يواجه الاستقرار النقدي في لبنان تحدّيات غير مسبوقة في ظل تداخل الأزمة المالية الممتدة منذ العام 2019، مع تصاعد التوترات الإقليمية وانخراط لبنان في الصراع الدائر في المنطقة.
وقد أعدّ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت تقييمَ حالةٍ جديداً يرصد جذور الأزمة المالية وكلفة الحرب على لبنان، وتآكل عنصر “الثقة” الذي شكّل الركيزة الأساسية لاستقرار الليرة على مدى عقود.
وبحسب تقييم المركز، فإنه بعد الانهيار الحاد الذي تعرّض له سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، تمكّنت السلطات النقدية من تحقيق استقرار نسبي لسعر الصرف عند حدود 89500 ليرة للدولار منذ آب 2023، بعد ما كانت قد وصلت ذروته السلبية إلى 140 ألف ليرة في آذار من العام نفسه. غير أن هذا الاستقرار الهشّ، بحسب توصيف البنك الدولي، غير قائم على أسس تعافٍ بنيوي، ولم يكن نتيجة تحسن اقتصادي فعلي، بل كان ثمرة سياسات ظرفية هدفت إلى إدارة الأزمة أكثر من معالجتها، وهذا ما يجعله قابلًا للانهيار عند أول صدمة خارجية.
تعود جذور هذه الهشاشة إلى تآكل عنصر “الثقة” الذي شكل الركيزة الأساسية لاستقرار الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي على مدى عقود. فمنذ منتصف التسعينيات، اعتمد لبنان على تدفّقات الودائع وتحويلات المغتربين لتمويل اقتصاده ودعم احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. غير أن هذه التدفقات بدأت بالتراجع تدرّجًا منذ العام 2010 بفعل الاضطرابات الإقليمية، ما أدى إلى استنزاف الاحتياطات وتراكم الخسائر المالية التي قُدِّرت بنحو 68.8 مليار دولار، وفق تقرير شركة “لازار” في عام 2020.
في مقابل ذلك، انخفضت الاحتياطات من أكثر من 35.2 مليار دولار في عام 2018 إلى أقل من 10 مليارات دولار في مطلع عام 2024، تزامنًا مع فقدان الليرة أكثر من 98 في المئة من قيمتها. هذا التدهور أفقد المصرف المركزي قدرته التقليدية على التدخل المباشر في السوق للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية.
في ظل هذا الواقع، انتقل لبنان إلى نمط من “الدولرة” النقدية الشاملة وإدارة الأزمة عبر ما يمكن تسميته “تثبيتًا غير مباشر” لسعر الصرف. وتعتمد هذه الآلية على تحقيق توازن دقيق بين تدفقات العملات الأجنبية واستنزافها، من خلال إجراءات مثل تعديل الجباية الضريبية بالليرة، ودفع رواتب القطاع العام بالدولار، وضبط ضخّ السيولة المحلية.
إلا أن هذا النموذج يبقى هشًّا بطبيعته، إذ يرتبط بشكل أساسي باستمرار تدفّق العملات الأجنبية لتمويل العجز البنيوي في الحساب الجاري، والذي يتفاقم نتيجة العجز التجاري المزمن وارتفاع فاتورة الاستيراد، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على المشتقات النفطية التي شكلت حوالى 22 في المئة من إجمالي الواردات في سنة 2025.
وقد فاقمت الحرب الإقليمية الأخيرة هذه الهشاشة، حيث لم تقتصر تداعياتها على الخسائر المادية التي قُدرت بنحو 14 مليار دولار وحسب، بل امتدت لتشمل ركائز الاستقرار النقدي نفسها. فقد تراجعت تحويلات المغتربين (4.8 مليار دولار في 2025)، التي تشكل المصدر الأساسي للعملات الأجنبية، نتيجة تأثر اقتصادات دول الخليج وتصاعد المخاطر الأمنية. كما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة كلفة الاستيراد بشكل ملحوظ، في حين تراجعت الصادرات اللبنانية إلى أدنى مستوياتها بسبب تعطل المعابر البرية وتدهور العلاقات التجارية.
توازيًا، تستمر احتياطات مصرف لبنان في التآكل نتيجة التزامه تسديد دفعات للمودعين بموجب التعميمين 158 و166 بقيمة 2.7 مليار دولار سنويًّا، في وقت تتراجع التدفقات المالية من الخارج. ويضاف إلى ذلك عامل عدم الاستقرار السياسي، حيث يلوح في الأفق احتمال الانتقال إلى تفاهمات سياسية جديدة بعد مرحلتي الطائف والدوحة، ما يجعل الاستقرار النقدي رهينة للتطورات السياسية بقدر ما هو مرتبط بالعوامل الاقتصادية.
في المحصلة، يتضح أن استقرار سعر صرف الليرة في لبنان هو استقرار هش يعتمد على ظروف خارجية أكثر مما يستند إلى إصلاحات داخلية مستدامة. ومع استمرار الضغوط الإقليمية وغياب احتياطات كافية “مانحة للثقة”، يبقى هذا الاستقرار عرضة للانهيار في أي لحظة، ما يعيد الليرة إلى مسار التدهور العنيف ويعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. من هنا، تبقى الليرة مؤشّرًا مباشرًا إلى عمق الأزمة واحتمالات تفاقمها أو احتوائها في المرحلة المقبلة.
(مرفق دراسة “كلفة الحرب على لبنان”)



