سادت حالة من البلبلة والإرباك في أروقة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بعد إلغاء وتأجيل عدد من الرحلات الجوية، لا سيما المتجهة إلى الإمارات العربية المتحدة وبعض الوجهات الإقليمية. هذا المشهد أحدث قلقاً متزايداً بين المسافرين الذين وجدوا أنفسهم أمام “حائط مسدود” بانتظار اتضاح الرؤية الميدانية في المنطقة.
حيدر : لا داعي للتهويل
وفي اتصال مع “المدن”، أكد المدير العام التنفيذي في مطار بيروت، جلال حيدر، أن “ما جرى لا يستدعي التهويل”، واصفاً الإجراءات بأنها “روتينية” وتأتي في سياق التحوط الأمني. وأشار حيدر إلى أن هذا الارتباك جاء على خلفية التوترات الميدانية الأخيرة، وتحديداً ما تردد عن استهداف إيراني لمنطقة الفجيرة، مما دفع بالشركات إلى إعادة تقييم مساراتها الجوية بشكل مؤقت.
وفي سياق متصل، علمت “المدن” أن شركة “إير فرانس” (Air France) اتخذت قراراً بتمديد تأجيل رحلاتها من وإلى بيروت حتى 20 أيار المقبل، ريثما تتضح الصورة الميدانية والأمنية بشكل كامل، وهو ما زاد من وطأة الضغط على الرحلات البديلة.
أرقام الحركة اليومية: ثبات حذر
وفي موازاة هذا المسعى الرسمي لاحتواء القلق، تتابع “المدن” رصد المؤشرات الميدانية لحركة المطار، للوقوف على مدى تأثر الجداول الزمنية للرحلات بالمتغيرات الإقليمية المتسارعة.
وتظهر البيانات الإحصائية الخاصة بالحركة اليومية للطائرات والركاب التي حصلت “المدن” على نسخ منها، أن المرفق الجوي لا يزال يحاول الحفاظ على مستويات تشغيلية مقبولة رغم التحديات الأمنية. وبحسب الأرقام المسجلة كانت الحركة كالتالي:
تُظهر هذه الأرقام محاولة المطار الحفاظ على وتيرة عمله رغم الإلغاءات، إلا أن القلق يبقى سيد الموقف مع اقتراب موسم الصيف.
قطاع الطيران في “فوهة” الصراع
دخل قطاع الطيران الإقليمي والعالمي نفقاً مظلماً جراء المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. وبحسب مصادر معنية في القطاع لـ”المدن”، فإن الأزمة انعكست عبر ثلاثة مسارات حادة: 1- تحليق أسعار التذاكر: سجلت ارتفاعات تراوحت بين 24% وصولاً إلى 100% لدى بعض الشركات.
2- تأمين “المخاطر”: قفزت رسوم التأمين على خطورة الطيران بشكل جنوني، خاصة في دول الشرق الأوسط والخليج.
3- أزمة الوقود (الكاز): تواجه الطائرات الحديثة مشكلة في توفر الكاز المخصص لها، حيث قفزت الأسعار من 800 دولار لتصل في بعض المناطق إلى مستويات قياسية (بزيادة رمزية تقدر بـ 2000% في بعض الحسابات التشغيلية القصوى).
أما على ضفة كلفة التأمين، فقد دخلت شركات الطيران في نفق ‘المخاطر المرتفعة’، حيث لم تقتصر الضغوط على الجوانب الميدانية فحسب، بل انسحبت تقلبات سياسية وأمنية حادة على جداول الرسوم التأمينية التي قفزت بمعدلات متفاوتة بحسب القرب من بؤر التوتر، وهو ما تعكسه النسب التالية:
• الخليج العربي: ارتفاع من 65% إلى 70%.
• دول الشرق الأوسط (المباشرة): ارتفاع بنسبة 30%.
• أميركا وأوروبا: ارتفاع بنسبة 10%.
اللافت أن بعض الشركات آثرت تحمل هذه الكلف الإضافية لضمان استمرارية تشغيلها، لكن الضغط الاقتصادي قد لا يرحم طويلاً.
“قرصنة” مسافرين وتسريح طيارين
في السياق كشفت مصادر “المدن” عن “معركة خفية” تجري في الكواليس، حيث تحاول بعض الشركات الأوروبية والصينية “سرقة” واستقطاب المسافرين من شبكات الطيران الخليجية الكبرى (مثل الإمارات، الاتحاد، والقطرية). هذه الشركات التي أثبتت كفاءة عالية على مدى 40 عاماً، تجد نفسها اليوم في مواجهة حملات ترويجية شرسة من منافسين يحاولون استغلال الظرف الأمني لضرب نفوذ “عمالقة الخليج” في الأجواء.
تحذر المصادر من أن قطاع الطيران ما بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. التخوف الأكبر اليوم ليس فقط من ضياع الموسم السياحي العالمي، بل من “سابقة خطيرة” تتمثل في بدء عملية تسريح للطيارين الذين لا يقودون رحلات جوية نتيجة تقليص الجداول.
بالمحصّلة إن استمرار هذا الاضطراب قد يجعل من إنقاذ الموسم السياحي “معجزة” حقيقية، وسط معاناة ستكبر ككرة الثلج لتطال هيكلية قطاع الطيران المدني العالمي برمتها.



