طلب مصطنع على الليرة: «سعدنات» السياسة النقدية

0

… وانخفض سعر الدولار. لم يعد الخبر جديداً، بل قصّة يجري تداول نتائجها هنا وهناك. الانخفاض سببه واضح ومعروف، إذ إن مصرف لبنان بات يضخّ كميات هائلة من الدولارات مقابل شراء الليرات من السوق. هي ليست «هندسات»، بل «سعدنات» خلقت طلباً مصطنعاً على الليرة ورفعت سعرها مقابل الدولار. لكن، ستنكشف الحقيقة يوم يتوقف مصرف لبنان عن تبذير كل هذه الدولارات. الحقيقة لا سعر لها، سوى أن هناك أسعاراً متعدّدة لسعر الصرف يجري من خلالها تحفيز المضاربات. مهما قيل غير ذلك، ومهما انخفض الدولار أو ارتفع، فإن ضخّ الدولارات في حلقة المضاربات أمر عبثي في السياسات النقدية. قد يكون له هدف سياسي يتعلق بتقديم الدعم لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي وسائر زعماء الطوائف في لبنان، إلا أن دعماً كهذا يأتي على حساب تبديد الذخيرة الأخيرة التي يملكها لبنان من أجل النهوض. فحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، الذي ابتدع هذه الهندسات أو «السعدنات»، قالها قبل أيام: نحتاج إلى ما بين 12 مليار دولار و15 ملياراً من أجل النهوض. قالها بلا خجل. قالها وهو يوزّع الدولارات التي جمعها من السوق، وبعدما بدّد قبلها نحو 19 مليار دولار.

عملياً، ما الذي يحصل انطلاقاً من التعميم 161 وتعديلاته؟ مصرف لبنان يبيع المصارف الدولارات على سعر «صيرفة». كان الأمر محصوراً بـ«كوتا» مخصصة لها من مصرف لبنان، لكن جرى توسيع هذه العملية لتصبح بلا حدود. أما المصارف فتبيع الدولارات للزبائن باستنسابية مطلقة على سعر «صيرفة». غالبيتها التزمت بتحويل رواتب موظفي القطاع العام إلى دولارات، ثم حوّلتها على سعر 8 آلاف ليرة وأخذت الناتج من هذه العملية مقابل تسديد الدولارات للزبائن على سعر «صيرفة» أيضاً. منها من منح موظفي القطاع الخاص عمليات من هذا النوع، ومنها من رفض. بعضها وافق على استعمال الليرات المدفوعة للزبائن وفق التعميم 158 لتحويلها إلى دولارات ورقية بالآلية نفسها… لكن بعد إلغاء سقوف حصص الدولارات التي كان يوزّعها مصرف لبنان على المصارف، أصبحت مصلحة المصارف أكبر في شراء كميات كبيرة من الليرات الورقية في السوق مقابل شيكات.

وهذا يعني أن من اشترى الشيكات سيحاول إعادة تدويرها إلى دولارات لتحقيق الأرباح، أو تحويلها إلى ليرات من تجّار آخرين يخزنون الليرات… كل طرف في هذه اللعبة سيحاول القيام بما يلزم لتحقيق ربح من بيع الليرات الورقية أو الدولارات الورقية أو حتى الشيكات. هذه الحلقة هي عملية مضاربة متواصلة لا تتوقف طالما أن مصرف لبنان مضطر أن يضخّ المزيد من الليرات في السوق لتسديد رواتب موظفي القطاع العام ولزوم حاجات الدولة، فضلاً عن أنه كان قد أشبع السوق ضخاً ليصبح حجم الكتلة النقدية المتداولة 46 ألف مليار ليرة في نهاية السنة الماضية. كمية هائلة من الليرات في السوق لن يستطيع المركزي السيطرة عليها مهما ضخّ مقابلها دولارات، إذ بمجرّد وجود تعددية أسعار الصرف التي خلقها مصرف لبنان، يصبح هو المضارب الأكبر على الليرة، ولكن ليس المضارب الأوحد، بل سيكون إلى جانبه مضاربون قادرون على التحكّم بمصير سعر الصرف. حالياً، انخفض السعر، لكن الخشية مما سيحصل حين يتوقف العمل بالتعميم 161 وننتقل إلى «سعدنات» أخرى.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here