مسؤولية وزارة المالية عن الانهيار… بين الاتهام المباشر والتفنيد الموضوعي!

0

لا يمكننا مقاربة الأزمة المالية التي نتخبط فيها، منذ ما يزيد عن 3 سنوات، من زاوية وحيدة هي: أن أداء الطبقة السياسية أوصلنا إلى الإنهيار والورطة المالية التي نغرق في وحولها. بل يجب تحديد المسؤوليات بشكل أدق. ومن هنا نطرح السؤال عن مسؤولية وزارة المالية. إذ يشكل دور الوزارة أحد الزوايا التي لا يجب تغييبها، عند محاولة تحديد العناصر والمؤثرات التي أوصلت اللبنانيين إلى الحضيض المالي والاقتصادي الذي نعيشه. فدور وزارة المالية لا يقتصر على وضع الارقام المالية في المكان المناسب حسب الاهواء السياسية والمصلحية، بل في إستعمال صلاحيات نصّ عليها الدستور والقوانين المرعية الإجراء، لا سيما في محطات مفصلية شهدها الوضع النقدي والمالي والاقتصادي في لبنان. المقاربة يجب أن تشمل أيضاً الابعاد السياسية التي تحكمت بأداء الوزراء المتعاقبين على هذه الوزارة، التي أريد لها أن تكون أقرب إلى محفل مغلق يقتصر الدخول إليه على بطانة بعض أهل النظام وحاشيته.

لذلك، ليس من المبالغة القول إن وزارة المالية (كما عدد من الوزارات الحساسة الأخرى)، كانت على مدى عقود إمارة من إمارات أهل النظام الذي نشأ بعد إتفاق الطائف، والتي كان يتبادل من خلالها أركان الحكم المصالح والخدمات للإبقاء على عصب زعاماتهم الطائفية بتمويل من المال العام سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فضلاً عن جعلها اداة توزيع منافع وتوظيفات على حساب الخزينة العامة، ولاحقاً على حساب المودعين وكل اللبنانيين. قد تكون الأمثلة على ما تقدم كثيرة، ولعل أبرزها ما رواه أحد الموظفين المتقاعدين من الوزارة لـ»نداء الوطن»، كدليل على أن الزبائنية السياسية تحكمت بكل مفصل من مفاصلها. إذ عيّن أحد وزراء المال السابقين موظفاً «بالفاتورة» محسوباً عليه طائفياً وحزبياً، وذلك في موقع «مراقب أساسي للضرائب من الفئة الثالثة». علماً أن من يستلم هذه الوظيفة يجب أن يكون أقرب إلى قاض مالي، وأن يجتاز إمتحان مجلس الخدمة المدنية، ويتلقى تدريبات ودورات للقيام بوظيفته المهمة والحساسة.

ومن الامثلة الاخرى التي يمكن إيرادها، قضية سلسلة الرتب والرواتب التي وضعتها الوزارة في عهد وزير المال السابق علي حسن خليل. والتي كانت مبنية على أرقام وحسابات غير دقيقة (بسبب الشعبوية)، أدت إلى خسائر فادحة في خزينة الدولة، وكانت أحد العوامل التي سرّعت الانهيار. ناهيك عن قبول كل وزراء المال بإقرار موازنات بالرغم من العجز الهائل فيها، من دون أن يستعملوا صلاحياتهم للحد من هذا العجز. بل على العكس تماماً، كانوا يعمدون إلى طلب الاستدانة، لتغطية النفقات الهائلة وسد العجز في الموازنة، أو الصرف على القاعدة الاثنتي عشرية.

في هذا الاطار لا بد من التذكير، بأن إحدى أهم صلاحيات وزير المالية، ما أعطاه إياها قانون النقد والتسليف، والتي جعلته شريكاً في رسم السياسات المالية والنقدية، إلى جانب حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي، هذه الصلاحية لم يقربها أي من وزراء المالية، بالشكل الذي يؤمن مصالح اللبنانيين سواء قبل الانهيار (الاعتراض على الهندسات المالية التي قام بها البنك المركزي على سبيل المثال لا الحصر)، أو بعد الانهيار من خلال تفرد حاكم مصرف لبنان في إصدار تعاميم وفقاً لوجهة نظره لمعالجة الانهيار، وليس لمصلحة المودعين وعموم اللبنانيين.

بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن وزارة المالية والوزراء المتعاقبين عليها، يتحملون مسؤولية تقنية-سياسية عن كل ما يعيشه اللبنانيون من ويلات على الصعيدين المالي والاقتصادي. ولذلك سعت «نداء الوطن» إلى جمع آراء مختصين ومتابعين للشأن المالي، لتشريح هذه المسؤولية وتحديد مكامن الخلل، الذي أمعنت فيه الوزارة مما أوصلنا إلى الانهيار الكبير.

صالح: بالدرجة الاولى… المسؤولية تقع على الوزارة والبنك المركزي

يسجل المدير العام السابق للمحاسبة في وزارة المالية أمين صالح، مسؤولية الازمة التي نعيشها، في خانة «مجلس الوزراء مجتمعاً ومجلس النواب»، شارحاً لـ»نداء الوطن» أن «السياسات العامة يرسمها مجلس الوزراء وفقاً لأحكام الدستور، والوزراء متضامنون على وجه الاجمال، ما يعني أن المسؤولية جماعية. أما من ناحية توزيع المسؤوليات، فتتحمل وزارة المالية المسؤولية الاولى، ثم يليها حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي للمصرف، ثم مجلسا الوزراء والنواب الذي وافق على مشاريع الموازنات».

ويفسر أن «المسؤولية الاولى على عاتق وزير المالية والحاكم، لأن وزارة المالية هي التي يفترض بها أن تحدد السياسة المالية، والحاكم والمجلس المركزي ينبغي أن يحددا السياسة النقدية، ولذلك يقتضي أن يكون هناك تنسيق وإنسجام بين هاتين السياستين»، شارحاً أن «السياسة المالية هي سياسة الانفاق الحكومي، وتحصيل الضرائب من المكلفين. والانفاق والجباية هما العنصران الاساسيان اللذان يحددان السياسة المالية، أي حجم الاقتطاع الضريبي من الاقتصاد، وحجم الانفاق الحكومي وتخصيصه على أوجه إنفاق معينة، وهي مسؤولية أولى تقع على وزارة المالية، باعتبار أن وزير المالية هو من يضع مشروع الموازنة ويؤمن التوازن فيها، ويقترح لتحقيق هذا التوازن سواء إستعمال الاموال الاحتياطية، أو إتخاذ تدابير من شأنها تقليص النفقات، أو زيادة في الضرائب والرسوم بالاشكال المختلفة، وهو يرفع هذه الموازنة إلى مجلس الوزراء لبتها وتحويلها إلى مجلس النواب».

يضيف: «إذاً لوزارة المالية هنا دور أساسي. وقانون المحاسبة العمومية أعطى وزير المالية، حق الطلب إلى مجلس الوزراء بوقف صرف بعض الاعتمادات، وهو مسؤول بأجهزته كافة عن متابعة تنفيذ الموازنة بعد إقرارها، في كل وزارة ومؤسسة تابعة للدولة عبر مراقب عقد نفقات، الذي هو تحت سلطة وزير المالية». موضحا أن «وزير المالية هو عين السلطة السياسية على الانفاق في وزارات ومؤسسات الدولة، وتحديد المخالفات ومكامن الهدر في الانفاق وإيقافها، أو إيداعها الجهات القضائية المختصة، ولا سيما ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي للقيام بما يلزم قانوناً». يرى صالح أن «وزارة المالية كانت تصرف إعتمادات للوزارات، لقانون المحاسبة العمومية والمادة 112 منه. وتوافق على الانفاق من دون موازنات، وتم الاعتماد على مشاريع الموازنات، وهذا ما حصل من العام 2012 حتى 2017». لافتا إلى أنها «مسؤولة عن الرقابة على الحسابات في الدولة وإنجاز حساب المهمة، وحساب قطع الحساب أي ميزان الحسابات العام. والجميع يعلم أن وزارة المالية بأجهزتها المختلفة، ومنها مديرية الخزينة لم تنجز حسابات المالية للدولة، وفقاً للأصول المنصوص عليها بالتصميم المحاسبي العام، وفي قانون المحاسبة العمومية». ويشير إلى أنها «لم ترسلها في أوقاتها إلى أجهزة الرقابة المختصة، وديوان المحاسبة وهذا التقصير فاضح، لأن هذه الحسابات هي الأداة الرقابية التي بواسطتها، وزارة المالية تراقب الانفاق في الوزارات. ومجلس النواب وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي تراقب حسن تنفيذ الموازنات، وحسن إستخدام الاموال العمومية والسهر على عدم الاساءة في إستخدامها». يضيف: «وزارة المالية هي أم الوزارات، والتهرب الضريبي مسؤولية الوزارة، وبخاصة مديرية الواردات وجهازي مراقبة التحقق والجباية». معتبراً أن «ما يحصل من تهرب هو مسؤوليتها، وصحيح ان جهاز التحقق يضم خبرات وكفاءات، لكن ينقصه التدريب والتعليم المتواصل والابتعاد عن السياسة».

