تسود أوساط موظفي شركتي الخليوي “ألفا” و”تاتش” بلبلة واسعة مؤخراً، تعكس حالة من انعدام الثقة حيال مستقبلهم المهني، ولا سيما بعد إعلان الحكومة قرارها تلزيم إدارتهما إلى القطاع الخاص.
وبينما كان الموظفون ينتظرون معالجة ملف التسويات التي تتيح لهم قبض مستحقات الضمان الاجتماعي، والتي عُلّقت في الشركتين منذ عهد الوزير السابق جوني القرم بذريعة عدم توفر الأموال، فوجئوا مؤخراً باستقدام عشرات المستخدمين التقنيين، بعقود حرّة وإنما مع أجر يفوق رواتب موظفيها المخضرمين، كما يؤكدون، من دون أن يكون واضحاً لهم في المقابل ما إذا كان هذا التهافت على تقنيين وظائف الشركتين، جاء بناء لفتح فرص عمل جديدة بأساليب شفافة ومتاحة أمام الكفاءات بالتساوي.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وقّعت شركة “ألفا” عقد عمل مع جوزف أبو رجيلي أحد مستشاري الوزير شارل الحاج، مع ترقيته إلى رتبة مدير استراتيجي، بعدما كان الأخير قد قدَّم استقالته من الشركة عقب الأزمة المالية التي حلّت بلبنان.
هذا في وقت تداول الموظفون معلومات عن إمكانية تكليف مستشار الوزير داني دويك، مهام قيادية في شركة “تاتش”، وعن توظيفات من خارج الملاك لملء شواغر إدارية، وهذا ما أثار تساؤلات تجاوزت البعد الإداري إلى الاعتبارات السياسية والطائفية التي لطالما رافقت التعيينات في القطاع العام.
مشاكل متراكمة
وبحسب ما نقله المعترضون لـ”المدن”، فإن اعتراضهم على التعاقدات الأخيرة لا يرتبط بالعقود الجديدة وحدها، بل يتصل بمسار تراكمي بدأ مع ملف متأخرات الضمان الاجتماعي الذي شكَّل تركة ثقيلة منذ عهد الوزير السابق جوني القرم.
فأكثر من 150 موظفاً ممن أتمّوا عشرين سنة عمل في الشركتين، وفقاً لما تؤكده المصادر، ينتظرون تسوية أوضاعهم حتى اليوم لتقاضي تعويضاتهم. استعجل هؤلاء طلبات الحصول على التعويضات بعد تدخّل الوزير القرم لمعالجة أوضاع تسعة موظفين “بالواسطة”، الأمر الذي عزز مخاوف الآخرين من فقدان حقوقهم، فتهافتوا على سحب تعويضاتهم، حتى لو أدى سحبها المبكر إلى خسارتهم نحو ثلث قيمتها مقارنة بما يمكن أن يحصلوا عليه عند بلوغ السن القانونية للتقاعد.
في خضم امتناع الشركة عن تسوية الأوضاع، رفع الموظفون شكوى أمام مجلس شورى الدولة، انتهت إلى إبطال قرار حكومي سابق قضى بتمديد براءات ذمة الشركتين. كما صدر لاحقاً قرار عن مجلس الوزراء أكد ضرورة تسوية أوضاع الموظفين، إلا أنه قبل ترجمته أفعالاً، برزت فجأة مسألة التوظيفات الجديدة، وهذا ما زاد من منسوب التوتر داخل الشركتين.
عدد “محدود” من التعيينات!
إلا ان هذه التوظيفات جاءت أيضاً بعد نزف في الموارد البشرية، اختبرته الشركتان نتيجة الأزمة المالية، وما رافقها من تخفيض للرواتب قبل إعادتها لاحقاً إلى مستوياتها الأولى. وهو ما طرح تساؤلات حول ما إذا كان باب التوظيف قد فُتح مجدداً في الشركتين، وإن بشكل مقنّع. وما هي مصادر تمويل هذه العقود الجديدة؟ وبأي كلفة؟ وهل ستكون على حساب الإيرادات التي ترفد الخزينة العامة من قطاع الاتصالات؟ وما هو المشروع المحدد الذي يستدعي هذه التوظيفات؟ وهل ستؤدي هذه الخطوة إلى التخلي تدريجياً عن بعض العقود الخارجية والاستشارات القائمة Outsourcing؟
تجيب مصادر وزارة الاتصالات، في اتصال مع “المدن”، على بعض هذه التساؤلات، جازمة بأن لا توظيفات جديدة بالمعنى التقليدي للكلمة داخل الشركتين. وتوضح أن الوزير لم يفتح باب التوظيف بالشكل المعتاد، بل سمح بعدد محدود جداً من التعيينات لسد النقص الناتج عن مغادرة خبرات أساسية خلال الأزمة، ولتأمين اختصاصات غير متوافرة حالياً داخل الشركتين.
وتربط الوزارة هذه التعاقدات مباشرة بمسار تطوير الشبكة واستيعاب التكنولوجيا الجديدة، الى جانب الحاجة إلى اختصاصيين في ربط المحطات بالألياف الضوئية، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات. وتنفي أن يشكل ذلك توسعًا في التوظيف. مؤكدة أن تمويل هذه العقود يتم من داخل موازنات الشركتين ومن وفورات إعادة الهيكلة، وليس من الخزينة العامة.
