خصّص مشروع موازنة 2027 نحو 118 مليون دولار لتسديد مساهمات إلى «هيئات لا تتوخّى الربح». المبلغ ليس هامشياً في موازنة تُبنى على ضيق الموارد وضغط الإنفاق، والأهم أن جزءاً منه يُترك تحت عناوين عامة لجمعيات وهيئات واتحادات ومؤسّسات خاصة محمية سياسياً وحزبياً وطائفياً، من دون أن تظهر في نصّ الموازنة معايير موحّدة تشرح لماذا تُموّل هذه الجهات، وعلى أي أسس تُحدّد مساهماتها، وما هو المردود الاجتماعي العام مقابل هذا الإنفاق. أمّا الأسوأ، فإنّ المشروع برمّته يقوم على البحث في كل الزوايا الممكنة لتحصيل إيرادات أياً كانت قيمتها، كون الحكومة اليوم بأمسّ الحاجة إلى أي «قرش»، لكنها في الوقت نفسه تترك «مزاريبها» مفتوحة لهيئات تمثّل جوهر النظام الزبائني. فهل تمويل هذه الهيئات والجهات أهمّ من تمويل الكهرباء مثلاً؟ أو أهم من تمويل مؤسسات المياه؟ أو أهمّ من تمويل استثمارات في الطاقة المتجدّدة؟
في الموازنات السابقة، يتبين بشكل واضح أنّ هذه المساهمات ليست جديدة. بلغت قيمتها نحو 10.07 تريليونات ليرة في موازنة 2026. لكن في موازنة 2027 جرت زيادتها بقيمة 529.5 مليار ليرة، أي بزيادة نسبتها 5.3%. لكنّ هذه الزيادة ليست القضية الأساسية. فحتى لو بقي الاعتماد على حاله، يبقى السؤال نفسه: لماذا تحتفظ الدولة بأكثر من 118 مليون دولار لتوزيعها عبر جمعيات وهيئات خاصة وبواسطة أكثر من إدارة رسمية، في وقت تضغط فيه إنفاقها إلى حدّ الوصول إلى التدقيق في فواتير المواطنين اليومية وإلغاء اعتمادات لمشاريع عامة ذات أهمية كبرى اليوم.
يُظهِر التدقيق في هذه المساهمات، أن المبلغ المُخصّص لـ«الجمعيات والاتحادات واللجان الرياضية والشبابية والكشفية ومكافآت الأفراد» ضمن اعتمادات وزارة الشباب والرياضة، ارتفع من 30 مليار ليرة إلى 179 ملياراً، أي من نحو 335 ألف دولار إلى مليوني دولار، بزيادة 497%. لكنّ المشروع لا يوزع المليوني دولار بين المستفيدين، ولا يسمّي الجمعيات والاتحادات واللجان التي ستحصل عليها، بل يجمعها كلها في سطر واحد، ويترك أمر التوزيع للوزارة.
كما توجد الكتلة الكبرى في وزارة الشؤون الاجتماعية، إذ إن قيمة المبالغ المُصنّفة ضمن هذا البند تبلغ 8.38 تريليونات ليرة، أي نحو 94 مليون دولار، أو ما يساوي 79% من مجمل «المساهمات إلى هيئات لا تتوخى الربح» ضمن الموازنة. ومن ضمنها 7.9 تريليونات ليرة موزّعة على عناوين عامة من نوع «رعاية اجتماعية»، و«رعاية معوقين»، ومشاريع اجتماعية وصحية بالاشتراك مع الجمعيات الأهلية ونفقات المشاريع الإنمائية. وحدها المشاريع الاجتماعية والصحية بالاشتراك مع الجمعيات الأهلية مرصود لها نحو 5.9 ملايين دولار، من دون أن يبيّن جدول الموازنة أسماء الجمعيات التي ستتقاسم المبلغ أو حصة كل منها.
ليست المشكلة أن كل جمعية تتلقّى مساهمة من الخزينة، فبعضها يؤدّي خدمات صحية واجتماعية يكون المواطنون بأمسّ الحاجة إليها، وبعضها يحلّ أصلاً مكان دولة انسحبت من تقديم هذه الخدمات أو جعلتها «حلماً» وخصوصاً لمن هم تحت خط الفقر. لكن ذلك لا يعفي الدولة من الإجابة عن سؤال المال العام. فلا يكفي أن تكون الجمعية «تساعد الناس» لكي يصبح الاعتماد حقاً مُكتسباً يُجدول دورياً في الموازنة. لذلك يُفترض أن يكون واضحاً كيف تذهب كل ليرة من هذه الأموال، فالمواطنون «أحق» بها، خصوصاً أنّه كما هو معلوم فإنّ العديد من الجمعيات لا تقدّم شيئاً يُذكر أو شيئاً يُعتبر من الأولويات اليوم. فغالبيتها هي «مشاريع» انتخابية ومناطقية وزبائنية وطائفية. كما أنّه في بلد يقوم جزء كبير من نظامه السياسي على توزيع الموارد والخدمات عبر شبكات حزبية وطائفية ومحلية، تصبح الأسئلة عن مصير وجدوى وكيفية توزيع هذه الأموال أكثر إلحاحاً.
واللافت أن الموازنة لا تسمّي المستفيدين حتى في بعض الاعتمادات الكبيرة. ففي وزارة البيئة، هناك 75.499 مليار ليرة، أي نحو 844 ألف دولار، مُدرجة مباشرة تحت «مساهمات إلى هيئات لا تتوخّى الربح» من دون أن يسمّي الجدول الجهات المستفيدة. كذلك في وزارة السياحة يظهر اعتماد آخر بقيمة 400 مليون ليرة من دون تسمية المستفيد في الجدول.
المفارقة أن الدولة تبحث عن «الليرات المُبعثرة» وكيفية تحصيل كل ليرة ممكنة من النظام الضريبي القائم، لكنها تعود في صفحة أخرى وترمي ملايين الدولارات في شبكة مساهمات لا تشرح الموازنة ضرورتها ولا معايير توزيعها ولا العائد العام منها. وهذا يوحي وكأنّ الخزينة مُفلِسة حين يكون المطلوب تمويل الأجور أو إعادة الإعمار أو تحسين الخدمات العامة، وسخيّة حين يصل الدور إلى القنوات التي اعتاد النظام أن يوزّع عبرها المال العام.