ويختم: «وزير المالية يتحكم بالدولة، وينفذ سياسات جهات سياسية معينة ونفعية كما باقي الوزراء، بدل تنفيذ السياسة العامة للدولة وسياسة الاستقرار المالي».

نحاس: زعماء الطوائف أسرى نظام يدمّر المجتمع

يقارب أمين عام حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» الدكتور شربل نحاس، مسؤولية وزارة المالية بمفعول رجعي. ويقول لـ»نداء الوطن»: «وزارة المالية هي العصب الاجرائي للسلطة العامة، وهدفها حشد موارد من خلال الاقتطاع الضريبي لتأدية الخدمات العامة. ولا يمكن الفصل بينها وبين السياسة العامة للسلطة». لافتاً إلى أنه «خلافاً لما كان قائماً من أصولية محافظة لإدارة المالية العامة قبل التسعينات، فالميليشيات التي إتفقت في ما بينها لتركيب نظام جديد، قاطعت النظام المالي السابق. وقامت في العام 1992 (بعد مناورة مخطط لها)، باللعب بسعر صرف الليرة لإستجلاب الاموال، بعدما تبخرت وعود الصندوق العربي لإعادة الاعمار».

ويشير نحاس إلى أن «النتيجة كانت إستجلاب أموال من الخارج، وإستعمالها لإرضاء الميليشيات وتنفيعها، والرهان على تغييرات سياسية في المنطقة. وتُرجم هذا النهج بتكليف وزارة المالية للوزير فؤاد السنيورة، وتمّ القيام بإجراءات ضمن رهان نجاح عملية السلام بتخطيط إقليمي، وهذا ما لم يحصل. وفي آخر التسعينات حصلت محاولة للخروج من هذا النهج، وشاركت فيها عبر حكومة الرئيس الحص، ولم يأخذ برأينا بإعادة هيكلة مالية ونقدية، بعدها جاءت مجموعة من الظروف العرضية، التي أدت إلى تفاقم حجم الخسائر مع إستمرار الاوهام، بأن الامور ستسير بخير».

يضيف: «من مفاعيل غزو العراق حصل مؤتمر باريس 1 و2. ثم بعد 2005 عاش لبنان فترة إستقطاب للودائع في مصارفه (بفعل إرتفاع سعر النفط والازمة المالية العالمية). وخلال هذه المرحلة كانت هناك فوائض في ميزان المدفوعات بشكل هائل، ما دفع الدولة للإستدانة بأكثر من حاجتها (10 مليارات)، لدفعها للمصارف لكي تبقى هذه الاخيرة قادرة على جلب الودائع».

يرى نحاس أن «زعماء الطوائف الذي يحكمون، بحاجة إلى أموال لصرفها على مصالحهم وطوائفهم، ولا يأبهون بأن هذه الاموال تترجم بزيادة الدين. هم إئتلاف سلطة بحاجة إلى رئة اسمها النظام المصرفي، والمصارف كانت تعلم أن الافلاس آت لا محالة، لكنها كانت مطمئنة بأن السلطة بحاجة إليها، وأنه خلال سنوات قليلة ستزيد أرباحها بالمليارات، ولم تتفاجأ بالانهيار».

ويختم: «الطبقة السياسية لم تتخذ أي قرار للقيام بإصلاح إرادي للمالية العامة، ولا نزال في هذا المنطق حتى اليوم. السلطة عاجزة عن إتخاذ أي قرار. والزعماء أسرى لنظام يدمر المجتمع. وهناك حاجة وظيفية لتأمين الولاءات السياسية، عبر ماكينة الصرف والانفاق التي كانت تؤمنها المصارف».

