«المركزي» يدفع ودائع خليجية بـ «دولاراتنا»

0

هل استعمل مصرف لبنان ما تبقى من دولاراته من أجل تسديد ودائع حكومات دول مجلس التعاون الخليجي؟ السؤال تفرضه تلك الإفصاحات الخجولة التي ينشرها مصرف لبنان مع الإحصاءات المالية والنقدية والمصرفية وتطوّراتها. ففي شهر تموز 2020 نشر مصرف لبنان أرقام «التغيّر في صافي الأصول الأجنبية» التي تعبّر عملياً عمّا يسمى «ميزان المدفوعات»، أي عن صافي الأموال الوافدة إلى لبنان والخارجة منه. أظهرت هذه الإحصاءات أن ميزان المدفوعات سجّل عجزاً في نهاية تموز بقيمة 3046 مليون دولار من بينها 2779 مليون دولار سُحبت من مصرف لبنان ونحو 260 مليوناً سُحبت من المصارف. هذا العجز الكبير في شهر واحد، والمفاجئ في هذا التوقيت تحديداً، جاء مرفَقاً بتبرير على الموقع الإلكتروني يقول ما حرفيته: «اعتباراً من تموز 2020، أُعيد تصنيف جزء من الودائع طويلة الأجل لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أُودعت في عام 1998 وتبلغ قيمتها حالياً نحو 500 مليون دولار، على أنها مطلوبات (التزامات) أجنبية، لتعكس التغيير في طبيعة هذه الودائع إلى حسابات تحت الطلب».

بهذا الوضوح، يقول مصرف لبنان إنه نقل مبلغ 500 مليون دولار من بند «التزامات طويلة الأجل» إلى بند «التزامات خارجية»، تمهيداً لتسديد ودائع دول مجلس التعاون الخليجي. لم يحسم بأنه سدّدها، ولم يقُل إنها طلبت منه، بل لفت إلى المبرّر التقني الذي دفعه إلى القيام بهذه الخطوة التي تسبق أو تمهّد لهذا التسديد. أصلاً، تعدّ هذه الخطوة بمثابة إقرار من مصرف لبنان بالتسديد عند الطلب.

رغم ذلك، ثمة ما يوحي بأنه قام بتسديد هذه الودائع، وربما غيرها أيضاً، انطلاقاً من الآتي:

– العجز الكبير في ميزان المدفوعات والمسجّل في شهر تموز، لم يحصل في آب 2019 عندما قرّر مصرف لبنان أن يعيد تصنيف «ودائع من القطاع الخاص» بقيمة 1.4 مليار دولار (توازي قيمة الوديعة من غولدمان ساكس) من بند «التزامات طويلة الأجل» إلى بند «التزامات خارجية». ففي ذلك الوقت لم يُسجّل عجزٌ كبير في ميزان المدفوعات كما حصل في تموز 2020 مع نقل الودائع الخليجية، كما أنه لم تتراجع قيمة المبالغ المودعة في بند «العملات الأجنبية» التي يحملها في محفظته بقيمة موازية.

– في سياق هذا التلاعب بالقيود المحاسبية في تموز 2020، تبيّن أن قيمة المبالغ في محفظة «العملات الأجنبية» تراجع بقيمة 2.3 مليار دولار، رغم أن مصرف لبنان لا يستعمل العملات الأجنبية التي يحملها أو ما يسمّى «احتياطاته بالعملات الأجنبية»، إلّا على الأمور الضرورية والأساسية، وهي تتركّز في تمويل استيراد السلع الأساسية والغذائية الضرورية التي يقدّر أنها تستهلك شهرياً نحو 460 مليون دولار. فمن أين جاء كلّ هذا التراجع في العملات الأجنبية؟ التفسير الوحيد المتوافر حالياً هو ما ورد على موقع مصرف لبنان عن تسديد الودائع الخليجية، ولو أنه لم يحسم تسديدها.

لكن هذا الأمر يثير مسألة أخرى: لماذا تكون أولويّات مصرف لبنان تسديد ودائع خليجية في وقت ليس بإمكان أحد الحصول على دولار واحد من أمواله المحجوزة في المصارف. فإذا كان مصرف لبنان يدّعي أن ما تبقى من احتياطات لديه هو الحدّ الأدنى من الودائع، فلماذا سيدفع منها لحكومات الخليج؟ ولماذا أصلاً ستطلب أو طلبت (الإجابة عند الحاكم رياض سلامة ومجلس المركزي) حكومات دول الخليج ودائعها في هذا الوقت تحديداً. فالحجّة التي تتذرّع بها المصارف من أجل الامتناع عن تسديد الودائع نقداً بالدولار، هو أن مصرف لبنان لا يدفع للمصارف مستحقاتها عليه بالعملات الأجنبية، أي إنه يحتجز دولاراتها، بينما هي تحتجز دولارات المودعين. ولم يكتفِ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالتلاعب بالأرقام والقيود المحاسبية والمعلومات أيضاً، سواء بعلم أو بجهل من المجلس المركزي، بل قرّر منذ بضعة أسابيع وفي خضم تسديد الودائع الخليجية، أن يراسل الحكومة لإبلاغها بأنه لم يعُد قادراً على استعمال العملات الأجنبية التي يحملها في حساباته الخارجية من أجل تمويل استيراد السلع الأساسية والغذائية المدعومة إلّا ضمن حدود ما يسمّى «الاحتياطات الإلزامية» التي تمثّل 15% من مجمل الودائع بالدولار لديه.
الأسوأ من ذلك، أنه يواظب على تمويل عمليات تحويل الودائع من الليرة إلى الدولار، ما يعزّز احتياطاته بالعملات الأجنبية بدولارات غير موجودة أصلاً، ويوسّع الفجوة في خسائر الدولار في ميزانياته على أمل أن يتم إطفاء جزء منها من خلال إصدارات النقود بالليرة اللبنانية. هناك تقديرات تشير إلى أن حجم الفجوة بات يفوق 80 مليار دولار. فكلّما ازدادت عمليات تحويل الودائع من الليرة إلى الدولار، اتّسعت هذه الفجوة أكثر فأكثر.

كان لافتاً أيضاً، أن مجموع العجز في ميزان المدفوعات خلال أشهر تموز وآب وأيلول بلغ 7.1 مليارات دولار، غالبيتها كانت مسحوبة من مصرف لبنان وليس من المصارف. لمن ولماذا يدفع مصرف لبنان كل هذه الأموال؟ هل المسألة متعلّقة بألاعيب محاسبية أم أنّها تنطوي على تسريب متعمَّد للدولارات المتبقية.

عملياً، يتوقّع أن تكون إجابة مصرف لبنان بأن نقل الأموال من بند «الأصول الخارجية»، عملية روتينية تفترض احتسابها من ضمن ميزان المدفوعات لأنها صارت التزاماً علينا، وبالتالي يصير السؤال الأكثر أهمية: لماذا كانت مسجّلة في بند «التزامات طويلة الأجل» طالما هي قابلة للسحب في أي لحظة؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here