وفي ما يتعلق بالأسماء المتداولة لتولي مواقع قيادية في الشركتين، أوضحت المصادر بأن “تعيين أبو رجيلي ترجم رغبة “ألفا” بالاستفادة من خبرته في موقع إداري، وقد وافق على ذلك انطلاقاً من مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب”. ونفت المصادر في المقابل المعلومات حول تعيين داني دويك في “تاتش”، حتى لو اعتبرت خبرته قيمة مضافة. وبالتالي رأت أنه إذا تقرر الاستفادة من خدماته مستقبلاً ضمن حاجة تقنية واضحة، فسيخضع ذلك للمعايير المهنية نفسها المعتمدة على الجميع.
وشددت المصادر على أن القرارات التشغيلية والإدارية اليومية تقع ضمن صلاحيات إدارات الشركتين، فيما يقتصر دور الوزارة على القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالقطاع.
إدارة المال العام تستوجب الشفافية
في المقابل برز تباين الشركتين في توضيح إجراءاتهما الإدارية أمام الرأي العام وموظفيها. فامتنعت “تاتش” كليّاً عن الإجابة على أسئلة “المدن” بذريعة أن موضوع التوظيف “يندرج ضمن الشؤون الداخلية الخاصة بالشركة” رغم أن المعترضين يعتبرون أن إدارة المال العام تستوجب توضيحات أكبر حول وجهة الإنفاق.
بينما بررت ألفا العقود من دون تحديد حجمها، بالحاجة الى “معالجة احتياجات تشغيلية محددة تفرضها متطلبات العمل والتطور التكنولوجي واستمرار المرفق العام خصوصاً بعد النزف البشري الذي أصاب الشركة حيث غادر الشركة 365 موظفاً، بينهم 150 مهندساً بسبب الأزمة الاقتصادية”. مؤكدة أن “أي خطوة من هذا النوع تخضع للموافقات والأصول القانونية والإدارية المعتمدة”.
وأوضحت أن “أي تعزيز للقدرات الداخلية لا يعني تلقائياً الاستغناء عن خدمات الـ outsourcing، إذ أن هذا الأمر يرتبط بدراسة تقنية ومالية وتشغيلية شاملة تحدد النموذج الأكثر كفاءة وتوفيراً للشركة”.
ووضعت “ألفا” تعيين بو رجيلي في إطار ما “يخدم تحسين الأداء وتعزيز التنسيق ومتابعة الملفات ذات الأولوية”. وأكدت أن “أي نفقات إضافية مرتبطة بالموارد البشرية تندرج ضمن الموازنات التشغيلية المعتمدة للشركة والموافق عليها وتخضع للرقابة والآليات المالية المرعية الإجراء، بما يضمن عدم تحميل الشركة أعباء غير مدروسة”.
إنفاق على عقود عمل إضافية!
وطمأنت ألفا موظفيها الموجودين في المقابل إلى أن ملف حقوق الموظفين والتسويات المرتبطة بالضمان، منفصل عن أي نقاش يتعلق بالتعاقدات الجديدة، وأكدت أنها “حقوق مصانة وتستكمل إجراءاتها اللازمة وفق الأطر القانونية”.
غير أن أوساط المعترضين رأت أن الحاجة للتطوير لطالما شكّلت مدخلاً لتبرير إدخال أشخاص جُدد إلى الإدارة من دون رؤية واضحة.
ومع أن المعترضين أقروا بالحاجة داخل الشركتين لدم جديد. إلا أنهم استغربوا الخطوة أيضاً بظل انطلاق إجراءات تلزيم الإدارة الى مشغل خارجي بناء لقرار الحكومة.
فحتى لو بدت النتيجة متعثرة حالياً بظل الالتباسات التي رافقت آليات تنفيذ القرار حتى الآن، يرى المعترضون أن أي مشغّل جديد للشركتين سيأتي بطاقمه الإداري والفني الخاص. وهذا ما يضع جميع الموظفين في دائرة عدم الاستقرار إذا لم تأت عقود التلزيم واضحة لناحية حماية موظفي الشركتين، ويساويهم مع المتعاقدين الجدد، خصوصاً أن أي مشغّل سيتولى الإدارة سيصطدم بفائض التوظيفات التي قادت إليها المحسوبيات على مرِّ السنوات. بينما كان الأجدى وفقاً لما تقوله مصادر المعترضين، تدريب بعض من حُشرت بهم الإدارة من دون مهام، وتحميلهم المسؤوليات مقابل الأجر الذي يتقاضونه.
ومع ذلك حاول نقيب موظفي الشركتين مارك عون تلقف تطمينات المعنيين بإيجابية فأكد “بأنّنا كنقابة لا نعترض على التوظيفات الجديدة من حيث المبدأ، لكنّنا لا نقبل بأن تشكل في المستقبل ذريعة للتهرب من الحقوق بحجة التوظيفات الجديدة، لأننا لسنا نحن من وظف.”
واستغرب عون الإنفاق على عقود عمل إضافية، بينما الموظفون محرومون من تسويات الضمان بذريعة عدم توفر الأموال. وقال “إذا كانت هناك حاجة فعليّة لتقنيين فنحن نتفهم ذلك، بل نريد تطوير القطاع وتحسين أدائه، وقد اشتقنا إلى هذا المستوى من العمل الاحترافي”. ولكن كما يقال “على قد البساط مدّ رجليك”.



