يبذل الوزيران كمال شحادة وفادي مكي، المشهود لهما بكفاءتيهما العلمية والعملية، جهودًا للوصول إلى نظرة واحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في لبنان، وهي مجموعة السياسات والمعايير والآليات الرقابية التي تنظم كيفية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها بشكل آمن وأخلاقي وشفاف.
تهدف هذه الحوكمة إلى ضمان المساءلة وحماية حقوق الأفراد والحد من المخاطر المحتملة الناتجة عن التحيز أو سوء الاستخدام أو غياب الرقابة البشرية، ولكن دون نتيجة حتى الآن.
بدأت جذور هذا الاختلاف مع تشكيل الحكومة الحالية، حيث كان من الطبيعي أن يتبوأ كمال شحادة وزارة الاتصالات كونه كان رئيسًا للهيئة الناظمة للاتصالات سابقًا. غير أن التوزيع الطائفي للوزارات الأساسية على الطوائف الثلاث الكبرى أدى إلى أن يكون وزير الاتصالات من حصة الطائفة المارونية، بينما الوزير شحادة من الأقليات، وهذا ما أدى إلى إنشاء وزارة تُعنى بشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من الطاقات البشرية الواعدة المتوفرة في لبنان.
فالوزير شحادة يعتقد أن حوكمة رشيدة لهذين القطاعين ستضيف حوالى 4 مليارات دولار إلى الناتج المحلي العام في السنوات الخمس المقبلة. بينما يعتقد الوزير مكي أن الذكاء الاصطناعي ما هو إلا أداة، كالرقمنة وغيرها من الأساليب التكنولوجية الحديثة، لا تؤدي دورها إلا إذا كانت جزءًا من خطة شاملة تهدف لإعادة هيكلة وإصلاح القطاع العام ومؤسسات الدولة. وهو ما تعمل عليه وزارة التنمية الإدارية.
التحول الرقمي
ويرأس حاليًا نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري لجنة التحول الرقمي لتجاوز فدرالية الوزارات، بانتظار إقرار قانون واضح من مجلس النواب يرعى حوكمة هذا القطاع، لا يقتصر على وزارتي التنمية الإدارية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (اللتين لا تزالان أقرب ما تكونان إلى مكتب للوزير يضم بعض المستشارين والمتعاقدين)، بل يشمل أيضًا بقية الوزارات التي يطالها أي قانون، كوزارات المالية والدفاع والأمن الداخلي والاقتصاد وغيرها.
وبينما وافق البنك الدولي في 26 كانون الثاني على قرض بقيمة 150 مليون دولار على عدة سنوات للتحول الرقمي في لبنان، يشمل الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للبيانات، والخدمات الحكومية الرقمية، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والتدريب الحكومي، حدد البنك الدولي مكتب وزير الدولة للتنمية الإدارية كجهة مسؤولة عن التنفيذ، لا سيما أن المكتب عينه كان الجهة التي قادت إعداد استراتيجية التحول الرقمي أيام الوزيرة مي الشدياق، إلى أن أقرها مجلس الوزراء في العام 2022 في عهد الوزيره نجلا الرياشي. ومن جهة أخرى قال وزير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إن الحكومة تعتزم استثمار من 30 إلى 50 مليون دولار خلال السنتين القادمتين، لبدء التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الدولة اللبنانية. ويشمل الاستخدام المقترح الهوية الرقمية الوطنية، والمدفوعات الرقمية، ومنصة لتبادل البيانات بين الإدارات، والبنية القانونية والتقنية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وأتمتة الإجراءات الحكومية، واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الخدمات العامة.
الخوف من التنفيذ الجزئي
لكن الخوف أن تنضم استراتيجية وزارة التنمية الإدارية للتحول الرقمي في لبنان ورؤيا الوزير كمال شحاده لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا إلى لائحة الخطط والمشاريع التي أُغدقت على لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية (أو على الأقل الشق العسكري منها)، ونُفذت جزئيًا أو لم تُنفذ لاعتبارات شتى، ليس أقلها الصراع السياسي، ما أدى إلى إفشال بعضها والانقلاب عليها وعدم تحقيق المرجو منها، خصوصًا عند تبدل الجهات السياسية المشرفة على الوزارات والمؤسسات المعنية.
ليس المطلوب أن تتنافس وزارتان على التحول الرقمي أو الذكاء الاصطناعي، بل أن تحدد الدولة نموذج حوكمة واضحاً يضمن استمرارية العمل المؤسسي من جهة، ويوزع المسؤوليات الجديدة من جهة أخرى. وإن تم ذلك، هل تستطيع الدولة تنفيذ هذه الاستراتيجية وتلك الخطة في غياب الكهرباء والإنترنت ووسائل الاتصالات وغيرها من البنى التحتية؟ أم أن مشروع الإصلاح والهيكلة والحوكمة يجب أن يطال هذه المقومات أيضًا؟ وأيهما يسبق الآخر، وكيف يكون التوازي بينهم؟ ماذا عن تطوير المناهج التربوية التي يجب أن تواكب هذا التقدم التقني؟ وماذا عن دور القطاع الخاص؟
لقد قفزت دول الخليج العربي قفزات نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي برعاية مباشرة من الدولة وبموازنات ضخمة، وخصوصاً في قطر والسعودية والإمارات، فأين نحن في لبنان من ذلك، والدولة لا تستطيع أن تؤمّن الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها؟ هل علينا أن نتكل، كالعادة، على القطاع الخاص؟ وكيف نحفز القطاع الخاص على الاستثمار في هذا القطاع؟
إن إعداد وتطبيق حوكمة رشيدة للذكاء الاصطناعي كي يساهم بدوره في حوكمة رشيدة لإدارة الدولة ومرافقها يتطلب عملًا دؤوبًا وطويلًا ومكلفًا، فأين نحن من ذلك، وأين هي الإرادة لاعتماد هذه الحوكمة؟ أسئلة كثيرة، سنحاول مقاربتها في مقالات أخرى مع الوزيرين وغيرهما من المعنيين.