قرم: لم تقم “المالية” بوقف ممارسات حاكم مصرف لبنان غير القانونية

يرى وزير المال السابق جورج قرم لـ»نداء الوطن» أن «هناك مسؤولية جماعية بين وزارة المالية والبنك المركزي. والاخير هو المسؤول الاكبر عن كل الاوضاع المأسوية التي وصلنا اليها، لأنه وضع يده على مدخرات اللبنانيين، والمطلوب هو إجراءات تسمح للبنان بتغيير حاكم المركزي، الموجود في منصبه منذ سنوات».

يضيف: «أنا أحمّل «المركزي» مسؤولية أكبر من وزارة المالية عما جرى، علماً أنها لم تقم بأي إجراء لوقف ممارسات الحاكم غير القانونية، وهذا ما يتيحه لها قانون النقد والتسليف، لأن في «المركزي» مفوض حكومي يمكنه التدخل، ووقف السياسات المدمرة التي اتّبعها مصرف لبنان». يشير قرم إلى أن «هذه الممارسات حصلت قبل الانهيار، وكان هناك عدم متابعة من قبل المسؤولين السياسيين لها. ويُقال أن «المركزي» كان متواطئاً مع السياسيين لعدم محاسبته، وكان على وزارة المال إتخاذ إجراءات لوقف ممارساته، لكنه كان تحت حماية أركان النظام المالي والسياسي».

عطالله: إغفال السياسة الضريبية العادلة… والخضوع للمحاصصة

يعتبر المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات سامي عطالله لـ»نداء الوطن» أن «هناك مسؤولية على وزارة المالية عن الازمة، لكن ليس وحدها ومن دون تبرئة الجهات الاخرى». لافتاً إلى أنه «من المآخذ التي يمكن تسجيلها عليها في الوقت الحالي أي في عز الازمة، هو عدم مقاربتها السياسة الضرائبية بالشكل المطلوب، وتعديلها وفقاً لرؤية ضرائبية تنصف الفقراء والطبقة الوسطى (الضريبة على الثروة مثلاً)». ويلفت إلى أن «الضرائب في معظمها لا تزال وفقاً لتسعيرة دولار بـ1500 ليرة. والضرائب الحالية لا قيمة مادية لها. الهدف من إبقائها على هذا السعر هو حماية ميزانية المصارف على حساب الدولة. وهذه مسؤولية تتقاسمها الوزارة مع النظام السياسي».

يضيف: «هذا النظام الضريبي المترهل يعود بالنفع على الشركات التي تعمل وتحقق أرباحاً طائلة. نحن في حالة إنهيار وعلينا إيجاد طريقة لتخفيف وطأة الضرائب عن الفقراء والمفلسين، ليتحملها الاغنياء بشكل عادل». مشيراً إلى ان «السياسة الضرائبية، مع سياسة الدين التي تمّ إعتمادها من قبل الحكومات اللبنانية على مدى عقود، ضربت الشعب اللبناني، وقامت على مفهوم ثروة عكسية والمرتكز على الاستدانة من المصارف، وسندات الخزينة وفقاً لفوائد عالية، وتخفيض الضرائب على الميسورين، وهنا من واجبات الوزارة ومسؤولياتها طرح هذا التعديل، بالاضافة إلى مسؤولية الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة».

ويختم: «الوزارة وبالشراكة مع المصرف المركزي، تتحمل وزر الاستدانة أكثر من حاجة الخزينة للاموال. ناهيك عن عدم إقرار الموازنة في الاوقات المحددة وإصدار قطع الحساب، وهذا يعني انها لم تلعب دورها بمسؤولية وخضعت لنظام المحاصصة السياسي والذي ضرب مؤسسات الدولة».

