رفع عدد من البلديات في كسروان مستوعبات النفايات من الشوارع، لكنّ أكياس القمامة بقيت مكانها. فمع بدء تطبيق خطط «الفرز من المصدر» في سهيلة وعين الريحانة وعشقوت وبلدات أخرى، انتقلت مسؤولية الفرز إلى المنازل، فيما لم ينتقل جميع السكان بالسرعة نفسها إلى النظام الجديد. وبين خطة يُفترض أن تخفّض كمية النفايات المُرسلة إلى المطامر وواقع يحتاج إلى وقت للتأقلم، ظهر التحدّي منذ الأيام الأولى: كيف يمكن فرض الفرز قبل تأمين انتقال سلس إليه؟
المشكلة ليست في مبدأ الفرز الذي يلقى قبولاً حتى لدى عدد من المعترضين على الإجراءات، بل في طريقة التطبيق. فالبلديات ولجان البيئة وضعت خططاً لتنظيم جمع النفايات المفروزة وفق جداول وآليات محدّدة، ونظّمت محاضرات ولقاءات لتعريف السكان بها، وبالتزامن أزالت مستوعبات شركة «رامكو» من جوانب الطرق وطلبت تأمين مستوعبات خاصة داخل المنازل.
وبحسب الآلية المُعتمدة، توضع المواد القابلة لإعادة التدوير، من ورق وكرتون وبلاستيك ومعادن وزجاج نظيف، في أكياس زرقاء، فيما تخصّص الأكياس السوداء لبقايا الطعام والمناديل المستعملة والحفاضات وغيرها من النفايات المنزلية غير القابلة لإعادة التدوير. ووفق معلومات «الأخبار»، تتولى البلديات جمع النفايات بشاحنات خاصة تابعة لها، وفق جداول تختلف من بلدة إلى أخرى ومقابل بدل مادي. وبعد الجمع، تُفرز النفايات، على أن تتولى «رامكو» نقل الجزء غير القابل لإعادة التدوير، فيما تذهب المواد القابلة للتدوير إلى الجهات العاملة في هذا القطاع.
10% فقط قابلة للبيع في سهيلة
في سهيلة، تعتمد البلدية آلية لفرز المواد القابلة لإعادة التدوير وبيعها إلى معامل متخصّصة، ومنها قوارير المياه والعبوات البلاستيكية الملوّنة والزجاج والتنك. وتشكّل هذه المواد نحو 10% من إجمالي وزن النفايات، فيما يبلغ متوسط سعر الطن منها نحو 100 دولار، ما يؤمّن للبلدية مردوداً شهرياً يراوح بين 1200 و1500 دولار. ولكن لا يحوّل هذا المردود النفايات إلى مصدر ربح للبلدية، إذ يُستخدم لتغطية جزء من تكاليف اليد العاملة والنفقات التشغيلية المترتبة على الجمع والفرز والنقل.
أمّا الكلفة التي سيتحمّلها السكان، فلا تزال متفاوتة بين بلدة وأخرى. ففي عشقوت، لم تُحدّد بعد قيمة البدل الذي سيُستوفى من المنازل، فيما تتجه بلديات أخرى إلى إدخاله ضمن الرسم البلدي السنوي.
تشكّل المواد القابلة للفرز نحو 10% من إجمالي وزن النفايات فيما يبلغ متوسط سعر الطن منها نحو 100 دولار
«رامكو»: البديل أكثر كلفة
في المقابل، يضع المدير العام لشركة «رامكو»، وليد بو سعد، النقاش في إطار الكلفة. ويقول لـ«الأخبار» إن المواطن يدفع حالياً نحو 35 دولاراً عن كل طن في إطار العقد المركزي المُبرم بين الشركة والدولة، مقدّراً أن لجوء البلديات إلى متعهدين أو شركات بديلة، أو إلى إنشاء معامل خاصة بها، قد يرفع الكلفة إلى 500 دولار للطن.
ويشير بو سعد إلى أن «رامكو» ستواصل جمع النفايات غير القابلة للفرز حتى كانون الأول 2026، موعد انتهاء عقدها مع مجلس الإنماء والإعمار لجمع النفايات ونقلها في قضاءي المتن وكسروان ومدينة بيروت.
المستوعبات تختفي والأكياس تبقى
منذ بدء تطبيق النظام، ظهرت المشكلة المباشرة على جوانب الطرق. فبعد إزالة المستوعبات، استمر بعض المواطنين في ترك أكياس النفايات في المواقع نفسها التي كانت تضم الحاويات. لذا، تعتزم البلديات، وفق معلومات «الأخبار»، تشديد الرقابة عبر مراجعة كاميرات المراقبة وتنظيم محاضر ضبط وتسيير دوريات ميدانية لملاحقة الرمي العشوائي. لكنّ عدداً من السكان يردّ المشكلة إلى سرعة الانتقال من النظام القديم إلى الجديد، وإلى عدم وصول التعليمات مباشرة إلى الجميع.
على سبيل المثال، سميرة، من سكان بلدة عشقوت، لم تبدأ الفرز مع انطلاق الخطة لأنها، كما تقول، لم تعلم بها مباشرة، إذ «اكتفت البلدية بنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون التواصل المباشر مع السكان».
ولا تعترض سميرة على الفرز نفسه، «الخطوة جيدة، ونحن بحاجة إلى المحافظة على نظافة البلدة والبيئة»، تقول، ولكنها ترى أن تطبيقها كان يحتاج إلى تحضير أفضل وتدريب السكان على آلية الفرز قبل إزالة المستوعبات كلياً. وتقترح رفعها تدريجياً بما يمنح الناس وقتاً للتأقلم مع النظام الجديد.
أمّا كاتيا، وهي من سكان المنطقة، فتقول إنها باتت تنقل نفاياتها وتبحث عن حاويات في بلدات أخرى بعدما رُفعت المستوعبات من بلدتها، في وقت لم يلتزم فيه جميع السكان بعد بنظام الفرز.
من جهته، يقترح إيلي حلاً انتقالياً يقوم على إبقاء حاويات عامة في نقاط محدّدة، على أن تكون مخصّصة للنفايات المفروزة، بدلاً من إزالة المستوعبات دفعة واحدة. ويرى أن ذلك قد يتيح انتقالاً أكثر واقعية إلى النظام الجديد.



