دوافع صعود الدولار أقوى من “افتعالات” هبوطه

0

بين «قصور» تعاميم مصرف لبنان عن المعالجات النقدية والمصرفية الجذرية، وبين غياب الإصلاحات الحكومية التي اتفق بشأنها لبنان مع صندوق النقد الدولي، فان سعر صرف الدولار مستمر في صعوده وفق عدد من الخبراء. كل ما يمكن محاولته، من قبل مصرف لبنان، هو عدم ترك الدولار يصعد بقفزات كبيرة من الآن حتى خروج رياض سلامة من الحاكمية في تموز المقبل… اذا استطاع الى ذلك سبيلاً!

صدر عن حاكم مصرف لبنان قبل اسبوعين بيان جاء فيه «أنه بناء على المادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف، سيقوم مصرف لبنان ومن خلال منصة صيرفة ببيع الدولار حصراً ابتداء من الثلاثاء 26 تشرين الاول، علماً انه لن يكون شارياً للدولار عبر المنصة من حينه حتى اشعار آخر». واضاف: «كما نص عليه التعميم 161، يستمر دفع معاشات القطاع العام بالدولار. ومن ناحية أخرى تستمر سحوبات الـ 400 دولار لاصحاب الحسابات المصرفية. كما انه يستمر العمل بالتعميم 151 والتعميم 158».

كان ذلك البيان المقتضب كفيلاً، في تلك الليلة التي صدر فيها، بهبوط الدولار من مستوى فوق 40 الف ليرة الى نحو 35 الفاَ. ثم ما لبث في الأيام اللاحقة ان عاود الارتفاع، الى ان وصل مع نهاية الاسبوع الماضي الى نحو 38 الف ليرة.

لماذ هبط الدولار؟ ثم لماذا عاد الى الارتفاع رغم أن التوقعات جميعها كانت تشير إلى انخفاض لافت، حيث تضاربت المعلومات حول تزامن ذلك مع انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، في مقابل رغبة البعض ببث شائعات عن تحسن الأوضاع؟ الى ذلك، معلومات متداولة تشير الى ان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي طلب من مصرف لبنان دولارات لتغطية شراء فيول لكهرباء لبنان. هذا الطلب قد يكون «فرمل» خططاً هدفها ضخ المزيد من الدولارات على منصة صيرفة لخفض سعر الدولار.

ضاهر: يجب خفض الإستيراد… لا محالة!

يسأل النائب ميشال ضاهر «كيف ارتفع إحتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية أكثر من 600 مليون دولار، خصوصاً وأنه لا يطبع الدولار انما الليرة اللبنانية؟ كاشفًا أن «المركزي قام بشراء الدولارات الاضافية من السوق الموازية لزوم شراء فيول لكهرباء لبنان».

من جهة أخرى، يرى أن «إرتفاع كمية الليرات المتداولة يؤدي حتماً إلى إرتفاع صاروخي بسعر صرف الدولار».

ويقول: «إذا قرّر مصرف لبنان اليوم التوقف عن إستعمال الإحتياطي، فنحن بحاجة الى 7 مليارات للمحافظة على هذا السعر المتداول حالياً. لذلك يجب خفض الإستيراد الى 11 و12 مليار دولار، ورفع الصادرات للمحافظة على مستوى الصرف، وبالتالي الوصول إلى حل لوقف عجز ميزان المدفوعات».

ويشدد على «أهمية التصدير والسياحة في عملية ضخ الدولار في السوق، وإلَّا فإنّه سيواصل ارتفاعه، وحدوده السماء ربما…».

وفي حال إقرار «الكابيتال كونترول» الذي يعول عليه لضبط السحوبات والتحويلات كما ضبط الاستيراد، فان ضاهر لا يرى افادة كبيرة من تلك الخطوة. ويقول «الامور لا تجري وفق عمل سحري. لذلك المطلوب إستراتيجية متكاملة، علما ان كان من المفروض، ومنذ زمن، أن يقر الكابيتال كونترول ويتم وضع القليل من الضوابط على الإستيراد وتشجيع القطاعات الانتاجية».

ويلفت إلى أنّ «منصة صيرفة تعمل، ولكن ليس هناك من قطاع إنتاجي باستطاعته أخذ دولار على صيرفة. والخلاصة: إذا لم يجرِ حل مسألة العجز في ميزان المدفوعات عبر تخفيض الإستيراد وزيادة الصادرات والتواصل مع الإغتراب، فالدولار في بلد مفلس ستكون حدوده السماء».

أبو سليمان: لم يعد حامل الدولار خائفاً من هبوطه

إلى ذلك، يلفت الخبير الإقتصادي والمالي وليد أبو سليمان إلى أنّ «الدولار إنخفض فقط ما يُقارب الـ 4000 ليرة ثم عاود الإرتفاع». ويشير الى أنّه «يجب ألّا ننسى أننا دخلنا مرحلة فراغ رئاسي والحكومة لتصريف الأعمال فقط. فالإستقرار السياسي مهم جداً ويلعب دوره بعامل الثقة. وأي إضطرابات سياسية ستؤثر سلباً على وضع الليرة، وهذا أوّل عامل من عوامل عدم استقرار سعر الصرف».