منعم: السلطة مجتمعة تتحمل المسؤولية… ومسؤولية الوزارة تقنية

ترى المديرة التنفيذية لمنظمة «كلنا إرادة» ديانا منعم، لـ»نداء الوطن» أن مسؤولية الازمة جماعية. فصحيح أن وزارة المالية هي المسؤولة عن التحضير للموازنة بمراحلها الاولى، لكنها تناقش وتقر في كل من مجلسي الوزراء والنواب». وتشير إلى أن «هناك ثغرة كبيرة في المالية العامة، وتتمثل بغياب الموازنة لسنوات طويلة، وغياب قطع الحساب، واعتماد القاعدة الاثنتي عشرية للصرف، وتغييب الاصلاحات الاساسية في الكهرباء والقطاع العام وإعادة هيكلته، وإعادة هيكلة الدين العام وتكبيل الموازنة بنفقات كبيرة كسلف لمؤسسة كهرباء لبنان ورواتب وأجور وخدمة الدين». لافتة إلى أنه «من هنا لم يعد بإستطاعة الموازنة ان يكون لها نفقات إستثمارية، في ظل غياب الاصلاحات والإستثمارات، لتحسين التقديمات الاجتماعية واهمها التعليم والصحة. والمشكلة الاساسية في المالية العامة هي غياب إصلاحات ترافق الموازنة، لتحريرها من نفقات كبيرة تكبلها، وفي الوقت نفسه ليس هناك من إنتظام للمالية العامة، سواء عبر عقد النفقات أو إصدار موازنات في موعدها، وغياب موازنات بشكل مطلق ولسنوات عديدة».

وتختم: «السلطة مجتمعة تتحمل المسؤولية، بالاضافة إلى مسؤولية تقنية لوزراء المال في إستعمال صلاحياتهم».

نعمة: الوزير مندوب غير مخوّل بالتوقيع إلا بأمر بري

يرى الخبير في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر، أديب نعمة لـ»نداء الوطن»، أن «السلطة المالية لم يتم ترتيبها بشكل أساسي في وزارة المالية، بل في مصرف لبنان من خلال سلوك الحاكم والمجلس المركزي». معتبراً أن «المشكلة الحقيقية هي أن السلطة، ليست موجودة في المؤسسات التي يفترض أن يدل اسمها على انها هي السلطة. والدليل أن وزير المالية الحالي، قال في مؤتمره الصحافي الاخير أنه كان كيس ملاكمة. والاداء الذي سلكه يدل على أنه كان مندوباً غير مخول بالتوقيع إلا بأمر الرئيس نبيه بري».

ويشدد نعمة على أن «رئيس المجلس لا يعبر عن نفسه فقط، بل عن شبكة المصالح المتصلة بالمصارف، وهو جزء منها بالاضافة الى غيره من السياسيين، ويترجمها الحاكم وجمعية المصارف مالياً. والمشكلة في لبنان أن الانهيار الذي حصل له علاقة بصراع عميق على السلطة وهي 3 رؤوس: رأس ميليشيوي مسلح ورأس غنائمي ورأس السلطة المالية»، معتبراً أن «ما شهدناه في الموضوع المالي والاقتصادي والاجتماعي، هو نتيجة الصراع بين هذه الرؤوس، مثل تنين بـ3 رؤوس كل رأس يريد إلتهام الآخر».

شمس الدين: مجلس النواب هو المسؤول الأول… الآن!

يقول الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ»نداء الوطن» أن «المسؤول الاول بعد الانهيار هو مجلس النواب، لأنه لم يقر التشريعات التي تواكب الازمة، وتحمي الودائع وتحد من المشاكل»، مشيراً إلى أنه «من بعده يأتي وزير المالية والمسؤولون الآخرون. لأنه حين بدأت الازمة واقفلت المصارف في تشرين أول 2019، أول خطوة كان يجب أن تتم هي إقرار قانون ينظم العلاقة بين المودعين والمصارف، ويحد من خروج الودائع (كابيتال كونترول) وهذا ما لم يحصل».

ويرى أنه «هنا بدأت الفوضى في السحوبات والتحاويل إلى الخارج. وهذه هي برأيي المسؤولية الاساسية، أي عدم إقرار التشريعات والنظم التي تنظم الاوضاع، والتي تضاف إليها عشوائية التعاميم من مصرف لبنان وسياسة الدعم الفاشلة»، مشدداً على أنه «لا زالت الازمة وتداعياتها حتى الآن من مسؤولية مجلس النواب. قبل الانهيار كانت المسؤولية جماعية، ووصل الدين العام إلى 100 مليار دولار وتزامن مع عجز الدولة. فهذا يعني أن هناك طبقة سياسية، هي المسؤولة عما وصلنا إليه وليس فقط وزارة المالية. أي مجلس النواب والحكومة ومصرف لبنان، وكل من كان يعرف أن الانهيار قادم، ولم يقدم على أي خطوة لتلافيها او الحد من تداعياتها السلبية».

