يواجه القطاع الاستشفائي منذ سنوات سلسلة أزمات متراكمة انعكست تراجعاً في مستوى الخدمات الصحية، وازداد الوضع هشاشة مع الحرب الأخيرة التي ضاعفت الضغط على المستشفيات، ولا سيما الحكومية التي كانت الأكثر تضرراً من هذه الأزمات، في حين اختارت المستشفيات الخاصة، كما في كل مرة، رفع صوتها ومطالبة الدولة والجهات المعنية بالتدخّل. وفي هذا السياق، أصدرت نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة قبل أيام بياناً مطوّلاً دعت فيه المسؤولين إلى الاهتمام بمطالبها، في صيغة بدت وكأنها تمسك بالجهات الضامنة من اليد التي تؤلمها، أي تأمين حقوق المرضى والعاملين في القطاع.
ويُعدّ تأخر تسديد شركات التأمين لمستحقات المستشفيات العامل الأبرز الذي فاقم الأزمة أخيراً، ما دفع هذه الأخيرة إلى إطلاق جرس إنذار، خصوصاً أنها تعتمد بشكل أساسي على شركات التأمين كونها تعمل خارج التعقيدات البيروقراطية التي تحكم عمل الجهات الضامنة الرسمية كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الصحة وغيرهما. إلا أن الأزمة دخلت اليوم مرحلة أكثر تعقيداً، مع تأخير هذه الشركات في الدفع، نتيجة تراجع قدرتها على التحصيل من السوق، بحسب نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة بيار يارد.
وفيما تؤكد مصادر في جمعية شركات التأمين أن هذا التأخير لا يتجاوز ثلاثة أشهر، معتبرة أنه لا يُشكِّل تقصيراً، بل يرتبط الأمر بالظروف الراهنة وتراجع قدرة المؤمّنين على تسديد اشتراكاتهم، يرى يارد أن المطلوب هو أن تواكب الجهات الضامنة القطاع الصحي في أداء دوره تجاه المرضى، بما يفرض اعتماد معادلة ثابتة تقوم على ربط تقديم الخدمات بتسديد المستحقات المتوجبة، خصوصاً في ظل التأخير الكبير في قبض حقوق المستشفيات. وهو ما شدّد عليه بيان النقابة الذي دعا جميع الهيئات الضامنة، الرسمية والخاصة، إلى «تسريع تسديد المستحقات المتراكمة للمستشفيات بما يمكّنها من القيام بواجبها ودفع التزاماتها تجاه العاملين لديها وتجاه المورّدين»، مشيراً إلى أن التعرفات المعمول بها حالياً لم تعد تغطّي الكلفة الحقيقية التي «تشهد تصاعداً مستمراً».
وتربط النقابة المطالبة بسرعة التسديد بـ«الضغط الكبير الذي تواجهه المستشفيات بفعل استقبال جرحى الحرب والمرضى النازحين، مع تحمّلها في حالات كثيرة كامل كلفة علاجهم، بانتظار رصد الاعتمادات المُخصّصة لهذه الحالات، لافتة إلى أن وزارة الصحة «مسكّرة لحدود تشرين الأول».
في هذا السياق، يذهب يارد إلى تحميل وزارة المالية مسؤولية التأخير، معتبراً أنه، باستثناء مؤسسة قوى الأمن الداخلي التي تُسجَّل عليها متأخّرات تصل إلى ثمانية أشهر، فإن أسباب التأخير في مستحقات وزارة الصحة لا تعود إلى الوزارة نفسها «التي تقوم بواجبها واتخذت خطوات عديدة تجاه النازحين والجرحى وغيرهم، بل إلى وزارة المالية بسبب غياب السيولة».
من هنا، جاءت الدعوة مباشرة إلى وزارة المالية لـ«مراعاة وضع المستشفيات ومنحها الأولوية في آلية الدفع، نظراً إلى أن قدراتها المالية تُستنزف يوماً بعد يوم». وهذه، وفق يارد، «مشكلة كبرى للمستشفيات في ظل عدم القدرة على الاستدانة من شركات الأدوية والمستلزمات الطبية أو من المصارف».
ويزيد من تعقيد المشهد اختلال التوازن بين المدفوعات بالدولار والمستحقات بالليرة، وهي إشكالية تطاول المستشفيات الخاصة كما الحكومية، وإن كانت الأولى أقدر على تحصيل الفارق من المرضى، وتمتلك قدرة أكبر على الضغط ورفع الصوت، بل وأحياناً على وضع خدمة المرضى في مقابل تسديد المستحقات.
وانطلاقاً من هذا الواقع الضاغط، تُطرح داخل القطاع أفكار مثل اقتراح بدل إضافي يُراوِح بين 20 و30 دولاراً عن كل يوم استشفاء تُسدِّده الجهات الضامنة، بهدف المساعدة في تأمين استمرار توفير مادة المازوت. غير أن هذا الطرح لا يزال في طور النقاش، ويُقدَّم بوصفه محاولة للبحث عن تسوية تُجنِّب الجميع مزيداً من الخسائر.



