ستفقد القدرة على تصدير نفطها، إلا بعد التنسيق مع إيران، فالأجدى أنّ لا يصدّر أحد، وخصوصًا إيران. بالنسبة لترامب، وبعد الانتقال من دائرة الحرب إلى طاولة التفاوض، أصبح الهدف سحب ورقة مضيق هرمز من يد طهران، لبلوغ تسويات لا تتأثّر بهذه الورقة، ولا تُثبّت السيطرة الإيرانيّة على المضيق.
بهذا المعنى، هناك ما يفسّر هذه الخطوة، من منظور الإدارة الأميركيّة. إلا أنّ هذا الاتجاه سيبقى مجرّد رهان على المستوى الإستراتيجي. وإمكانيّة نجاح هذا الرهان، سترتبط بمدى قدرة كل طرف على تحمّل لعبة عضّ الأصابع المتبادلة. الطرفان يملكان ما يخسرانه في لعبة المضيق، وما ينبغي ترقّبه هو قدرة كل طرف على تحمّل الخسائر.
الكلفة على إيران
في لعبة عض الأصابع هذه، الكلفة على إيران واضحة للعيان. مجلّة “ذا إكونوميست” قدّرت أن يضطر النظام الإيراني على خفض إنتاجه النفطي، في حال استمرار الحصار الأميركي لأكثر من 20 يومًا. بعد هذه المدّة، سيحتاج النظام إلى البدء بوقف تشغيل حقوله تدريجيًا، بمجرّد استنفاد سعة التخزين الداخليّة القصوى.
وكما هو معلوم، تُعتبر عمليّة تعطيل الحقول خطوة معقدّة ومكلفة ماديًا، كما سيحتاج النظام إلى بعض الوقت لإعادة تشغيل الحقول عند انقضاء الأزمة. والرهان هنا، كما يشير معهد بروكينغز، هو على حرمان إيران من النقد المطلوب لتمويل الواردات، ما سيؤدّي إلى انهيار الأنشطة الاقتصاديّة، ودخول العملة المحليّة في دوامة جديدة من التدهور.
غير أن تحليلات أخرى تشير إلى تقديرات مختلفة. فخلال العام 2020، وبفعل العقوبات الأميركيّة، هبط الإنتاج النفطي الإيراني بشكلٍ مفاجئ إلى أقل من 400 ألف برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من 2.2 مليون برميل يوميًا، ما عنى خسارة نحو 82 بالمئة من الإنتاج. ومع ذلك، تمكّنت إيران من تجاوز المرحلة، عبر التوسّع في طباعة النقد، وبيع نحو 100 مليون برميل من نفطها العائم في البواخر، في شرق آسيا، فضلاً عن استخدام بعض خطوط الإئتمان الأجنبيّة غير المُعلنة.
بطبيعة الحال، كانت تدرك إيران -قبل بدء التصعيد- مخاطر المرحلة الراهنة، ما يُرجّح أن تكون قد حضّرت نفسها للتعامل مع الحصار، تمامًا كما فعلت عام 2020. ومن المُقدّر أن تسمح إجراءات الطوارئ بإعطاء النظام الإيراني مدّة قد تصل إلى نحو 6 أشهر، قبل استنفاد القدرة على الصمود. وبهذا الشكل، سيكون على ترامب تحمّل مسار طويل ومضني، قبل أن تثمر جهوده في دفع إيران لتقديم المزيد من التنازلات، بفعل الحصار المفروض عليها.
باختصار، وكما أشار كيفن رولاندز، المدير السابق لمركز أبحاث البحريّة الملكيّة البريطانيّة، “إمّا أن يكون الحصار طويل الأمد، أو لا يكون، لا يمكن فرض حصار مجدي لأسبوع واحد فقط”. وعلى ترامب، كي ينجح في مسعاه، تحمّل لعبة عضّ الأصابع حتّى النهاية. ولتنفع الإستراتيجيّة، سيكون على الإدارة الأميركيّة إدارة وتحمّل تداعيات الحصار، بما فيها النتائج الاقتصاديّة التي ستظهر في أسواق الطاقة والمال العالميّة.
ضغوط على إدارة ترامب
غير أنّ اللعبة ستلقي بظلالها على الاقتصاد الأميركي، وعلى معظم اقتصادات العالم. قبل بدء التصعيد الحالي، كانت الإدارة الأميركيّة تمنّي النفس بتخفيضين لمستويات الفائدة المُستهدفة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، أملاً بإعطاء دفعة للاقتصاد الأميركي. وكان اختيار محافظ الاحتياطي الفيدرالي الجديد يدفع للاعتقاد بإمكانيّة تجاوز السياسة النقديّة المتشدّدة، التي جرى اعتمادها سابقًا، والتي أثارت حنق ترامب بسبب أثرها على الاقتصاد المحلّي.
اليوم، تغيّر الوضع. فارتفاع أسعار النفط، جرّاء الحرب، دفع معدلات التضخّم إلى مستويات تتجاوز 3.3 بالمئة في أواخر شهر آذار الماضي، مقارنة بأقل من 2.4 بالمئة خلال الشهر السابق. وخفض معدلات الفائدة، في حقبةٍ تشهد ارتفاعًا في معدلات التضخّم، يُعد من المحرّمات في قاموس الاحتياطي الفيدرالي. باختصار، سيكون على الاحتياطي الفيدرالي اعتماد سياسة نقديّة أكثر تشددًا، مقارنة بفترة ما قبل الحرب، بخلاف ما تمّناه ترامب. وكلما طال أمد النزاع، بفعل إقفال المضيق والحصار الأميركي المضاد، زادت تداعياته الاقتصاديّة، وزاد -للسبب نفسه- التشدّد المتوقّع في سياسات الاحتياطي الفيدرالي.
بهذا المعنى، ستواجه الولايات المتحدة -بفعل للأحداث الراهنة- مزيجًا خطيرًا: من ارتفاع معدلات التضخّم، وغلاء المعيشة، إلى صدمة أسعار النفط وارتفاع كلفة الاستهلاك، وصولًا إلى الضغوط الناتجة عن السياسة النقديّة المتشدّدة المتوقّعة. وهذا ما يدفع باتجاه تباطؤ اقتصادي متدرّج، وصولاً إلى احتمالات الركود التضخّمي، الأكثر خطورة، وفقًا لتوقّعات صندوق النقد الدولي في حال طال أمد الحرب. ولهذه النتائج تداعياتها السياسيّة على إدارة ترامب، التي ستواجه هذا العام انتخاباتٍ نصفيّة ستحدّد هويّة الطرف المسيطرة في الكونغرس. وكلما كانت خسارة الحزب الجمهوري أكبر في تلك الانتخابات، ستكون أيديّ البيت الأبيض مكبّلة أكثر في ما يخص السياسة الخارجيّة.
بين أميركا وإيران إذاً، كباش قد يطول أمده. على ترامب أن يذهب في لعبة الحصار حتّى النهاية، ولأشهر من الزمن، إذا أراد أن تتلمّس طهران النتائج الماليّة لهذا الحصار. وعليه أيضًا أن يحاول استيعاب التداعيات الاقتصاديّة المنتظرة، بسبب طول أمد المواجهة. وفي الوقت نفسه، من المرتقب أن يراهن ترامب على بعض الجهود الدبلوماسيّة، لمحاولة الوصول إلى تسوية تفتح المضيق مقابل الحصار، وهذا ما قد يفضي إلى سحب ورقة إقفال المضيق عن طاولة المفاوضات.