معراوي: حاولنا مع وزني وخليل تجنيب لبنان المزيد من الخضات

يتجنب مدير عام وزارة المالية بالوكالة جورج معراوي التطرق إلى دور الوزارة في الانهيار، لكنه يتحدث لـ»نداء الوطن» عن دورها الحالي، فيقول: «وزارة المالية تسعى جاهدة لتجنيب لبنان المزيد من الخضات، وهذا ما أريد الجزم به منذ تولي مسؤولياتي في العام 2020. ومن خلال معاصرتي لوزيري مالية هما غازي وزني ويوسف الخليل»، جازماً «بمحاولتهما الدائمة العمل على تجنيب المواطنين الاسوأ وإستيعاب الازمة»، ويشدد على أن «كل قرار تم إتخاذه كان محاولة لتجنيب البلد أسوأ، من خلال المفاوضات مع صندوق النقد والاتفاق معه على مستوى موظفين». ويختم: «حالياً هناك موازنة وإعتمادات مالية مؤمنة للوزارات ولرواتب الموظفين والمحروقات، والموازنة بالرغم من كل الانتقادات، ستؤمن الاستمرار لمؤسسات الدولة، بالرغم من الفراغ الحاصل».

غصن: الوزارة لم تستغل الفرص… والقرار السياسي عطّل صلاحياتها الإصلاحية

يرى الصحافي الإستقصائي المتخصص جاد غصن لـ»نداء الوطن» أنه «يجب تقسيم المسؤولية إلى شقين: الاول هو المسؤولية السياسية بإتخاذ القرارات المالية، هذا ينطبق على حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري وحكومات ما بعد العام 2005، التي اتخذت قرارات بالسياسات المالية والاقتصادية، وكان على وزارة المال تطبيقها مع بعض الهوامش، بإستثناء الوزيرين جورج قرم والياس سابا»، لافتاً إلى أن النظام السياسي كان بحاجة إلى أطر تمويل، والجميع إتفق على تثبيت سعر الصرف، وإستقطاب الدولارات ولو بأكلاف فوائد مصرفية عالية، لا يمكن إستثمارها إلا بإعطائها للدولة على شكل ديون مما يزيد المديونية العامة وبالدولار».

يضيف: «وزير المال عليه مسؤولية الرفض في مجلس الوزراء. والمسؤولية القانونية للوزارة بعد العام 1992، هي كيفية الانطلاق بالبنية المالية، بحيث قام الرئيس الحريري بإتخاذ قرار بتصفير حسابات الدولة خلال الحرب الاهلية، بدل إعادة تكوين الحسابات». مشيراً إلى أن «السياسة العامة لإعادة الاعمار التي انتهجت هي سياسة الاسراف، والتوزيع السياسي (الصناديق) مما زاد من المديونية بشكل كبير. وبعد وصول إحتياطي مصرف لبنان إلى مستويات خطرة في العام 1997، كان الجواب بالاستدانة بالدولار ورفع الفوائد بالدولار، مما إستقطب ودائع، سمحت للدولة بأن تستدين من المصارف». يشير غصن إلى أنه «حين كانت تحصل خضات في الوضع المالي كما في العام 2001، كانت المعالجة تأتي عبر المؤتمرات الدولية، وهنا المسؤولية خارجية لتغطية البنية غير المستدامة. بالإضافة إلى أنه بعد 2005 حصلت فوضى عامة، واكملنا سياسة رفع الفوائد، وتوقفنا عن القيام بموازنات. والمشكلة الاكبر بدأت في العام 2011، حين أصبح ميزان المدفوعات سلبياً، فكان اللجوء عبر هندسات مالية من قبل مصرف لبنان في العام 2016»، لافتاً إلى أنه «بدل أن تقوم وزارة المال بإجراءات تصحيحية خلال الفرص التي أتت إلى لبنان بين العامين 2008 و2012 بفعل الازمة المالية العالمية التي حصلت واستقطبت ودائع إلى لبنان، لم يجر القيام بأي خطوة إصلاحية خاصة بكيفية إستعمال الـ40 مليار دولار التي دخلت إلى المصارف اللبنانية». ويختم: «وزارة المال في قانون النقد والتسليف، لديها صلاحية ضبط عمل البنك المركزي والسياسة المالية والاقتصادية، ورفع الفوائد وتخفيضها وتثبيت سعر الصرف. لم تقم بهذا الدور لأنه كان هناك قرار سياسي متفق عليه من قبل القوى السياسية بعدم الاقتراب من هذه الصلاحيات، و لم تختلف مرة الوزارة مع مصرف لبنان لوضع إطار لعمله».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here