ويُضيف إلى هذه العوامل العامل النفسي لدى المواطن والتاجر. حيث سبق لمصرف لبنان وقام بهذه الإجراءات السابقة ولم ينخفض الدولار. فعملياً، المواطن «حامل الدولار» لم يعد لديه ثقة بأن السعر سينخفض!

ويلفت إلى أنّ «كل الإصلاحات المرجوة لم تنفذ، إضافة للإخفاقات السياسية. والطلب على الدولار ما زال كما هو بسبب نمط إستهلاكنا. والرسم الجمركي لم يرتفع من 1500 إلى 15000، واذا افترضنا حدوثه اليوم لكان الاستيراد تراجع، لكن مع عدم اقرار الدولار الجمركي حتى الآن بقي الاستيراد كما هو».

ويرى أن «وصول كميات الليرة المتداولة الى 75 تريليون ليرة سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وانهيار سعر الصرف».

وعن إتجاه الدولار في المستقبل، يرى الخبير أبو سليمان انه»من المؤكد أنّ المسار سيكون تصاعدياً في ظل استمرار الفراغ وضمن نطاق حكومة تصريف الأعمال. ولا أحد يستطيع التكهن إلى أين سيصل، لا سيما و ان الإجراء الذي اتخذ مؤخراً لم يأت بشيء».

هذا وينتقد ابو سليمان منصة صيرفة، معتبراً أنّها «تسير باتجاه واحد، والمنطق يقول إنه يجب أن يكون هناك عرض وطلب». ويرى أنّه من الواضح أنّ التجار والمواطنين هم المستفيدون منها. وفي حال أقر «الكابيتال كونترول»، يلفت أبو سليمان إلى انّه «كان من المفترض أن تكون خطوة إيجابية وليس سلبية، لكن لم يتم اقراره ولا بوادر تشير الى إقراره قريباً.

شيخاني: تعاميم تتناسب مع مصالح الطبقة السياسية على حساب الشعب

من جهته، يشرح الخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني سبب انخفاض سعر الصرف موقتًا، ويقول: «كان انخفض احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية إلى 8.5 مليارات دولار، ما أثر على قدرة المصرف المركزي على بيع الدولارات إلى مستوردي المحروقات على سعر صرف منصة صيرفة».

ويلفت شيخاني، إلى أنّ «المركزي، ولحل مشكلة إنخفاض احتياطياته، طبع 22 تريليون ليرة لبنانية هذا الشهر. واشترى من خلال هذه الكتلة 500 مليون دولار من السوق الموازية لتقوية إحتياطياته بالعملة الصعبة».

ويضيف، «طباعة هذه الكتلة الكبيرة من الليرات أثرت بشكل سلبي على سعر الصرف في السوق الموازية، وارتفع سعر الصرف إلى 40500 ليرة للدولار الواحد».

وتعليقًا، على التعميم الذي صدر مؤخراً يقول شيخاني، «التعميم ينص على أن المصرف المركزي سيبيع الدولار الأميركي حصراً على سعر منصة صيرفة، ما يعني فعلياً أنه سيضخ من جديد على المنصة النصف مليار دولار التي اشتراها من السوق».

ويتابع، «هذا التعميم أثر على سعر الصرف الذي انخفض إلى 35000 ليرة للدولار. فأقدم مضاربون على بيع دولاراتهم فوراً على سعر السوق العالي للاستحواذ على كميات كبيرة من الليرات لشراء الدولار على سعر صرف أقل».

ويخلص شيخاني، إلى القول: «عندما يطبع المصرف المركزي العملة الوطنية، ينهار سعر الصرف. وعندما يبيع المصرف المركزي الدولارات على منصة صيرفة يتحسن موقتاً سعر الصرف على المدى القصير. ليعود ويرتفع مجدداً لاحقاً (حيث لا تَحسّن هيكلياً للاقتصاد). وكل هذا يشكل خسائر تتراكم في ميزانية مصرف لبنان من دون أن تفيد المواطنين. لأن سعر السلع لا ينخفض فوراً». وبالتالي النتيجة في الحالتين سلبية وهي تدني نسبة الاموال الباقية للمودعين».

ويتمنّى على «المركزي المحافظة على الدولارات المتبقيّة لديه، ووضع سياسة نقدية حقيقية سريعاً، بدلًا من إصدار تعاميم تكتيكية موقتة تتناسب مع مصالح الطبقة السياسية على حساب الشعب اللبناني».

ويُعبّر شيخاني عن خشيته من «الإنهيار التامّ، ويُشدّد على «أنّنا بحاجة لإصلاح مالي، نقدي، ضرائبي، إداري … لأنّ البلد لم يعد يحتمل. لذا علينا وقف النزيف (أي الطبع الهائل للعملة) وعدم إستعمال الإحتياطي بالدولار، حتى إقرار خطة التعافي التي تحمي أموال المودعين أولاً، وتعيد الثقة والسيولة اللازمة لإعادة العجلة الإقتصادية».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here